الرياضي

إنجازات العرب في التحديات الكبرى تكتبها «الرياضات الشهيدة»

أبوظبي (الاتحاد)

تاريخ الإمارات والعالم العربي في الأوليمبياد لم يُكتب إلا من خلال الألعاب الفردية التي يُطلق عليها «الرياضات الشهيدة» منذ بدأ الظهور العربي بهذا الحدث الرياضي الأبرز الذي يقام كل 4 سنوات تحت مظلة اللجنة الأوليمبية الدولية، ومنذ أول مشاركة عربية في استوكهولم عام 1912، وحتى آخر مشاركة في دورة ريو دي جانيرو عام 2016 كانت كل إنجازات العرب عن طريق أبطال الألعاب الفردية فقد كان أول ظهور على منصات التتويج عن طريق الربّاع المصري سيد نصير الذي حصل على ذهبية رفع الأثقال في الوزن الخفيف، وفي نفس الدورة حصل مواطنه المصارع مصطفى إبراهيم على ذهبية المصارعة الرومانية، وحصد مواطنهما فريد سميكة على فضية الغطس في المنصة الثابتة، وبرونزية المنصة المتحركة.
أما آخر ظهور أيضاً فقد كان عبر الألعاب الفردية في دورة ريو دي جانيرو من خلال 3 ذهبيات، وأربع فضيات، وتسع برونزيات في رياضات ألعاب القوى، والرماية، والتايكوندو، والوثب العالي، ورفع الأثقال، والجودو، وسلاح الشيش، والمصارعة، والملاكمة، ورغم المبالغ الكبيرة التي تُنفق على الألعاب الجماعية وعلى رأسها كرة القدم، فإن حصيلتها «صفر» في الإنجازات العالمية والأوليمبية، وهو الأمر الذي يستدعي التوقف والنظر بعمق في تلك الإشكالية، لا سيما أن ميزانيات الألعاب الفردية كلها لا تقارن بميزانية اتحاد واحد أو نادٍ واحد في لعبة كرة القدم.
وفي هذا السياق يؤكد المهندس الشيخ سالم بن سلطان القاسمي رئيس اتحاد المبارزة عضو المكتب التنفيذي للجنة الأوليمبية الوطنية، أن التركيز على بعض الألعاب الفردية هو الطريق الواقعي للإمارات والعرب نحو تحقيق إنجازات أوليمبية أو عالمية، مشيراً إلى أن كل دولة معروفة بتميزها تاريخياً في بعض الألعاب، في دول المغرب العربي من السهل جداً أن يتم البناء على ما وضعوه من قواعد في الألعاب الفردية، خصوصاً العَدْو، حيث إن المغرب والجزائر تملكان بنية تحتية مميزة، وخططاً واقعية سبق لهما من خلالها أن حققتا إنجازات عدة على كل المستويات، وأنه بتسريع العمل وفقاً للمعدلات الدولية يمكنهما مضاعفة الإنجازات في تلك الرياضة.
كما أن الربَّاع المصري مشهود له منذ زمن بعيد، ويملك إمكانات بدنية وذهنية، وقدرة على التحمل لا يملكها كثيرون غيره، وأنه بحاجة فقط إلى مؤسسات تدعم مسيرته، وتخطط وتضع له البرامج التدريبية والتأهيلية التي تقوده إلى منصات التتويج، وهو جيلاً بعد جيل قادر على البروز في تلك الرياضة، كما أن الرياضة المصرية تملك تاريخاً جيداً في المصارعة الرومانية، ولديها أبطال كبار في تلك اللعبة حتى الآن، كما أن الأرقام التي يحققها المصريون قريبة من الأرقام العالمية، ويمكنهم تحسينها بالمشاركات والاستعداد الجيد، وتفعيل دور العلم في صناعة وتأهيل الأبطال من حيث برامج التغذية، والصحة النفسية، والقدرة على التركيز، خصوصاً أن العلم تقدم كثيراً في تلك المجالات التي تعد وثيقة الصلة بالرياضة حالياً.
وقال المهندس الشيخ سالم بن سلطان القاسمي «أشعر ببعض الحزن عندما تكون لدينا مقومات الإنجاز ولدينا خبرة التتويج في بعض اللعبات، ونتنازل عنها لغيرنا بسهولة، فتجارب مصر ودول المغرب العربي أثبتت ذلك، من خلال افتقاد البوصلة أحياناً لأسباب داخلية مختلفة، وأؤكد أن الإمارات ما زالت تملك الفرصة لتعزيز إنجازاتها ومضاعفتها في لعبة الرماية، لأننا نملك الخبرة، والكفاءات الإدارية والفنية، ونملك المرافق والميادين، والرماة أيضاً، ولا يفصلنا عن تحقيق الإنجاز سوى بعض الأمور البسيطة، لأننا نحقق إنجازات على المستوى العالمي حالياً، والأرقام قريبة جداً من المعدلات الدولية، ويمكن تحسينها ببعض التركيز والمشاركات القوية».
وتابع: كما أن لدينا ألعاب أخرى يمكن أن نطوِّر أنفسنا فيها على المدى المتوسط ومنها لعبة المبارزة التي تعد حديثة في الدولة لكنها قطعت شوطاً مميزاً على المستويات الخليجية والعربية والأسيوية، وتسير إلى الأمام بشكل متسارع، وببعض الإمكانات البسيطة، والدعم المتوازن، يمكننا أن نحقق إنجازات قارية ونصل إلى المستوى العالمي، ونحتاج مثلاً إلى مرحلة زمنية من 6 إلى 8 سنوات حتى نصل إلى هذه المعدلات الدولية، وهناك ألعاب أخرى مميزة في الإمارات يمكنها أن تتميز مثل الفروسية التي نملك فيها فرساناً وفارسات على أعلى مستوى، ونملك فرصاً في ألعاب القوى بتعددها بحيث إنه من السهل أن نختار فرعاً أو فرعين منها بقياس قربنا من الأرقام العالمية، ونعطيها بعض الدعم، هذا بالنسبة إلى الحلول السريعة، أما بعيدة المدى فمن المؤكد أن مراكز النخبة للموهوبين، والاهتمام بالرياضة في المدارس، واعتماد مشروع واقعي قابل للتطبيق للبطل الأوليمبي كلها أمور يجب أن تُوضع في الاعتبار للمستقبل.
وأضاف المهندس الشيخ سالم بن سلطان القاسمي أن «الرياضة قطاع مهم من قطاعات الدولة، والإمارات ودول الخليج تملك إمكانات كبيرة تؤهلها للبروز فيه، بدليل التطور الكبير الذي يشهد به العالم لنا في الكثير من المجالات التي سبقنا بها غيرنا، ونحن في الإمارات يجب أن نعترف بأن قادتنا وشيوخنا لا يدخرون أي جهد أو دعم لتبني أي مشروع، وأي بطل واعد، ولهذا نحن مطالبون بالعمل وتقديم النموذج الجيد، وليس لدينا أي شك في توفير الدعم الكامل لها، وبالنسبة إلى الدراسات والبحوث فإن العالم أصبح قرية صغيرة، ويمكن أن نستفيد من كل الدراسات المعدَّة في هذا المجال، كما أن الخبرات الدولية متاحة من المدربين أصحاب الكفاءات الكبرى، والتجارب العالمية موجودة ومرصودة ويمكن الاستفادة منها، وفي ظني أن اللاعبين موجودون عندنا، وأن ما قام به اتحاد الجو جيتسو في المرحلة الأخيرة، وتقديمه لأبطال عالم خير دليل على ذلك، في ظل الدعم والرعاية التي يلقاها من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والعمل المميز الذي يقوم به اتحاد اللعبة بقيادة عبدالمنعم الهاشمي.

