دنيا

المهارات والحرمان في الإعلام



كثيرون في عالم اليوم، يدعون الحداثة والعصرنة، ولكنهم لا يزالون يتصرفون، وكأن العالم لم يتغير أو توقّف عند ما تعلموه وهم على مقاعد الدراسة أو سنوات الخبرة الأولى، فيمضون في حياتهم وعملهم التقليدي بأداء روتيني، وعند أول احتكاك فعلي ينكشف ادعاؤهم الوهمي بمواكبة العصر وتعصبهم (اللا إرادي ربما) لعاداتهم القديمة. من الناس أيضاً، ثمة فئة أخرى غير بعيدة جداً عن ذلك، فهؤلاء يعيشون ما يشبه الانفصام، يستغرقون في عاداتهم القديمة، ولكنهم يزّينونها بمفردات عصرية. البعض يرغب فقط بالإيحاء أنه مساير للعصر، للحفاظ على ماء وجه، والبعض الآخر يكتفي عن سابق تصور وتصميم ولسبب أو آخر، بهذا القدر من «الحداثة»، وثمة أيضاً من يخاف الذهاب إلى أبعد من ذلك.
لا يختلف اثنان على تدني القيمة المضافة لكثير من الوظائف والممارسات الإعلامية القديمة. كذلك لا يجب أن نختلف على أن جزءاً من أزمة الصحافة ووسائل الإعلام التقليدية، بما فيها التلفزيون، سببه العقوق الذي أصيبت به تجاه نفسها وجمهورها، ولفترة طويلة حتى دهمها الغزو التكنولوجي، وفرض عليها قواعد جديدة لم تكن تخطر على بال أقوى الامبراطوريات، وألمع نجوم الإعلام وأرقى المعاهد والكليات الأكاديمية في النصف الثاني من القرن العشرين. قد لا تكون هناك فائدة لمثل هذه الحسرة، لولا الخشية من أن تتكرر ظاهرة العقوق مرة أخرى، إذا ما استمرت وتيرة اللامبالاة في عدد من قطاعات الإعلام، على نطاق عربي أو غيره.
البعض يشبّه الإعلام بالوحش الذي يحتاج يومياً لتزويد هائل من المعلومات والبيانات والكفاءات والأداء والاستثمار والتطوير من كل نوع وإلا لن يستمر بالحياة. هذا الغذاء اليومي (ونتذكر بذلك الموقع الأميركي الشهير «ديلي بيست») يحتاجه الإعلام حتى يصبح «وحشاً» مؤثراً وفاعلاً، كما يحتاج لهذا الغذاء لكي يحافظ على «هيبته» ومكانته، ولا يسمح بانتزاع اللقب منه على يد منافس له.
لست من المؤيدين لهذا التشبيه. لكنه قد يكون مناسباً في هذا السياق لاستثارة اهتمام (وخوف) الكثير من وسائل الإعلام، القديمة والجديدة، خاصة تلك التي تعتقد أن استمرارها رغم الأزمات التي عصفت بمثيلاتها يمدها برصيد يُجنّبها المخاطر، أو يُحصّنها أكثر بكثير من منافستها، أو تلك المؤسسات التي حققت في فترة ما وبقدر ما، ولكنها وقفت عند زمن معين، أو ربما تكون قد انتقلت شكلياً إلى العصر الرقمي، بل وربما تكون رقمية بالكامل، ولكنها لم تهتم، ولم تشارك في تطوير التقنيات والابتكارات، وفي طرح رؤية متجددة لدورها وللإعلام ككل.
مثل هذه المؤسسات لم تقدم ما يشير إلى أنها استوعبت وتيرة العصر الرقمي الذي أفرز ثقافة «حاكمة» تعني الحاجة لتجدّد المهارات بشكل مستديم جنباً إلى جنب تجدد التقنيات ومواكبة التكنولوجيا بكل تفرعاتها المتصلة بسوق الإعلام. مثل هذه المؤسسات حرمت نفسها من أهم مقومات مواكبة العصر، حيث لم تتح للعاملين فيها بتطوير مهاراتهم أو اكتساب مهارات أخرى جديدة. بل هي لم تتعلم الدرس من تحولات السنوات القليلة الماضية، فتستمر بحرمان أهم مكون فيها من هكذا فرص للتطوير. بل هي تحرم نفسها من قدراتهم وأفكارهم الكامنة، ومن هذا التطوير على حد سواء.


د.الياس البراج | barragdr@hotmail.com