ثقافة

ناصر جبران يحوّل السكون إلى أصوات متمرِّدة على الذات

ناصر جبران (أرشيفية)

ناصر جبران (أرشيفية)

غالية خوجة (دبي)

بعض الشعراء لا يذهبون إلا وقد تركوا حياة الكلمات متحركة لتدلّ عليهم، معلنةً (استحالات السكون) تلك المجموعة التي كتبها الشاعر الإماراتي ناصر جبران بين عامي (1982ـ1988)، داخلاً في الحداثة الشعرية وفنياتها المشهدية وصورها السردية وشخوصها المتجولة بين الذات والطبيعة، مرتكزاً على الحدث الشعري وتفاصيل الوصف الصوتي ارتكازاً حوارياً متنوعاً بين الصمت والمخيلة والأنا والآخر، مبعثراً السكون تارة، والأمواج تارة أخرى، لتنسل من المكان ذاكرة الأجداد، في قصيدته (ليتني ما زرت راشد): (قامة مثل الحديد، وعيون نام فيها، عمر أجدادي المجيد، نقش ماضينا التليد)، ليشبكها مع مكونات أخرى من الأغاني الرمزية (كأغنية قد طوتها الصحاري)، ومع مفردات تنجز تلك الأغنية وصورها: (مات الدليل، تاهَ الشراع، وأمي للأفق ترمي البصر)، ثم يستدرجها إلى (صوته): (وصوتي يخفت.. يسكن)، حالماً بطير كوني عظيم يحلق مع انهمار المطر.

بينما تبرق الصورة السوريالية في قصائد أخرى، مثل (هذه الحمامة إن تمت خرس الكلام)، حيث يستحيل السكون إلى متحولات أخرى، ترى فؤاد الحمامة (لهباً يرف) بعدما فوتت هدف القناص، فيصف حركتها وصوتها الداخلي: (وهديلها المشروخ قرقعة الجبال، والريش مثل الشوك بارز، زبد يطايره العباب)، والجمع بين الهديل والقرقعة أنشأ شبكة صوتية تفخيمية، تترك أثر الهول على أصوات أخرى تجمع بين (الجبال)

و(الزبد) و(العباب)، لتسكن في صورة (الحمامة) وأحلامها (والغصن من فمها يفوح، عشقاً يمازجه السلام)، وبذلك يلخص الشاعر صورة الموت والحياة، ويمنحها الجمالية في المقطع الأخير، لغوياً (هذي الحمامة إن تمت خرس الكلام)، كونه طابقَ بين هديلها والعباب والقعقعة والغصن، كطرف، وبين خرس الكلام كطرف آخر للصوت الكوني، وفنياً، عندما جمع بين متناقضين (الحمم/ الصقيع): (وتدثرت حمم القوافي بالصقيع)، وأيضاً، عندما جعل النهاية خارج أفق التوقعات: (ومات في الليل السراج، وغفا على شمس الظلام)، وكأنه يؤكد أن فؤاد الحمامة الذي من لهب، انطفأ، ومات السراج، وشاع الليل، وعاد للحياة الظلام، حزيناً على انتصار الحرب على السلام.

وتتسم البساطة اللغوية، بعمق فني ينتج عن تحويل المجرد إلى مجسد، عبْر قصائد المجموعة البالغة (19) قصيدة، تتمحور حول تدرجات الصوت علواً، خفوتاً، انتشاراً، واختفاء: (إبحار، غناء، المشطور، أصوات الوتر، النهر، الرهبة، زوابع الجرح، خفوت الصدى)، وتستوقفنا، بلا شك، القصيدة التي حملت عنوان المجموعة، وما تصرح به من انتماء وطني عروبي، يركّز على (القدس)، وانتفاضة الفلسطينيين ضد الاحتلال، بادئاً بمناديل تضيء عرس السماء، متابعاً شجاعة النساء وهن (يرقصن للموت حين يجيء اعتراضاً، لبسمة طفل، على وجنتيه يقوم الوطن)، موقناً بأن الشعب متجذر (جماهير من شجر لا تهاب)، ثم يعود إلى ذاته مخاطباً فلسطين: (فلسطين يا كحل عيني إذا أرمدتها فلول الضباب، مسحت بوجهي مناديلها)، ويبرز التوحد مع الأرض لدرجة الثقة بعودتها (هي الأرض تكنس أعداءها)، ويعود السكون إلى استحالاته متمرداً على ذاته من خلال الزلزلة والرعود: (إذا زلزلتها رعود الحناجر)، منطلقاً إلى أصوات أخرى تجسدها دلالات الكلمات: (البرق، النهر الهادر، حضور النهار، الصرخة الجارفة)، إلى أن تهدأ (الانتفاضة) منتصرة، وتعود دورة الحياة خارجة عن سكونها إلى أصوات كل من (الورود، الحياة، روح الشهيد، الشموس، وجه النهار)، لكن الشاعر يعود للاصطدام بسكون ما زالت تتحول أصواته إلى اعتذار وصمت العيون وحسرة الصاعقة: (فعذراً فلسطين ماذا نقول، وكيف نبرر صمت العيون، فكل العواصم قد شاركت ونحن حيارى، نموت اختناقاً بأجسادنا، ونحيا افتخاراً بأطفالنا، وفي حلقنا، حسرة الصاعقة). وتزدحم تداعيات الشبكة الصوتية في الصورة الأخيرة، بعد النداء: (فيا ثورة الجيل يا سرّ روحي)، ازدحاماً يتمزق مع (صوت الأنا الشاعرة) مؤكداً على تصيّرات السكون إلى انتفاضة متواصلة حجارتها عظام الشاعر: (وامنحوني حجارتكم، كي أرى القدس ناراً على شفتي، واصنعوا من عظامي، ألف حجارة).