الملحق الثقافي

الهاربون من بؤسهم

رجل متشرد في مكان عام بعدسة مايكل ويليامسون مصور «الواشنطن بوست»

رجل متشرد في مكان عام بعدسة مايكل ويليامسون مصور «الواشنطن بوست»

لم تبدع السينما منذ نشأتها إلى اليوم شخصية أقوى في وضوح ملامحها وشفافية مشاعرها من شخصية البائس التي تقمصها ببراعة منقطعة النظير، عبقري السينما، شارلي شابلن. فإلى اليوم، ما فتئت أفلامه الصامتة، بلونيها الأسود والأبيض، تجلب إليها أنظار عشاق السينما، فتضحكهم وتبكيهم في آن، وهم يتابعون مغامرات بطلها العجيبة، وهو يواجه عنف المدينة وقسوة العالم.

ليس هذا البطل سوى أنموذج الإنسان البائس، وقد أعادت السينما الأميركية صناعته. فهو ليس «السوبرمان» البطل الخارق، ولا «باتمان» قاهر الظلمات، ولا «الكاوبوي» راعي البقر الذي غزا أميركا بمسدسه وحصانه، ولا «جيمس بوند» الذي بوسامته وأسلحته حارب بمفرده قوى الشر المتجددة تجدد آلة القتل التكنولوجية... لا شيء خارق في هذا الإنسان البائس يمكن أن يبشر بولادة بطل استثنائي. ورغم ذلك فهو بطل معروف كونياً، بتسكعه في شوارع المدينة الأميركية، وبقبعته وعكازه، وزوج حذائه الكبيرين، وسرواله الواسع الذي يكاد يسقط منه، وشعره الأشعث، وشاربيه الصغيرين المقضومين من الأطراف، وثيابه الرثة، فكل هذا الخليط المزري قلب شخصية شارلي إلى رمز للفن السينمائي العظيم. وهي في معظم الأفلام التي مثّلها شارلي شابلن شخصية ثابتة الملامح جعلتها شراسة العالم الذي تعيش فيه تتحول إلى إنسان بائس بلا مزايا، يحتال ليبقى حياً بين الأقوياء من رجال العصابات والشرطة. وتزداد ملامح هذا البؤس وضوحاً بفضل التضاد الصارخ بين هشاشة شارلي البدنية وصغر حجم جسمه من ناحية، وعضلات الأشرار الضخمة المفتولة من ناحية أخرى، أو بغرابة المفارقات التي ترمي البطل في مواجهة مباشرة يصارع فيها تلك القوى المعادية في حلبة الملاكمة أو في السجون، أو حانات المدينة ومطاعمها. إلا أنه في كل المواجهات غير المتكافئة كان البطل يفوز بفضل حيله الواسعة تارة حين يضع في قفازه صفيحة حصان فتصبح لكمته حديدية يخرّ من وقعها الشديد جسم خصمه جاثياً، وطوراً حين يحالفه الحظ، فيصبح ثرياً بضربة حظ نادرة.

