ألوان

«سمّها ما شئت».. يصحح مسارات الذات الإنسانية

الكرسي في حالة توحد مع البطلة (تصوير يوسف العدان)

الكرسي في حالة توحد مع البطلة (تصوير يوسف العدان)

السيد حسن (الفجيرة)

فجر العرض المسرحي التونسي «سمّها ما شئت»، حالة من الإلهام والإبداع بين المسرحيين ونقاد المسرح، وخرج الجميع من العرض، وسط حالة من التمازج والتناغم الفكري والوجداني التي وفرها العرض في مناخه العام لمشاهديه. إذ نجحت الممثلة التونسية أماني بلعج في استقطاب أذهان المشاهدين وعيونهم وحواسهم في عرضها الخلاق، فتفوقت في كثير من مناحي العرض الشائق على ذاتها المتحررة من كل شيء، وعاشت الدور وتقمصت شخصيته بمنتهى الإتقان، حزناً تارةً، وضحكاً تارة أخرى، فجاء أداؤها صادقاً ومعبراً على خشبة مسرح بيت المونودراما في مدينة دبا الفجيرة.

البحث عن الأمل
العرض التونسي «سمّها ما شئت» هو العمل المونودرامي الثاني الذي قدم مساء أمس الأول على خشبة مسرح بيت المونودراما، ضمن فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للفنون في دورته الثانية، وهو من تأليف وإخراج وليد دغسني وتمثيل أماني بلعج، ويعد من الأعمال الدرامية المتقنة كتابة وتمثيلاً وإضاءة وموسيقا، وربما يكون العمل المتكامل الذي قدم حتى الآن ضمن عروض المونودراما.
ويرسخ العرض في أذهاننا حقيقة جلية لدى الجميع، خلاصتها، أن الخلاص دائماً تحركه الذات الفردية، ومن الذات تتكون الذوات وتتحرك نحو الأفضل والأحسن في مجتمعاتها، للبحث عن الأمل وما يليه من حياه مشرقة تعم الذات أولاً، ثم الذوات في مجملها.

شخصية مركبة
شخصية العرض التي جسدتها أماني بلعج، تعد من الشخصيات المركبة المليئة بالتفاصيل، والتي تسكنها أحزان بعيدة، تراكمت عليها بعد أن تركها حبيبها الذي ملك عليها حياتها، وهنا فقط تتكالب عليها مشكلات جمة، إذ وجدت نفسها مدانة للبنوك، ثم تأخذها الأحداث لترهن بيتها الوحيد، لتجد نفسها فجأة في الشارع بلا نصير ولا سند.
وتواكب هذه التطورات النفسية التي تمر بها شخصية العرض، تطورات أخرى تلازمها وهي تطورات التغيير الجماعية، فما تشعر به وما تقاومه داخل ذاتها، تواكبه حركة جامحة وشعبية نحو التغيير الكلي للمجتمع، وما زاد شقوتها وجعلها تشعر بالمهانة والذل والظلم، ما أقدم عليه بعض المتشددين الإسلاميين من إحراق مدرسة الرقص التي كانت تتملكها، وهو ما وضعها في حالة معيشية ونفسية مزرية للغاية، وفجر طاقتها وحواسها انتقاماً من مجتمع ظالم في كل تفاصيله.. مجتمع منافق كاذب متشدد ينشد التغيير، ولكن على حساب الآخرين.

بساطة الأداء
تقمصت أماني بلعج في عرضها، الكثير من الشخصيات على خشبة المسرح، فصورت لنا في حركات انسيابية رائعة، كيف يكون التغيير في المجتمعات، ومن أين يكون موطن الظلم والفساد، وكيف أن الكل يكذب على الكل، وكأننا مجرد كومبارس في عالم السيرك الكبير، تحركنا دوافع وأطماع ومصالح على حساب أوطاننا الغالية، كلٌ يسعى فقط لمصالحه، منتهى الأنانية تلك التي تدفعنا لتخريب أوطاننا ومن قبلها ذواتنا البغيضة.
ومن خلال «سمّها ما شئت»، قرر المؤلف والمخرج في العرض نصاً وتمثيلاً، أن يترك لك الخيار، أن تسمي ما يحدث على خشبة المسرح من أحداث متلاحقة بما شئت وتشاء، فأنت الذي تتلقى وتشاهد وتستمع وعليك أن تحدد بنفسك، ما هذا الذي يقال ويمشي على خشبة المسرح.
وقد جاءت سينوغرافيا العرض غاية في البساطة، إذ لم يوجد في الفضاء الواسع سوى مقعد خشبي، تستخدمه شخصية العرض صعوداً وهبوطاً وجلوساً، وفي كل حركة على هذا الكرسي معنى ومغزى وقول فصل، وتشعرك أن للكرسي دوراً يحاكي دورها، أحياناً ينطق وأحياناً يصمت، وأحياناً أخرى يطير في فضاء المسرح ثم يتهاوى كالجثة الهامدة، استخدام راقٍ للمفردة الوحيدة في فضاء العرض المسرحي.

أحلام ضائعة
ثم يستدعي المخرج في عرضه «سمّها ما شئت» الأغنيات الوطنية القديمة مثل «خلي السلاح صاحي»، وأغنية «الأطلال» لأم كلثوم، في توظيف منطقي فاعل يخدم العرض والفكرة دونما خللٍ أو إسفاف.
وقد تمتعت الممثلة بانسيابية ومرونة عالية، ساعدت بشكل واضح على تقمص الدور، وسلط المخرج الإضاءة على تعبيرات الوجه في أكثر من موطن، ما كان له بالغ الأثر في تجاوب المشاهد مع الشخصية واندماجه معها في الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، وقد شعرنا أننا جميعاً هي تلك الشخصية في تخاذلها أحياناً، وثورتها على أكاذيب المجتمع أحياناً أخرى.. هي امرأة بالقطع ولكن لم تكن مشاعرها بغريبة عن مشاعر جميع الرجال.
«سمّها ما شئت» عمل مسرحي تونسي أكثر من رائع، أعاد لنا الأمل في تصحيح ذواتنا وأحلامنا الإنسانية الضائعة، ليدق في ذات كل شخص منا ناقوساً صاخباً، لأن يكون شيئاً ما في المستقبل القريب.