خالد الزعابي: تجربة فيليبس تضع النقاط فوق الحروف
أبوظبي (الاتحاد)

يقول خالد راشد الزعابي عضو اللجنة التنفيذية باتحاد ألعاب القوى، والذي سبق له ممارسة ألعاب الكرة الطائرة والقدم والسلة وشغل منصب إداري في كرة القدم أن من يريد أن يعرف مدى أهمية الألعاب الفردية عليه أن يبحث في عدد الإنجازات والميداليات الأوليمبية التي حققها السباح العالمي مايكل فيليبس وحده، حيث أنه احرز 21 ميدالية أوليمبية ذهبية لبلاده من اصل 25 ميدالية هم إجمالي ما حقق في 4 دورات أوليمبية، وهو لاعب واحد ومثال واحد للاعب ألعاب فردية تمكن من وضع بلاده في صدارة الترتيب العالمي بعدة مناسبات عالمية.
وقال: إذا أردنا أن نصل إلى العالمية سواء في الإمارات أو في الدول العربية، فليس لنا طريق إلا الألعاب الفردية، والقتالية منها، واعتقد أن الجو جيتسو إذا اعتمدت في الألعاب الأوليمبية ستكون أملا كبيرا لنا، من خلال ما حققته تلك الرياضة من إنجازات عدة في فترة قصيرة على كافة المستويات، وفي تكرار لتجربة كوريا الجنوبية في التايكوندو التي أصبحت في صدارة العالم بتلك اللعبة، لأن الشعب الكوري كله يمارس تلك الرياضة صغيرا وكبيرا، وأرى أن الجو جيتسو في الطريق لهذا، لأنها انتشرت بشكل كبير، كما أنها أساسا من الرياضات القتالية، ومن يبرع فيها يمكنه أن ينطلق ويتطور في باقي الرياضات القتالية الأخرى مثل الجودو والمصارعة، والملاكمة.

