دنيا

ملتقى السمالية.. رحلة تراثية وسط طيور النورس والأشجار النادرة

«كان ختامه مسكاً».. ذلك أقل ما يمكن أن يوصف به اليوم الختامي لملتقى السمالية الوطني لهذا العام، عبر رحلة بحرية غاية في الإدهاش والروعة حول محيط جزيرة السمالية، استمتعت خلالها العيون برؤية بيوت تراثية بديعة التشكيل تناثرت على شواطئ الجزيرة، كأنها حبات لؤلؤ استخرجت لتوها من أعماق البحار، كما طابت النفوس لمشاهدة طيور النورس والمساحات الخضراء والأشجار النادرة التي زينت جزيرة السمالية، وجعلت من السير على أرضها وتحت سمائها تجربة فريدة تستحق أن تعلق في الأذهان وتروى للأهل والأصدقاء.

الملتقى الذي انتهت فعالياته أمس الأول بعدما استمرت فعالياته ثلاثة أسابيع متواصلة بدأت في السادس عشر من الشهر الماضي، وحفلت بأنشطة وأحداث تراثية مبهرة، قام بتنظيمها نادي تراث الإمارات بدعم ورعاية كريمة من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات.
ميادين السمالية
شهد فعاليات اليوم الختامي للمهرجان في جزيرة السمالية، أعضاء هيئة تدريس كلية الإمارات للتكنولوجيا وعائلاتهم، الذين قاموا برحلة بحرية على ظهر سفينة تراثية تابعة للنادي، وجابوا أرجاء الجزيرة واستمتعوا بما تقدمه من وجبة تراثية متميزة، متنقلين بين ميادينها المختلفة والتجوال في مساحاتها الواسعة بين جماعات الغزلان والطيور النادرة المنتشرة على ربوع السمالية، في بيئة طبيعية تضاهي البيئة التي نشأت فيها تلك الحيوانات والطيور.
وتحدث سيف سعيد المهيري، ربان السفينة التراثية النواخذة، ويعمل خبيراً تراثياً في نادي التراث، قائلاً إن علاقته بالبحر بدأت منذ عامه السابع حين كان يخرج إلى البحر مع والده النواخذة ويتعلم منه فنون الصيد وأدواته، وكيفية معرفة اتجاهات الرياح والأماكن التي يحسن فيها الصيد وغيرها من المهارات المتعلقة بالبحر وفنونه.
وأوضح المهيري أن عمله في نادي التراث لا يقتصر فقط على مجرد قيادة السفينة التراثية وغيرها من وسائل النقل البحري، بل يمتد إلى ما هو أهم، متمثلاً في إبراز التراث الإماراتي بشكل جذاب لضيوف الجزيرة وتعليم الأجيال الجديدة مفردات التراث البحري وأدوات الصيد التقليدي ووسائل الصيد التي كان يستخدمها أهل الإمارات في الماضي، وأساليب حياة أهل البحر وكيف كانوا يتعاملون مع الأسماك التي يصطادونها وكيفية حفظها لفترات طويلة، وكذلك يسعى لإطلاع الأجيال الناشئة على العلاقة الخاصة والقوية بين النواخذة والبحر وكيفية التعامل مع القوارب بأشكالها المختلفة.
قيمة التراث
وعن طبيعة جزيرة السمالية، أوضح الوالد المهيري أن أجمل ما في العمل داخل جزيرة السمالية، هو ممارسة الأنشطة التراثية البحرية بشكل يومي عبر قيادته للسفينة التراثية التي تسع ما يقرب من 60 راكبا واستقباله لضيوف الجزيرة، لافتاً إلى أن شعوره بقيمة ما يقدمه يزداد حين يكون الضيوف أطفالاً كون وجوده في الجزيرة يعزز قيمة التراث في نفوسهم ويجعلهم يتمسكون أكثر بكل معاني الانتماء للوطن حين يتقدم بهم العمر.
وممن يعملون على استقبال زوار الجزيرة أحمد محمد، الذي يعمل سائقاً للطرادات في جزيرة السمالية منذ 12 عاماً، وقال من جانبه إن العمل في هذه الأجواء التراثية واستقبال ضيوف الجزيرة من كل الجنسيات والأعمار جنباً إلى جنب مع أبناء الإمارات وأعضاء وعضوات المراكز التابعة لنادي التراث، يجعل ممارسة العمل متعة له، خاصة في ظل أجواء مفتوحة وبصحبة أجيال متنوعة، ما يجعله يعيش كل مشاعر الشباب والاندهاش الذي يجده لديهم حين يرون جزيرة السمالية ويستمتعون بما تتيحه من ممارسة مناشط تراثية فريدة.
وأوضح محمد أنه يقوم يومياً بحوالي 40 رحلة بين المرسى الخارجي لجزيرة السمالية وشواطئها الداخلية، ينجزها جميعاً بحب ونشاط، لما يراه من تجدد في الوجوه وانبهار بما يشاهده من فعاليات متنوعة تقام على جزيرة السمالية طوال العام.
حُسن التنظيم
من بين ضيوف الجزيرة الدكتور عماد أبو الرُّب عميد كلية الإمارات للتكنولوجيا،الذي أوضح أنها المرة الأولى التي يقوم فيها أعضاء هيئة التدريس بالكلية بزيارة للسمالية، كون الزيارات التي نظمتها الكلية من قبل كانت خاصة بالطلبة فقط لتعريفهم علىالتراث الإماراتي في المعمل التراثي الأكبر المختص بالتراث المعروف بـ “جزيرة السمالية”، ولفت إلى أن الغرض من تنظيم مثل هذه الزيارات هو التعرف عن قرب على جزيرة السمالية ومشاهدة ما تحمله من مفردات ومكونات متنوعة للتراث الإماراتي مثل بيوت الشعر والمنازل البحرية وكذا تذوق الأطعمة التقليدية الإماراتية، وهي أشياء سمعنا عنها الكثير، غير أننا تذوقناها بالفعل خلال زيارة جزيرة السمالية.
وأشاد أبو الرُّب بجهود سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، في الاعتناء بالتراث الإماراتي وحرصه على تقديمه في أبهي صورة وهو ما يظهر بشكل جليّ في حسن التنظيم والإبداع الذي وجدنا عليه جزيرة السمالية وثرائها بالمفردات التراثية والبيئية الإماراتية الأصيلة، كما أثنى على حسن استقبال مسؤولي جزيرة السمالية والحفاوة والتقدير اللذين تعاملوا بهما مع ضيوفهم، وهو شيء طبيعي بالنسبة لما عُرف عن أهل الإمارات من أنهم أهل كرم وجود.
الظباء والطاووس
من ناحيته أكد أستاذ مهارات الاتصال اللغوي في كلية الإمارات للتكنولوجيا الدكتور عمر حمادنة، أن الوجود في جزيرة السمالية والمشاركة في فعاليات الملتقى تعتبر تجربة جديدة ومميزة، بأن تكون في جزيرة تحمل على ظهرها أشكال تراث دولة الإمارات العربية المتحدة كافة.
وعلى الرغم من وجوده في الإمارات منذ 15 عاماً وزيارته لمعظم معالم الدولة الحضارية والسياحية، إلا أن زيارته للسمالية ذات نكهة خاصة، لما فيها من أشياء تدهش الزائر مثل انتشار الظباء في أرجائها ووجود طيور جميلة ونادرة مثل الطاووس، وأيضاً التعرف عن قرب على عوالم الهجن والفروسية، بل والصعود على ظهورها في تجربة مدهشة ومثيرة لمن يقوم بها لأول مرة.
ودعا حمادنة جميع المواطنين والوافدين إلى زيارة السمالية، لما بها من ملامح مهمة في التراث والتاريخ الإماراتي، ما يجعل من السمالية وسيلة مهمة للتواصل مع تاريخ الإمارات والتعرف على المظاهر المختلفة للفولكلور المحلي، خاصة وأن الجميع ربما يكون قد قرأ عن السمالية، غير أن الرؤية الحية والمباشرة للمنازل التراثية وميادين الهجن والفروسية وكذا المساحات الخضراء والأشجار والنباتات النادرة المنتشرة في جزيرة السمالية. تجعل من زيارتها هدفاً ينبغي تحقيقه لكل من يعيش على أرض الإمارات.


