عربي ودولي

أزمة قطر في تصاعد ولا حل في الأفق قريباً

دينا محمود (لندن)

«تتزايد الأدلة التي تفيد بأن أزمة مقاطعة الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، قطر بسبب دعمها للإرهاب، أبعد ما تكون عن الحل».. حكمٌ جازم استهلت به الباحثة «كريستين سميث ديوان» مقالاً تحليلياً، أكدت فيه تضاؤل احتمالات التوصل إلى تسوية قريبة للأزمة المستمرة منذ يونيو الماضي بسبب تشبث النظام القطري الحاكم بسياساته التخريبية والمزعزعة للاستقرار، وتطرقت خلاله إلى المخاطر التي تُحدق بهذا النظام بفعل لجوئه إلى بعض الإجراءات المتهورة على الساحة الداخلية، في مسعى للخروج من عزلته المتزايدة.
وأشار المقال الذي نشره موقع «لوفير» الأميركي المتخصص في بحث قضايا الأمن القومي، إلى ما شهدته الأسابيع الماضية من مؤشرات على تصاعد الأزمة لا تراجع حدتها، وضرب مثالاً في هذا الشأن، بإقدام مقاتلات قطرية على اعتراض طائرتيْ ركاب إماراتيتين منتصف الشهر الماضي، ما شكّل تهديداً لسلامة الركاب على متنيهما، وهو ما جاء بعد مزاعم روجتها الدوحة، وادعت فيها أن طائرات إماراتية انتهكت المجال الجوي القطري، دون تقديم دليل واحد يؤيد مثل هذه الأكاذيب.
واستبعد المقال أن تحقق المحاولات التي تعتزم الإدارة الأميركية القيام بها في الفترة المقبلة لبلورة حل للأزمة، عبر لقاءات منفصلة سيعقدها الرئيس دونالد ترامب مع قادة الدول المعنية بهذا الملف في واشنطن. وقال إنه على الرغم من وجود احتمال لاستضافة الولايات المتحدة قمة خليجية، «فلا شهية تُذكر لإيجاد تسوية» (في إشارة إلى مواصلة الدوحة اتخاذ مواقف متعنتة حيال المطالب المطروحة للدول الأربع).
ولفت المقال إلى ما قاله أمير قطر تميم بن حمد منتصف نوفمبر الماضي من عبارات، اعتبرها «قبولاً صريحاً بمرحلة جديدة في العلاقات بين دول الخليج»، وهو ما يبدو مؤشراً على مدى العناد الذي يواصل هذا البلد إبداءه، رغم الخسائر الدبلوماسية والاقتصادية التي يُمنى بها، منذ أن اتخذت الدول الأربع إجراءاتها الصارمة حياله في يونيو، بما شمل قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية.
وقالت الكاتبة المتخصصة في شؤون الخليج، إن هذه التدابير خلقت تحديات أمام «نظام الحمدين»، تركزت بطبيعة الحال على الصعيدين السياسي والاقتصادي، مُشيرة إلى أن من بين هذه التحديات «كيفية المحافظة من جانب الدوحة على تحالفاتها الرئيسة، في الوقت الذي يجري فيه إجراء تعديلات جوهرية على السياسة القطرية، والبنية التحتية للاقتصاد هناك أيضاً». وتطرقت إلى انعكاسات الأزمة على الوضع داخل قطر، مُشيرةً إلى أن الكثيرين لا يحفلون ببحث ما أحدثته العزلة على نظام تميم من تأثيرات على الداخل القطري، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بـ «علاقة القيادة القطرية بمواطنيها والمقيمين» في البلاد.
وانتقد المقال ما رددته بعض الأوساط قبل شهور من أن الأزمة المتواصلة قد تشجع النظام القطري على «إجراء إصلاحات كبرى»، قائلة إنه من غير المرجح أن يتخذ هذا النظام «إجراءات دراماتيكية ومحفوفة بالمخاطر في ظل الأزمة الراهنة». واستعرض الأدلة التي تثبت حالة الذعر التي تسود نظام تميم وتحول دون إقدامه على إجراء أي تغييرات واسعة على الساحتين السياسية والاجتماعية، أولها المتعلق بمماطلة النظام الحاكم في تفعيل تعهد بإجراء انتخابات في البلاد. وقال إنه على الرغم مما تردد من شائعات بأن هذا النظام سيعلن أخيراً المضي قدماً على طريق تفعيل خطة «نوقشت لأمد طويل وأُرجئت لوقت طويل أيضاً، وتقضي بالسماح بانتخاب ثلثيْ أعضاء مجلس الشورى»، أحجم تميم في كلمته الأخيرة أمام المجلس عن الإدلاء بتصريح واضح في هذا الصدد، ولجأ بدلاً من ذلك إلى طمأنة الأعضاء بأن الحكومة تواصل التحضير لإجراء انتخابات من هذا القبيل.