المتشرد والشرطي
ورغم النهايات السعيدة تظل شخصية شارلي شابلن في السينما رمز الإنسان البائس لا بسبب فقره المدقع، وازدراء الأثرياء، وعداوة الرجال الأشرار فحسب، وإنما أيضاً بسبب حضور شخصية الشرطي التي لا تكاد تغيب في الأفلام التي أخرجها شابلن. فالبؤس في تلك الأفلام ليس مرادفاً للفقر بالضرورة، وإنما عندما يصبح الإنسان مُراقباً، تراقبه الدولة بعيون الشرطة. فحين يصبح البائس في عيني الشرطة شخصاً خَطِراً يهدد أمن المدينة يضحي فجأة شخصاً مطارداً مضطراً من فرط الخوف إلى الهروب. فمشهد المطاردة والهروب، حيث نرى الشرطي وهو يلوّح بعصاه راكضاً خلف شارلي شابلن الهارب المتشبث بقبعته وعكازه، إنما هو من المشاهد العظيمة التي خلّدتها السينما في ذاكرتها. فالسينما تعلمنا شيئاً مختلفاً، يعرفه الأدباء وكتّاب الرواية الواقعيون، بأن البؤس ليس سليل الفقر، بل وليد المطاردة. فالإنسان البائس هو الإنسان الهارب من عيون السلطة بامتياز.
هل كان محمود تيمور يستحضر شخصية شارلي شابلن وهو يكتب رائعته «نبوت الخفير»؟ فشخصيتا البائس والشرطي حاضرتان في القصة على نحو هوليوودي عجيب. بطل هذه القصة «الشاويش جاد الله» الذي «هاله ما سمع من أن رفاقه من الشرطيين لم يُتَح لأحد منهم الظفر بصيد من الباعة الجوالين مع وفرة الصيد في هذا الشارع العامر بالقصاد». ويرجع إخفاقهم إلى أن «أخبار» رجل الشرطة «تبلغ الباعة قبل أن يبلغ مكانهم بقليل». فقد اكتسب هؤلاء الباعة حاسة «تشمم الشرطي» حتى غدت كجهاز الراصد «الرادار»، «يسترق أخبار الشرطة ويلتقطها في خطفة البرق». وكان من بين الباعة الجوالين «غلام قميء مهلهل الثياب لا يعدو العاشرة من عمره، له حَدبة تكاد تبتلع ظهره، يبيع نوعاً من الحلوى يُسمى نبوت الخفير». داهمة ذات يوم نعاس ثقيل لم يستيقظ منه إلا على وقع أقدام الشاويش الثقيلة «وفتح الغلام عينيه وسرعان ما صاح: يا خبر أسود! وفي خطفة البرق كان قد تكوّر على صندوقه وانطلق كالسهم. [...] واختلج الشاويش جاد الله اختلاجة الغضب، وهو محشور في حلته السوداء ذات الأزرار الصفر[...] ولم يلبث أن قفز خلف الغلام يثِب وَثَباته الجبارة ويقرع الطِوار بحذائه الضخم، فكأن أجراس الخطر قد انطلقت دقاتها تنذر الناس بشر مستطير. واندفع يجِدُّ في أَثَر الغلام، وقد مثلت السابلة صفوفاً تتفرج. ثمة سباق خطير بين «دودة» تتواثب و«حذاء» ضخم أسود يجلجل بقرعاته الصاخبة على الأرض. ينتهي مشهد الملاحقة بتعثر «الدودة» وقبض الشاويش جاد الله عليها. غير أن المفاجأة كانت تنتظر الشاويش لما «رفع الصبي عينيه إلى رجل الأمن يتصايح في نشيج وعويل: والله يا جناب الشاويش لم أفعل شيئاً». فقال له سائلاً: «وبضاعتك التي تبيعها بلا رُخصة؟» وحين تفقد الشاويش البضاعة لم يعثر على شيء. كان «الأحدب الصغير» قد التهم ما عنده من «نبابيت الخفراء»، «في غفلة من العيون». فاضطر الشاويش جاد الله إلى إخلاء سبيله بإلحاح الجمهور الذي كان يتابع المشهد عن كثب تماماً كجمهور السينما وهو يتابع بمتعة عظيمة مشهد الملاحقة غير المتكافئة بين إنسان بائس في حقارة «الدودة» وشرطي ضخم الجثة منتظراً في النهاية المفارقة العجيبة، وهي انقلاب الموازين على نحو غير متوقع.