تجهيز الإبل وامتطاء ظهورها

شهد الأسبوع الأخير من ملتقـى السمالية مشاركة طلاب مراكز نادي تراث الإمارات بفعالية المطراش التراثية، حيث شارك الطلبة في رحلة قطعوا خلالها خمسة كيلومترات داخل ميادين جزيرة السمالية، بعد أن ارتدوا ملابس تراثية وشاركوا في تجهيز الإبل وامتطاء ظهورها، وبعد قطعهم للمسافة المقررة ، أناخوا إبلهم في موقع المخيم، وهو عبارة عن عريش ومظلة لاستراحتهم. وبعد انقضاء فترة الراحة، قام الطلبة وفقا للعادات والتقاليد بجمع الحطب وإعداد القهوة وتقديمها لأعضاء الفريق ، بينما قام فريق آخر بتجهيز الذبيحة لإعداد الغداء وتجهيزها للطبخ وفق الطرق التقليدية المحلية. ثم بعد انتهاء وجبة الغداء نفذ الفريق المشارك بفعالية المطراش عددا من الألعاب التراثية البرية والشعبية . وفي المساء أعدوا القرص الشعبي وكان نهاية البرنامج استعدادا “ للمرواح “ ويعني العودة إلى بيوتهم بعد رحلة ممتعة.

إضاءة

قلد مدير إدارة الأنشطة بالإنابة سعيد علي المناعي، بعض أولياء أمور الطلبة الذين قدموا لزيارة الجزيرة بصحبة أبنائهم، قلادة ملتقى السمالية تعبيرا عن أمتنان النادي لأولياء الأمور لتعاونهم وتشجيع أبنائهم على المشاركة في فعالياته المختلفة ، كما أعرب عبد الله محمد حسن مساعد مدير إدارة الاتصال الحكومي بمواصلات الإمارات، عن شكره وتقديره لقيادة الدولة لاهتمامها بالمواطن، كما أثني علي الجهود المبذولة من قبل النادي في الارتقاء بهذا الصرح الكبير.