وألمحت الكاتبة إلى الأسباب المحتملة التي تقف وراء عجز السلطات القطرية عن اتخاذ قرار كهذا، قائلة إن السماح لـ «العامة بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، سيكون خطوة تنطوي على مخاطر، في ضوء الشكوك التي تُبتلى بها هذه الخطط الخاصة» باستحداث كيان تشريعي يسمح بالمشاركة الشعبية في العملية السياسية. وذَكَرَّت بأن الخطة الأوليّة للانتخابات كانت جزءاً من حزمة إصلاحات، اقترحها أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني بعد انقلابه على أبيه عام 1995، وذلك في وقت كان يحفل بـ «تحديات ومخاطر مماثلة». وقالت إن هذه الإصلاحات المزعومة شكلت في ذلك الوقت وسيلة «لحشد الاهتمام الدولي والدعم الشعبي»، مُشيرة إلى أن الوعد بإجرائها - الذي لم يُنفذ حتى الآن رغم مرور نحو ربع قرن على قطعه - ترافق في ذلك الوقت مع خطوات أخرى من قبيل إنشاء قناة «الجزيرة».
وفي فضح للممارسات القطرية المتوارثة في هذا الصدد، أشار المقال إلى أن حماسة حمد لـ «الديمقراطية خفتت بمجرد أن بات حكمه يحظى بالأمن»، وهو ما يؤكد أن تظاهره بالرغبة في السير على الطريق الديمقراطي لم يكن سوى مسعى لتضليل مواطنيه والمجتمع الدولي معاً بهدف الحصول على الدعم من كلا الجانبين. وأضافت أن الأمر تمخض في نهاية المطاف عن استحداث مجلس بلدي ذي صلاحيات استشارية. وكشفت الكاتبة عن أنها رصدت خلال زيارات متعددة قادتها إلى الدوحة خلال العقد الماضي، ما يبدو أنها الأسباب الحقيقية التي تمنع السلطات هناك من المضي قدماً على طريق تنفيذ تعهداتها بإجراء انتخابات لثلثي أعضاء مجلس الشورى. ومن بين هذه الأسباب، عجز الأجهزة المعنية في قطر عن تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية تضمن ما يصفه المسؤولون بـ «التمثيل القبلي العادل والمتوازن»، وهو ما يوحي بمدى خوف حكام هذه الدولة من القبائل التي ضاقت ذرعاً بممارسات نظام الحمدين وسياساته التي تودي بهذه الإمارة إلى الهاوية.
وشدد المقال على أن التخوف نفسه من «البروز السياسي للقبائل، خاصة تلك التي تتخذ مواقف لا تتسم بالود حيال أسرة آل ثاني الحاكمة»، اتضح كذلك في اعتماد قانون الجنسية في قطر عام 2005، بما يشمل عليه من بنود تقول الكاتبة إنها تَحُد بوضوح من الحقوق السياسية للقبائل التي تُوصف بأنها دخلت البلاد متأخرة، وتحرم أبناءها من التصويت لاختيار أعضاء أي برلمان منتخب مقبل.
ولا تغفل الكاتبة الإشارة إلى تعالي أصوات قبائل قطرية بالمعارضة ضد نظام تميم منذ فُرِضت عليه العزلة قبل أكثر من ثمانية شهور، لافتة النظر إلى المقطع المصور الذي ظهر فيه أحد أبناء الأسرة الحاكمة في قطر وهو يندد بتميم وسياساته، أمام آلاف من أبناء القبائل ممن احتشدوا على الحدود السعودية القطرية. كما أكدت أن صعوبة تحقيق «التوازن القبلي» في الإمارة، يبرز المخاطر السياسية التي ينطوي عليها أي انفتاح سياسي هناك، على طريق إجراء انتخابات تستهدف تشكيل هيئة يخولها الدستور حق مساءلة وزراء الحكومة.
ولفت المقال الانتباه إلى خطوة أخرى جدلية يبدو أن النظام القطري أُرغِمَ على اللجوء لها في محاولة للخروج من طوق العزلة الذي يُحكم عليه الخناق شيئاً فشيئاً، ألا وهو إقرار مشروع قانون لمنح بطاقة إقامة دائمة لمجموعة مُنتقاة من الأجانب المقيمين في هذا البلد، والذين يشكلون أكثر من 85% من السكان. وأشارت الكاتبة إلى وجود حساسية هائلة تكتنف هذا الأمر، لا سيما أن المنظومة الجديدة تفتح الباب أمام تجنيس أبناء الأم القطرية من زوج أجنبي، وهو ما قد يثير تساؤلات حول ولاء هؤلاء الأبناء للنظام الحاكم في الدوحة. وأضاف المقال أنه في الوقت الذي قد يفضي فيه منح السلطات القطرية حق الإقامة الدائمة للأجانب بشكل استثنائي إلى تعزيز الروابط مع مقيمين أجانب يستثمرون أموالهم في قطر، فإنه يمكن أن يثير انزعاج القاعدة الرئيسة من المواطنين القطريين، لما سيترتب عليه من انتفاع هؤلاء المقيمين بخدمات الرعاية الصحية وغيرها. وأوضح أن الكثير من القطريين يحرصون على الدفاع عن المنافع الحكومية السخية التي يحصلون عليها، وهو ما يشير إلى إمكانية أن تؤدي بعض الخطوات التي يلجأ إليها نظام تميم في محاولاته المستميتة للإيحاء بأنه يجري إصلاحات على الساحة الداخلية، إلى إثارة المزيد من الاضطرابات والقلاقل بين مواطنيه، ومئات الآلاف من الأجانب المقيمين في البلاد.