فن المفارقات
ويبدو أن فن المفارقات قد ورثته السينما والقصة القصيرة من الصحافة. فقد كان انتصار الصحافة على الكتاب يُعزى إلى طبيعة الأخبار التي تنشرها الصحف. فهي تتبع القاعدة التي تعتبر أن أفضل الأخبار، إنما هي «الأخبار السيئة». ولأجل ذلك وجب نشر الكثير منها حتى لا تطغى الأخبار الطيبة السعيدة التي تروجها الإعلانات على أخبار الصحف بصفة عامة، وذلك لضمان مشاركة القارئ وإقباله عليها. ومما يؤكد هذه القاعدة ما قاله ذات مرة مؤسس صحيفة الـ«فيغارو» Figaro فيلميسون Villemessant: «يتحمس قرائي غاية التحمس لحريق [شب] بالحي اللاتيني أكثر من ثورة [اندلعت] في مدريد».
ويبدو أن فن القص قد تأثر بهذا المبدأ، خاصة القصة القصيرة. فهي سليلة الصحافة وببعض قواعدها تأثرت. وأبرز هذه القواعد هي التي تعتبر «أجود الأخبار ما كان منها سيئاً». ورغم أن هذه القاعدة تغذي أخبار الصحف وتخدمها أكثر من القصة ظل مبدأ كتابة القصص يقوم أساساً على ملكة تبادل التجارب، بإبلاغ ما كان جديراً من تجارب الناس بالقص. ويقتضي قص التجارب ونقلها راوياً يكون قادراً على الحكاية والنقل في زمن أضحى فيه فن القص نادراً تزاحمه أشكالٌ جديدة في التواصل كأخبار الصحف، هذا دون أن نضيف إلى كل ذلك طبيعة «الوقائع» اليوم. فقد بلغت في الأزمنة الحديثة من «السوء» درجة من القساوة والفظاعة يمنع قصّها ويعسر تبليغها بالطرائق المعهودة. ولا نحتاج إلى بحث مُضْنٍ عن هذا النوع من «الأخبار السيئة»، فهي موجودة بوفرة في قاع المجتمع عند من يسميهم فرانز فانون بـ«المعذبين في الأرض» من بؤساء المدينة.

أبطال معذّبون
يمكننا الآن أن نسأل: هل ابتدعت الصحافة والسينما وقبلهما الرواية أبطالها الجدد من البؤساء لمنافسة صناعة التاريخ الذي ظل منذ أن بدأ الإنسان في كتابته حكراً على الملوك والرسل والقادة العظماء؟ ألا تكون الكتابة السينمائية والروائية والقصصية، وحتى الصحفية قد ابتدعها مشروع الحداثة لإماطة اللثام عن الوجه الآخر المخفي من التاريخ المنسي الذي خطه الإنسان المقهور بدمه وألمه؟ ألا تكون الكتابة الحديثة بجميع أشكالها من ابتكار الإنسان الذي لا مجد له ولا مزايا، واختراع المقهورين للخلود في مملكة الخيال؟
توحي هذه الأسئلة بوجود تلازم بين الكتابة الحديثة و«المعذبين في الأرض»، لكأنها هي لسانُ حالهم والناطقُ الرسمي باسمهم. والحق أن هذا التلازم وإن أكدته الكثير من المعطيات ليس تلازماً ضرورياً لأن فن السينما والرواية والقصة القصيرة قد صُرِف في مواضيع أخرى غير البؤس الإنساني. غير أن هذا التلازم إن وُجد بين أشكال الإبداع الحديثة في الفن والأدب وبين «المعذبين في الأرض» فلا ينبغي أن يُعزى ذلك إلى ما يُوجد عند هؤلاء الناس من مَعِين لا ينضب من «الأخبار السيئة»، وإنما لما يمتلكه هؤلاء «المعذبون في الأرض» من تجارب قابلة للتبادل والقص. فالإنسان في أقصى حالات بؤسه وأقسى أحوال شقائه يفاجئ نفسه وغيره أيضاً بإنجاز أعمال بطولية تخرق رتابة اليومي المألوف، فتنقله دفعة واحدة، ولو للحظات معدودات، من مصاف «المعذبين في الأرض» إلى مرتبة الأبطال كأبطال الملاحم والتاريخ.

