صحيفة الاتحاد

تقارير

الاتفاق النووي.. ورقة ضاغطة على مغامرات طهران

لعل من أكثر صور العام الجديد إلهاماً وتأثيراً، تلك التي أتتنا من إيران. ففي صور ومقاطع فيديو نشرت على «الإنترنت»، رأينا نساءً إيرانيات واقفات على صناديق الخطوط الهاتفية في شوارع مكتظة بالناس، صامتات ووحيدات، وقد نزعن الحجاب الإلزامي الذي يغطي رؤوسهن وعلقنه على طرف عصا. وقد تم توقيف 29 امرأة على الأقل بسبب مظاهر الشجاعة والتحدي المذهلة هذه، التي يواجهن بسببها عقوبة بالسجن قد تصل إلى 10 سنوات.
مظاهرات النساء بدأت خلال أسبوع من الاحتجاجات الجماعية التي اندلعت عبر إيران، اعتباراً من أواخر ديسمبر الماضي، لم تقدها نخبة البلاد المتعلمة، وإنما طبقتها العاملة. وقد بدأ الغضب مع الزيادة في أسعار البيض، ولكن بحلول الوقت الذي انتهت فيه هذه الاحتجاجات، كانت الشعارات المرفوعة تشمل «الموت للديكتاتور» و«غادروا سوريا»، التي يخسر فيها «الحرس الثوري» الإيراني الأموال والأرواح.
كلا، إنه من غير المرجح أن تكون إيران على شفا ثورة تطيح بنظام كان مصدرَ كثيرٍ من المشاكل الاستراتيجية الأميركية؛ غير أن هذا الموسم الجديد من الاضطرابات في عقر بلاد فارس ينبغي أن يغيّر بعض الحسابات في واشنطن بشأن أفضل السبل للتصدي لاعتداءات طهران عبر الشرق الأوسط - والموقف من الاتفاق النووي الذي يهدّد الرئيس دونالد ترامب بتمزيقه.
ما تبرزه الاضطرابات هو أن رفع العقوبات، وإنهاء تجميد الأرصدة التي حصلت عليها إيران قبل عامين مقابل كبح أنشطتها النووية لم يكن نعمة بالنسبة لإيران، مثلما توقع ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. بل يمكن القول، إن زعماء إيران لديهم اليوم أسباباً ليخلصوا إلى أنهم، وليس ترامب، عالقون في «أسوء اتفاق على الإطلاق».
ذلك أن أمل النظام الإيراني كان هو أن ينقذ اقتصادَه الذي يعاني الركود التضخمي وارتفاعاً خطيراً في البطالة برفعُ القيود على صادراته النفطية وعودة الاستثمارات الأجنبية. ولكنهما لم يفعلا، لأسباب من بينها حقيقة أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يتحاشون هذا البلد الذي يستشري فيه الفساد، ويواجه فيه أصحاب جوازات السفر الأجنبية خطر الذهاب إلى السجن بسبب تهم ملفقة.
وهناك إحصائيات اقتصادية تؤيد هذا الأمر، ولكن أفضل الأرقام مصدرها استطلاع للرأي رعاه «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية» التابع لجامعة ميريلاند، أجري بعيد انحسار احتجاجات الشارع. ففي أغسطس 2015، بعد توقيع الاتفاق النووي، قال 57 من المئة من الإيرانيين، إن الظروف الاقتصادية في البلاد آخذة في التحسن، وهو ما كان يعكس ربما آمال التغيير. أما اليوم، فإن 58 في المئة يقولون، إن الوضع يزداد سوءاً، و69 في المئة يقولون إن الظروف «سيئة شيئا ما» أو «جد سيئة». هذا في حين يحمّل 63 في المئة النظام مسؤولية ذلك، أي قرابة ضعف عدد من يقولون، إن «العقوبات والضغوط الخارجية» هي المسؤولة.
والواقع أن الإيرانيين «ما زالوا وطنيين»، ذلك أن أكثر من 70 في المئة منهم ما زالوا يؤيدون تطوير صواريخ وقدرة نووية. و16 في المئة فقط قالوا لمنظمي استطلاع الرأي، إن «النظام السياسي الإيراني يحتاج للخضوع لتغيير جوهري». غير أن عدداً أقل بكثير يدعم مغامرات النظام الخارجية، حيث يقول 42 في المئة، إن «الحكومة ينبغي أن تنفق أموالاً أقل في أماكن مثل سوريا والعراق». كما ترى أغلبية من المستجوبين أن على إيران أن تتفاوض مع بلدان أخرى بدلاً من أن تسعى إلى الهيمنة الإقليمية. ومع أن 75 في المئة يقولون، إن الاتفاق النووي لم يحسّن ظروف عيشهم، إلا أن 55 في المئة ما زالوا يؤيدونه.
إن ما تشي به هذه الأرقام هو أن أحد أفضل السبل للتصدي لتدخلات إيران في العراق واليمن وسوريا، يكمن في التحالف مع الكتلة الكبيرة من الإيرانيين الذين يعارضونها. وهذا يعني، من جملة ما يعنيه، مساعدة الإيرانيين على معرفة ما تخطط له حكومتهم؛ ذلك أن الخبر حول اعتزامها تقليص الدعم وزيادة الإنفاق على الحرس الثوري كان أحد أسباب اندلاع الاحتجاجات.
بيد أن عدداً صغيراً من الإيرانيين فقط - 8 في المئة، وفق استطلاع الرأي الجديد - يحصلون على الأخبار من المحطات الإذاعية الأجنبية، ولكن أكثر من 60 في المئة يعتمدون على «الإنترنت» أو تطبيقات مثل «تلغرام». ولا شك في أن الولايات المتحدة يمكنها بذل مجهود أكبر لمساعدة الإيرانيين على الالتفاف على محاولات النظام عرقلة هذه القنوات.
غير أنه بدلاً من اتباع مثل هذه الاستراتيجيات، يبدو ترامب عاقداً العزم على إلغاء الاتفاق النووي بحلول مايو المقبل، لأسباب تعود عموماً إلى حقيقة أنه أُبرم من قبل الرئيس باراك أوباما. ومما لا شك فيه أن هذا الاتفاق أبعد ما يكون عن الاتفاق المثالي، مثلما سبق لي أن قلت في مناسبات عديدة. غير أنه في الوقت الراهن يساعد هذا الاتفاق على إحداث شرخ بين النظام والجمهور، وخلق مصدر جديد ممكن للضغط على مغامرات طهران الخارجية. وعليه، فإذا أنهاه ترامب، فتوقعوا بعض الاحتفالات الهادئة في طهران.

*محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»