الدوسري: سعر جواد الحواجز يتجاوز مليوني يورو !
أبوظبي (الاتحاد)

يقول عبد المحسن الدوسري الأمين العام المساعد للهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة رئيس اللجنة الفنية باللجنة الأوليمبية «الحديث عن الإنجازات العالمية والأوليمبية في الإمارات يجب أن يكون محدداً، وأن نختصر كل المسافات ونسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، بمعنى أن الرماية بأنواعها هي الأمل الأول لصعود منصات التتويج العالمية والأوليمبية حالياً، بشرط أن يتم التخطيط لها بشكل جيد، وأن يتم الاهتمام بها بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن الخبرات الموجودة في الإمارات والكفاءات الفنية يمكنها أن تكرر إنجاز الشيخ أحمد بن حشر آل مكتوم».
وقال «بخلاف الرماية لدينا قفز الحواجز إلا أنها تحتاج إلى شراء الجياد المدربة على خوض مثل هذه المنافسات القوية، حيث إننا نملك الكثير من الفرسان والفارسات المتميزين، إلا أن الجياد المتوافقة مع المعدلات العالمية تحتاج إلى أن تتوفر لهم، ويجب أن نعلم أن جواد قفز الحواجز ثمنه يتخطى المليوني يورو، وفي ظني أنه لو توفر الحصان لاختصرنا الزمن لأننا نملك فرساناً على مستوى مميز يمكنهم صعود منصات التتويج، ونملك أيضاً البنية التحتية المميزة».
وتابع: «بخلاف الرماية وقفز الحواجز في الفروسية فإننا نملك فرصاً أخرى في الجودو، بحيث نبني على القاعدة التي تحققت في إنجاز توما الأخير في ريو دي جانيرو، ولدينا أبطال متميزين يمكنهم أن ينضموا إلى توما، ويضاعفوا إنجازاتنا على المستويين العالمي والأوليمبي، كما أننا نملك فرصاً جيدة في رياضة القوس والسهم من خلال الاهتمام الكبير بها في القوات المسلحة، والدعم الذي تلقاه تلك الرياضة، ونحن نملك مؤشرات إيجابية عن تطور تلك الرياضة ووصولها إلى المعدلات الدولية، وبقليل من التركيز والاهتمام فيها بالأبطال، نكون قريبين من حصد الإنجارات».
وأضاف: «هذا باختصار مشهدنا الرياضي، وهو لا يختلف كثيراً عن المشهد العالمي، فلا توجد دولة في العالم تهتم بكل الرياضات، وتملك الفرص في كل الألعاب، ونحن يجب أن نعترف بأن الألعاب الفردية والبعض منها فقط هو الذي لدينا فرص فيها، لتحقيق الإنجازات العالمية والأوليمبية. أما بالنسبة إلى الوضع العربي، فالمسألة تختلف من بلد إلى آخر، كما أننا يجب أن نقول في هذا السياق إن إعداد بطل العالم يحتاج إلى ميزانيات كبيرة، ودعم مميز على فترات طويلة، ويحتاج أيضاً إلى تضحيات من اللاعب نفسه».
وعن خريطة الطريق لتحقيق إنجاز في هذا المسار، قال «الألعاب التي ذكرناها سابقاً هي الأقرب، وببعض الاهتمام والتخطيط يمكن أن نصل إلى الهدف، أما باقي الألعاب فيجب أن نفكر فيها بشكل متدرج، بمعنى أن نضع خططاً لتحقيق إنجازات خليجية وعربية وقارية أولاً، قبل أن نفكر في تحقيق إنجازات عالمية».

الألعاب الفردية .. «جسر الذهب» (1)
تحقيق - أمين الدوبلي

يتفق الخبراء والعلماء والمتخصصون في كل أبحاثهم وتجاربهم أن الألعاب الفردية هي أقرب الطرق للوصول إلى المجد العالمي والأوليمبي، وأنها منجم الذهب لكل الدول سواء الفقيرة أو الغنية من أجل الظهور في هذه الصفحات المشرقة بالتاريخ الرياضي، كما أثبتت وتثبت الدراسات كل يوم أن صناعة الأبطال تحتاج إلى التخصص، والعمل الاحترافي.
وفي الوقت الذي دخلت فيه الإمارات بقوة إلى ميادين الكثير من الصناعات بمختلف القطاعات، في ظل امتلاكها الموارد لتحويل الأحلام إلى حقيقة، يبقى قطاع الرياضة مازال متعثرا في صناعة البطل الأوليمبي، وبالأدق في توفير البيئة والمناخ الملائمين، والقوانين والمؤسسات والمراكز التي تعد أساسا لانطلاق هذه الصناعة، وتحليقها في الفضاء، ولم تراوح الجهود في هذا المجال حتى الآن مرحلة الفكرة، ومنعطف الدهشة.
وفي هذا الملف سنتعرض لمسألة الألعاب الفردية، وكيف أنها من الممكن أن تحقق حلم الصعود إلى منصات التتويج العالمية والأوليمبية، بأقل الإمكانات، وفي أقصر مدة زمنية، وسنقترب من هذا الموضوع من عدة زوايا من أجل تقديم صورة متكاملة للقراء وصناع القرار.