السيَر العربية
ولقد وُجد في التراث العربي شكلٌ من الخطاب تُسجل فيه أعمال الناس العظام هو شكل «السيرة». فهو شكل من أشكال الـ«فاما»، «fama»، أو «الصيت»، لا يعتني إلا بسِيَر «النبلاء» من الملوك والأنبياء والأمراء وخاصة الناس. وهو شكل خطابي يشتغل بالإقصاء، لأنه لا يصلح لعامة الناس وصغارهم، طالما أن السِيرة، في التصور القديم على الأقل، لا تُكتب إلا إذا كان لصاحب السِيرة «كم» مرتفع من الفضائل جدير بالحديث عنه. وليست الفضيلة سوى فعل نبيل لا يكتسب ألقاب نبله إلا بالخطاب الذي يُنشئه. ولما كانت الممارسة الخطابية هي في جوهرها شكل من أشكال ممارسة السلطان pouvoir، أضحت السِيرة شكلاً نبيلاً لا يجد عند العوام الكمَ الضروري من الفضائل للحديث عنهم. فهؤلاء لا سيرة لهم، أي لا أفعال نبيلة لهم تلفت الانتباه إليها، وتكون جديرة بأن يُكتب عنها أو تُروى، فتذيع حتى تكون جديرة بالاعتبار. ولما كانت «السِيرة» مرتبطة بـ«السَّيْر»، أضحى التأليف في السِّيَر والملاحم ضرباً من الكتابة يولي عنايته بمآثر الملوك وفضائل الأمراء، لأن أعمالهم النبيلة تمثل قاعدة السَّيْر السوي. وهي قاعدة لا يمكن أن نعثر عليها على نحو مثالي إلا في سِيَر النبلاء من الملوك والأنبياء والرسل. ولكن حين يكون السيْر غير سَويٍ وتتعطل القاعدة فتشتغل على نحو سلبي أو مضاد يستحيل حينئذ كتابة سِيرة نبيلة الأفعال، وإنما يُضحي ما يُعرض في الخطاب فضيحة. وما يُفضح لا يُعْتَبر به، ولا يمكن أن يكون قاعدة سَيْرٍ سوي. فالفضيحة خطاب يُشهر بفعل لا يُقاس عليه شيء، ولا ينبغي أن يُقاس عليه شيء بسبب شذوذه. فأن يقتل رجل غريب ملكاً وهو يجهل أنه أبوه، ثم يتزوج ملكة وهو لا يدري أنها أمه بعد أن نصّبته المدينة ملكاً عليها، فتلك وقائع سيرة تراجيدية سيئة لا تُعزى إلى الحظ وحده وإنما يتحمل أوديب جزءاً منها بسبب سوء سَيْره وعُسر مَشْيِه. ويبدو أن عُسر السَيْرِ متأصل في سلالة أوديب العائلية. فقد لاحظ كلود لفي ستراوس وهو يدرس أسطورة هذا الملك أن الأسماء المكونة لنسب أوديب تشترك جميعاً في الدلالة على العسر في السَّيْرِ. فاسم لابداكوس (والد لايوس) يعني «الأعرج». واسم لايوس (والد أوديب) يعني «الأعسر». أما اسم أوديب فيعني «ذا القدم المتورمة»، هذا دون أن ننسى أن في قدم أوليس، بطل الأوديسة، جرحاً قديماً سرعان ما عرفته مرضعته وهي تغسل رجلي أوليس المتنكر في هيئة الضيف الغريب.

