الاقتصادي

تحويل الودائع من الجنيه إلى الدولار يهدد الاقتصاد المصري

متعاملون في أحد مكاتب الصرافة وسط القاهرة فيما ارتفعت معدلات قيام المودعين المصريين بتحويل أموالهم من الجنيه إلى الدولار

متعاملون في أحد مكاتب الصرافة وسط القاهرة فيما ارتفعت معدلات قيام المودعين المصريين بتحويل أموالهم من الجنيه إلى الدولار

محمود عبدالعظيم (القاهرة) ـ ارتفعت معدلات قيام المودعين بتحويل أموالهم من الجنيه المصري إلى الدولار، فيما يعرف بظاهرة “الدولرة، على خليفة الارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري مؤخرا.
ويتوقع أصحاب المدخرات أن يتجاوز سعر الدولار حاجز السبعة جنيهات في السوق الرسمية، بعد أن كسرت السوق الموازية هذا الحاجز بنحو عشرين قرشا منذ أسابيع، وهو ما يدفع الكثيرين إلى تحويل قيمة مدخراتهم إلى الدولار تخوفا من استمرار تراجع العملة المحلية.
وأكد خبراء اقتصاديون ضرورة التصدي لظاهرة الدولرة الحالية نظراً لتأثيراتها الخطيرة على مسار التطور الاقتصادي بالبلاد في الفترة القادمة حيث سيؤدي اتساع نطاق هذه الظاهرة إلى التعجيل بمرحلة انهيار العملة المحلية ولن تستطيع الحكومة في هذه الحالة مواجهة التضخم نظرا لضعف الأدوات المتاحة لديها.
ويشدد هؤلاء على ضرورة أن تبدأ السلطة النقدية ممثلة في البنك المركزي المصري اتخاذ سلسلة من الإجراءات والقرارات المحورية للحد من الطلب على الدولار وأهمها الوقف المؤقت لتحويل الأموال إلى خارج البلاد خاصة لمستثمري البورصة بعد تزايد ظاهرة الأموال الساخنة في البورصة المصرية في الشهور الأخيرة حيث تلعب تحويلات المستثمرين إلى خارج البلاد دورا رئيسيا في استنزاف النقد الأجنبي.
كما تشمل هذه الإجراءات تنقية قوائم الواردات المصرية والوقف الفوري للواردات الترفيهية نهائيا وليس رفع الرسوم الجمركية عليها حيث تشكل هذه الواردات نحو 10% من إجمالي فاتورة الواردات المصرية التي تبلغ نحو 50 مليار دولار سنويا مما يعني توفير نحو 5 مليارات دولار تذهب لشراء سلع كمالية للطبقات الثرية من دون أن يكون لهذه السلع أي مردود على العملية الإنتاجية.
ويؤكد محمد بركات رئيس بنك مصر أن الجهاز المصرفي خاصة البنوك الكبرى مثل بنوك مصر والأهلي والقاهرة والتجاري الدولي سوف تلعب دورا مهما في الفترة القادمة في مساندة السياسة الجديدة للبنك المركزي التي تهدف إلى السيطرة على حركة المضاربات على الدولار وتعزيز قدرة البنوك على اجتذاب مدخرات دولارية جديدة خاصة من القطاع العائلي ومن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ومن الشركات التي تقوم بتصدير منتجاتها إلى الخارج.
وأوضح أن زمام المبادرة في سوق الصرف سوف يظل في ايدي الجهاز المصرفي والبنك المركزي وليس أمام المضاربين مساحة كبيرة لرفع سعر الدولار بطريقة غير مبررة وغير اقتصادية تهدف لتحقيق أرباح فاحشة لبعض الفئات على حساب الاقتصاد الوطني.
وقال إن توقيع اتفاق صندوق النقد سوف يلعب دورا مهما في اجتذاب موارد جديدة من النقد الأجنبي للبلاد سواء عبر الاقتراض الحكومي أو غيره مما يعزز الاحتياطي النقدي ويتيح للبنك المركزي قدرة أكبر على الحركة في الفترة القادمة.
ويكشف التقرير الأخير الصادر عن البنك المركزي المصري عن عودة ظاهرة الدولرة مرة أخرى إلى السوق المصرية بعد سنوات طويلة من الاستقرار النسبي حيث سجلت قيمة الأصول الأجنبية لدى البنوك المصرية ارتفاعا بنحو 4,3 مليار دولار خلال الشهور الثلاثة الأخيرة وهو اتجاه من المتوقع استمراره في الفترة القادمة.
ورغم ان حائزي العملة الأجنبية الذين يتوجهون لإيداع أموالهم لدى البنوك يمثل نسبة كبيرة فان حجم الدولار المتداول خارج الجهاز المصرفي يزيد بمرور الوقت على خلفية تنامي عمليات المضاربة والأرباح الكبيرة التي حققها المضاربون سواء من شركات الصرافة أو الأفراد خلال الفترة الأخيرة وتحديدا منذ إطلاق آلية المزادات اليومية للدولار التي ينظمها البنك المركزي، وساهمت في تحريك سعر صرف الدولار من 615 قرشا في المتوسط خلال شهر ديسمبر الماضي إلى نحو 662 قرشا حاليا للشراء و670 قرشا للبيع في معظم البنوك المصرية.
وهذه الظاهرة السلبية التي يشهدها الاقتصاد المصري لعبت دورا مؤثرا في إضعاف قوى الاقتصاد الكلي خلال فترة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي نتيجة ترك قرار تحديد أسعار العملات الأجنبية في ايدي اللاعبين الكبار في السوق الموازية خاصة ان عددا من هؤلاء اللاعبين يسهمون في تسريب كميات كبيرة من الدولار إلى ايدي أصحاب الطلب غير المشروع الذين ينخرطون في أنشطة غير رسمية مثل التهريب وتجارة المخدرات والسلاح وغيرها مما يضعف من فرص البنك المركزي ومعه بقية وحدات الجهاز المصرفي في التحكم في سعر صرف العملات الأجنبية بالبلاد.
وحسب دوائر مصرفية فإن ظاهرة الدولرة المتصاعدة في مصر ربما تعصف بخطط دعم الاقتصاد التي تسعى الحكومة لتنفيذها في المرحلة المقبلة وهي الخطط التي كشف عن جانب منها رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في اجتماعات منتدى دافوس السنوية مؤخرا، حيث ذكر ان برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي سوف يدخل حيز التنفيذ قريبا، بما في ذلك القرارات الضريبية المجمدة وخطة التقشف وضغط الإنفاق الحكومي.
وتكشف هذه الدوائر أن ظاهرة الدولرة تهدد برفع تكلفة فاتورة الواردات المصرية من الخارج بنحو ثلاثة مليارات دولار على الأقل خلال النصف الأخير من العام المالي الجاري الذي ينتهي في 30 يونيه القادم ومن ثم سوف يلقي ذلك بآثاره على معدلات النمو المهددة بالتراجع تحت وطأة استمرار تدهور المشهد السياسي إلى ما دون 2%مقابل 2,8%في العام الماضي.