تقارير

سوريا: الدروز يؤيدون المعارضة

في الوقت الراهن يبادر أفراد من طائفة الدروز، وهي طائفة دينية سورية صغيرة العدد ولكنها مهمة، بالالتحاق دون تحفظ بصفوف المعارضة بشكل حثيث وبأعداد كبيرة، ما يزيد الضغط على حكومة الأسد المأزومة، وفقاً لنشطاء من المعارضة، وقادة عسكريين منشقين.
عندما تطور الصراع السوري إلى حرب طائفية دموية تقف فيها أغلبية الطائفة السنية إلى جانب المعارضة اختارت بعض الأقليات السورية، ومنها الدروز، الوقوف على الحياد ومراقبة ما يحدث، وكيفية تطور الأحداث، قبل اتخاذ قرارها النهائي.
وكان النظام قد نجح في الاحتفاظ بدعم كثير من أبناء طائفته من العلويين المنتمين إلى فرع من فروع المذهب الشيعي، وكان الاحتفاظ بدعم مجموعات الأقليات عموماً هدفاً رئيسياً من أهداف حكومته، التي حاولت تصوير الصراع على أنه مؤامرة أجنبية بدلاً من كونه تحدياً داخلياً لسلطته من جانب الشعب الذي فاض به الكيل، وتعرض لصنوف صعبة من المعاناة دفعته للخروج إلى الشارع مطالباً بإسقاط النظام.
وهذا ما يؤكده «فريد خزان» عضو البرلمان اللبناني، وأستاذ سياسات الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية ببيروت، الذي يقول: «تحاول حكومة الأسد إبعاد الدروز وغيرهم من الأقليات عن الصراع للتأكد من أنهم لن يصطفوا في النهاية إلى جانب المعارضة».
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن تعداد الطائفة الدرزية في سوريا يقدر بـ700 ألف من إجمالي عدد السكان البالغ 21 مليون نسمة، غير أن لهم تاريخاً طويلاً من التمرد على بعض الحكام السلطويين، حيث هبوا ضد العثمانيين وضد الفرنسيين على التوالي. وتعيش الأغلبية العظمى من الدروز في المنطقة الجبلية الواقعة جنوب شرق سوريا، وخلال الشهرين الماضيين ووفقاً لنشطاء من المعارضة قام الدروز بعدة مظاهرات احتجاجية مناوئة للحكومة في محافظة السويداء معقلهم الرئيسي، التي ظلت هادئة نسبياً منذ أن بدأت الانتفاضة ضد النظام منذ عامين تقريباً.
وفي منتصف شهر ديسمبر الماضي، أعلن مقاتلو المعارضة تشكيل أول مجلس ثوري في تلك المحافظة ليضطلع بتنسيق معظم المواجهات المهمة التي وقعت فيها منذ أن بدأ الصراع. وإحدى تلك المواجهات هي التي وقعت في منتصف يناير الماضي عندما شارك العشرات من مقاتلي الدروز في هجوم على محطة رادار تقع على قمة أحد جبال المحافظة. وفي بداية المعركة نجح المقاتلون في قتل عدد من جنود الحكومة، ولكن جرى في نهاية المطاف إلحاق خسائر كبيرة بهم من قبل قوات الحكومة، مما اضطرهم إلى التقهقر إلى سفح الجبل، وهم يحملون قتلاهم وجرحاهم معهم، وفقاً لمقاتلي المعارضة الذين شاركوا في تلك المعركة.
ومع ذلك اعتبر بعض الثوار أن تلك العملية قد حققت انتصاراً على كل حال. ومن هؤلاء مقاتل درزي يدعى «تامر» التحق بثوار السويداء منذ أشهر قليلة، وشارك في العملية المذكورة حيث يقول «إن المعنى الرمزي من مشاركة الدروز في تلك العملية لا يقل أهمية عن تحطيم برج الرادار نفسه».
وقد دفعت قوة الثوار ثمناً باهظاً في تلك المعركة العنيفة. فمن بين من قتلوا «خلدون زين الدين» وهو واحد من أوائل الضباط الدروز الذين انشقوا عن صفوف الجيش السوري، وكان ينظر إليه كبطل شعبي في أوساط الدروز الذين التحقوا بالمعارضة.