التراجيديا الإغريقية
هل كانت التراجيديا الشكل الدرامي الذي اختاره شعراء الإغريق لفضح سِيَرِ بعض الملوك ممن كان سَيْرهم عسيراً، بسبب ما كان يعترض سبيلهم من العثرات والعقبات؟ تُسمى العثرة في اللسان الإغريقي (سكوندالون - -Skandalon)، أي «عقبة». بيد أن العبارة ليست بالبعيدة عن معنى الفضيحة في اللسان الفرنسي Scandale. فبين العثرة والفضيحة تواشج عجيب كتواشج العمل وخطابه. فالفضيحة بهذا المعنى هي التشهير بكل ما شذّ وخرج من كلام الناس وأفعالهم. ولا يُناسب الشذوذ سوى خطابٍ يعتني بما شذّ من كلام الجمهور، أو خرج من الأفعال عن إجماع الأمة وعقدها الاجتماعي. وليست «الأخبار السيئة» مجرد محاكاة لفعل أو قول، وإنما هي طريقة في التشهير بكل ما شذّ كالإشاعة تشتغل بآلية القيل والقال ليذيع الخبر، فتنتشر الحكاية في الآفاق كانتشار الرائحة النتنة.
ولما كان الحرج قد ارتبط في الخطاب القرآني بأعمال الأعمى والأعرج والمريض، أي بالذين لا يقوون على السيْر بيُسر، صار فضْح الحرج، لا رفعه، رهانَ الحكايات. فالحكاية في تصور الأدباء القدامى على الأقل لا تقص أعمال النبلاء من الناس وعليّتهم، وإنما تقص بؤس صغار الناس على سبيل اللهو واللعب، ولكنها في الأزمنة الحديثة صارت تسجل على سبيل الجد. ففي مقالة «حياة الناس السَّفلة» يذكر ميشال فوكو أن فكرة الكتابة عن هؤلاء الناس قد نبعت بمناسبة اطلاعه ذات يوم في المكتبة الوطنية الفرنسية على سجل للاعتقالات والحجز يعود إلى بداية القرن الثامن عشر. وقد لفتت انتباهه فقرتان، جاء في واحدة منهما ما يلي: «ماتيران ميلان Mathurin Milan قد أودع في مستشفى شارنتون Charenton في 31 أغسطس 1707: وكان جنونه دائما هو أن يختفي عن [أنظار] عائلته، وأن يعيش في الريف في الظلمات، وأن يرفع القضايا، وأن يُقرض بالربا وبمبالغ ضائعة، وأن يجول بفكره التائه في الثنايا المجهولة، وأن يظن أنه قادر على القيام بعظيم الأعمال». وقس على ذلك فقرات كثيرة كُتبت بنفس الوتيرة وبالأسلوب نفسه، تتحدث كلها عن جمهرة هائلة من الحيوات البائسة اختصرت جميعاً في أسطر قليلة أو صفحات موجزة. وهي تروي مصائب وشقاوات ومغامرات اعتصرت ببضع كلمات. فهي كقصص الومضة اليوم تنقل بسرعة البرقيات أحداثاً واقعية لا ندري إن كانت حِدّتها تعود إلى عنف الوقائع المسجلة أم إلى بريق الكلمات التي تُضيئها. إنها حيوات فريدة أصبحت بصدفة مباغتة قصائد غريبة، فلفتت انتباه السلطان إليها، واستدعت تدخله السريع بطرق شتى. تمثل تلك الحكايات العابرة أشكالاً مضادة من الفاما «fama». فهي أعمال متفرقة مشتتة دُوّنت على وجه الصدفة، إما لغرابتها، أو بسبب خروجها العجيب عن رقابة السلطان.
إن شخصيات اللصوص والسرّاق والمجرمين والمجانين والنساء البغايا والسكارى والمشردين... إنما هي صور مختلفة من اليومي، أو من الحوادث اليومية الخارجة عن العرف والقانون والشرع ورقابة السلطان. وهي في الجملة حوادث لا تُروَى ليُمحى الإثم منها كما يمحى في خطاب الاعتراف، وإنما تُكتب في سجل للزج بالعوام في سجن رذائلهم على نحو دائم. فأبطال هذه الحكايات و«الأخبار السيئة» لا يوجدون إلا بالصدفة، ولا يُتحدث عنهم إلا لذكر أسباب زوالهم من التاريخ. فلا يبقى من هؤلاء إلا أثر مرور عابر، ما كان ليبقى لو لم تسجله ذاكرةُ السجلات المودعة في أرشيف المستشفيات والسجون ومخافر الشرطة. لكأن في قاع المدينة على مرّ العصور، ما يدعو إلى صناعة خطاب من ارتعاشات هذه الآلام الصغيرة وفجائعها وفضائحها. فصارت الأسرار الخفية وحكايات البؤس تشنف الأسماع، فتتحول إلى خطاب مبذول لرقابة السلطان. ففي مجرى العادة كان الجدير بالنقل والرواية هو أعمال عِلْية الناس ونبلائهم. فنُبل الدم وشرفُ النسب والعِرْض المجيد هي العناصر الضرورية التي تفتح للخاصة، وللخاصة فحسب، أبواب التاريخ. وقلما يطرق صغارُ الناس هذه الأبواب الموصدة عليهم إلا بفعل قد خرق العادة وبلغ من القداسة والبطولة مبلغاً يفرض على القاعدة بعض الاستثناء. ولكن أن يحدث في مجرى الأيام الرتيبة شيء كسرٍ قد افتُضِح، أو شيء عرضي قد أضحى لأمر ما ذا شأن، إنما هي وقائع قد ظلت دهراً طويلاً لا تُثير الاهتمام حتى حطّت على هذه الاضطرابات الصغيرة «عين السلطان البيضاء» حسب عبارة فوكو الرشيقة. وليست الاضطرابات الصغيرة سوى هذا البؤس الذي تصنعه الصدف، فتغير من مجرى الأعمال المعتاد، وتجعله يجري على نحو يغري بتتبعه وقصه وتقصيه في مستودع «الأخبار السيئة».

ميراث البؤس
هل ورثت رواية القرن التاسع عشر ميراث البؤس العظيم؟ ينبغي أن نستحضر ها هنا رواية «البؤساء» لفيكتور هيغو، حتى نرى بطلها جان فالجان Jean Valjean قد تجمعت في حياته عُصارة البؤس الفرنسي. غير أن فقره المدقع لم يجعله إنساناً بائساً، ولا خلّصه ثراؤه من بؤسه. فقد ظل مفتش الشرطة جافير Javert  الرهيب يطارده طيلة حياته دون راحة ولا هوادة، إذ لا بؤس دون رقابة «عين السلطان البيضاء» التي اتخذت هذه المرة من الرواية فنها الأثير لصناعة خطاب البؤس الجديد. فكلما تجددت أشكال البؤس الإنساني احتيج إلى خطاب آخر لمعرفتها طالما أن المعرفة هي في وجه من وجوهها شكل من أشكال الهيمنة.
هل يمثل جان فالجان أنموذج البائس المنكود أم الهارب الذي جعله هروبه بائساً؟ تجيبنا السينما مرة أخرى على طريقتها عبر شخصية «ريتشارد كيمبل» التي أداها بإتقان هاريسون فورد في فيلم «الهارب». فهذا الطبيب المتهم زوراً بقتل زوجته، أصبح فجأة هارباً من العدالة. فالهروب ليس مغامرة تجعل من الهارب بطلاً مغامراً، وإنما الهارب هو ذاك الذي فقد حق الإقامة في المدينة، فتغيّر شكل وجوده فيها. فهو لم يغادر أسوار المدينة، بل مازال يعيش فيها متخفياً متنكراً على نحو غير مرئي، بوجه لا يعرفه أحد، ولا ينبغي أن يراه أحد، لأنه هارب من عيون الرقابة والعدالة.
على منوال الهارب نشأت اليوم غيريات جديدة، تعيش في مجتمع من نوع جديد، هو المجتمع غير المرئي. فسكان الفيسبوك على سبيل المثال هم أنموذج جديد من الهارب الذي يلوح لك على الشاشة في صورة لا نعرف ما تخفي وراءها. أليس هذا الاختفاء وراء البروفايل والظهور اللامرئي هو شكل من أشكال الهروب الجديدة؟ ألا تكون أشكال الهروب هذه هي ذاتها أشكال البؤس المتجددة في أزمنة ما بعد الحداثة؟ تفرض هذه اللامرئيات الحديثة سلوكاً جديداً في التفكير، هو التفكير المتجسس، أو أن نفكر كما يفكر الجاسوس، أي التفكير الذي يحتاج إلى مواهب الجوسسة ليخترق هذه الجوانب المظلمة، في تلك المناطق التي يصبح فيها الكائن على غير ما كان عليه، فيصبح شخصاً آخر autre أو «غيراً» autrui قد فارق ما كان به فرداً متميزاً. في شبكة الفيسبوك، لا يرانا أحد، لأنه لا وجه لنا، وإذن لا آخر لنا. فما نراه هو صورة واسم لغيرٍ بلا ملامح، هو الوجه الهارب منا، إلى كتلة من أشباهه ونظائره، تلتقي خلسة، لتتكلم وتفرط في الكلام، دون أن يسمع كلامها أحد. فما يضمنه الفيسبوك هو هذا الحق في أن يظل هذا الغير سرّياً، محفوظاً بالمليارات من كلمات السر، التي لا يفض أختامها أحد إلا نوع جديد من اللصوص، هذا الهاكر hacker، الذي لا يسرق شيئاً سوى هذه الغيريات التي لا تُرى، هذا الذي نجتهد في إخفائه. أليس الهاكر هو هذا الجاسوس الجديد، سارق الغيريات والأختام؟ ولكن تلك حكاية أخرى.