وكان بعض الدروز الذين يعيشون في المناطق الأكثر اختلاطاً مثل محافظة إدلب، الواقعة في شمال غرب سوريا، قد التحقوا بصفوف المعارضة، وحاربوا مع وحدات الجيش السوري الحر في مرحلة مبكرة نسبياً. ولكن الشيء الذي أبقى على الجزء الأكبر من الدروز على الخطوط الجانبية في معقلهم في محافظة السويداء حتى الآن هو الخوف من بعض المتطرفين الدينيين السنة الذين يحاربون في صفوف الثوار، والذين يعتبر البعض منهم أن الدرزية نوع من المروق والالحاد.
ومنذ الصيف الماضي وقعت على الأقل أربعة حوادث تفجير سيارات في منطقة «جرمانا»، وهي ضاحية من ضواحي دمشق تسكنها أغلبية من الدروز والمسيحيين. وأحد تلك التفجيرات وقع في أواخر شهر نوفمبر وخلف 45 قتيلًا وما يزيد عن 120 جريحاً، وفقاً لمصادر المعارضة، وقد مثل في نظر كثيرين ضربة قاصمة للنظام.
وقد دأبت مصادر النظام السوري بشكل روتيني على إلقاء مسؤولية الهجمات التي تقع في «جرمانا» على «الإرهابيين» (وهو الوصف الذي تطلقه على مقاتلي المعارضة)، ولكن نشطاء المعارضة يقولون إن الحكومة نفسها هي التي تقوم بتنفيذ تلك الهجمات لمفاقمة مخاوف الحرب الطائفية في أوساط السكان وعلى وجه الخصوص بين صفوف أبناء الأقليات.
وبالنسبة للبعض تبدو تلك المخاوف «حقيقية تماماً» بحسب ألين (24 عاماً) وهي شابة درزية من منطقة «جرمانا» فرت مؤخراً إلى بيروت هرباً من العنف حيث تقول إن «الخطر الأكبر بالنسبة للدروز هو العنف الطائفي ضدهم، إذ لا يعرف أحد في نهاية المطاف متى سيخرج الموقف عن زمام السيطرة».
ولكن على رغم ذلك فقد زاد عدد الدروز في صفوف المعارضة إلى درجة أن هناك في الوقت الراهن وحدة من مقاتلي المعارضة ذات أغلبية درزية يطلق عليها «كتيبة بني معروف» شكلت في أواخر شهر ديسمبر الماضي، وتعمل في ضواحي العاصمة دمشق -بما في ذلك منطقة «جرمانا».
والشاهد أن ما دفع بعض الدروز للوقوف في صف المعارضة هو نفسه ما دفع الكثير من السوريين الآخرين، ألا وهو عجز الحكومة الظاهر عن توفير الأمن، أو حتى الخدمات الأساسية وفقاً لنشطاء المعارضة.
وقال ناشط سوري يعرف باسم «زياد» في مقابلة أجريت معه في بيروت التي انتقل إليها حديثاً هرباً من العنف في موطنه «لقد فقد السوريون أبسط الاحتياجات والخدمات الحياتية الأساسية… فليس هناك خبز ولا غاز ولا شيء».
وقد ساهم وجهاء وقيادات الدروز بدورهم في تأييد المعارضة حيث طلبوا من أبناء طائفتهم الانتفاض ضد حكم الأسد.
يشار إلى أن هناك طوائف درزية ذات حضور مؤثر في لبنان وإسرائيل تربط بينها أواصر عديدة على رغم أن الحدود تفصل بينها.
والحال أنه «يجب على الدروز في سوريا الانضمام للمعارضة» هذا ما يقوله الزعيم الدرزي وليد جنبلاط زعيم الطائفة الدرزية في لبنان، الذي ينتشر أتباعه عبر بعض دول المنطقة. ويوضح جنبلاط ما يقصده بقوله «إن مستقبل الدروز في نهاية المطاف هو مع الشعب السوري، ولا يستطيعون بالتالي أن ينضموا إلى نظام قمعي يقتل هذا الشعب».
وولاءات الدروز المنقسمة، حيث يؤيد بعضهم الحكومة ويؤيد البعض الآخر المعارضة أدى أيضاً إلى تقسيم ليس الطائفة فحسب وإنما العائلات أيضاً. فـ«تامر» مقاتل السويداء الذي سبقت الإشارة إليه يقول إن بعض الناس في قريته قد توقفوا عن الحديث معه بسبب روابطه مع الثوار.
ويضيف تامر: «على رغم ذلك، ليس بمقدورنا التراجع عما بدأنا فيه. صحيح أننا قد تعبنا وحل بنا الإرهاق من هذا الصراع المرير، ولكن ما الذي بأيدينا كي نفعله في حين تتعامل معنا هذه الحكومة وكأننا غير موجودين؟».


باباك ديهغانبيشه
بيروت
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»