الصعلوك المبدع
حصل تشارلي شابلن (16 أبريل 1889 - 25 ديسمبر 1977)، على لقب سير، بعدما نال الشهرة، وأصبح أيقونة في جميع أنحاء العالم، من خلال شخصية المتشرد، الصعلوك أو المتسَكِّع.
وقد امتدت حياته المهنية لأكثر من 75 سنة، وكانت من بداية طفولته في العصر الفيكتوري وحتى قبل وفاته بسنة، شملت التملق والجدل.
عاش شابلن طفولة تعيسة في لندن يتخللها الفقر الشديد والمشقة. كما أن والده كان سكيراً غائباً معظم الوقت عنه، وكانت والدته تكافح لكسب المال وقد أدخلت مصحة الأمراض النفسية عدة مرات، وتم إرساله إلى الإصلاحية مرتين قبل سن التاسعة. وبدأ شابلن الأداء المسرحي في سن مبكرة، يجول في القاعات الموسيقية وبعد ذلك عمل ممثلاً مسرحياً وكوميدياً. وعندما بلغ سن 19 وقع عقداً مع شركة «فريد كارنو» المرموقة، التي أرسلته إلى الولايات المتحدة، ما أتاح له الاطلاع على صناعة السينما، وفي عام 1914 بدأ نجمه بالظهور مع «استوديوهات كيستون». وسرعان ما ابتكر شخصية «الصعلوك» التي شكلت قاعدة جماهيرية كبيرة. بدأ شابلن إخراج أفلامه الخاصة بشكل مبكر، واستمر في صقل مهنته وانتقل إلى «استوديوهات إساناي»، و«موتوال للأفلام» و«فيرست ناشيونال». وبحلول عام 1918 أصبح أحد أكثر الشخصيات المعروفة في العالم.

وريث الأدب
محمود أحمد تيمور (1894ـ 1973) كاتب قصصي، ولد بالقاهرة في أسرة اشتهرت بالأدب؛ فوالده أحمد تيمور باشا (1871ـ 1930) الأديب المعروف، الذي عرف باهتماماته الواسعة بالتراث العربي، وكان بحاثة في فنون اللغة العربية، والأدب والتاريخ، وخلّف مكتبة عظيمة هي «التيمورية»، تعد ذخيرة للباحثين إلى الآن بدار الكتب المصرية، بما تحوي من نوادر الكتب والمخطوطات، وعمته الشاعرة الرائدة عائشة التيمورية (1840ـ 1903) صاحبة ديوان «حلية الطراز»، وشقيقه محمد تيمور (1892ـ 1921) هو صاحب أول قصة قصيرة في الأدب العربي.
وكان درب سعادة -وهو الحي الذي وُلد فيه محمود تيمور- يتميز بأصالته الشعبية؛ فهو يجمع أشتاتاً من الطوائف والفئات التي تشمل الصناع والتجار وأرباب الحرف من كل فن ولون.
وقد تَشرَّبت نفسه وروحه بتلك الأجواء الشعبية منذ نعومة أظفاره، واختزنت ذاكرتُه العديدَ من صور الحياة الشعبية والشخصيات الحية التي وقعت عيناه عليها، وأعاد رسمها وعبر عنها -بعد ذلك- في الكثير من أعماله القصصية.
وما لبثت أسرته أن انتقلت إلى ضاحية عين شمس؛ فعاش في ريفها الساحر الجميل الذي كان ينبوعاً لوجدانه، يغذيه بالجمال والشاعرية، ويفجر فيه ملكات الإبداع بما فيه من مناظر جميلة وطبيعة خلابة ساحرة.