الاقتصادي

الشباب العربي وريادة مستقبل الاستدامة


يشهد العالم تحولاً جذرياً على صعيد التوزع الجغرافي للمستهلكين الجدد من الطبقة الوسطى خلال العقد القادم. وستتاح للصين وأسواق أخرى في آسيا، فرصة لإعادة تشكيل مزيج الطاقة الذي ترتكز عليها هذه الاقتصادات المتنامية والمزدهرة.
وللمرة الأولى منذ 150 عاماً، ستتوزع الطبقة الوسطى العالمية في آسيا بشكل أكبر بالمقارنة مع الغرب في السنوات المقبلة. وبحلول عام 2030، يُرجّح أن يصل عدد سكان الطبقة الوسطى إلى 4.9 مليار نسمة من أصل 8.6 مليار نسمة حول العالم، وسوف يتركز 3 مليارات من هذه الشريحة السكانية في آسيا.
ويرجع السبب في ذلك إلى حد كبير إلى الدور الرائد الذي تقوم به الصين في منطقة شرق آسيا في انتشال مليارات الناس من الفقر المدقع الذين يعيشون بدخل يومي يقل عن 1.90 دولار. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن منطقة شرق آسيا قد اقتربت من القضاء على الفقر الشديد.
ومع انخفاض معدلات الفقر، تبدأ الطبقة الوسطى بالتنامي في أسرع المناطق نمواً في العالم.
ويشهد العالم نمواً في عدد سكان الطبقة الوسطى الذين يتطلعون إلى تحقيق مستويات نوعية أفضل من النمو الاقتصادي، وتبرز هذه الظاهرة بشكل قوي في الصين. ففي عام 2014، تعهد الرئيس شي جين بينغ بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة لتبلغ الحد الأقصى المحدد لها في عام 2030، وأكّد التزام الصين باتفاق باريس لتغير المناخ. ونظراً لأن الصين تستأثر بنصف الاستهلاك العالمي للفحم، اعتبرت هذه الخطوة محطة فارقة في مسيرة مكافحة تغير المناخ العالمي، وكذلك شكلت حافزاً قوياً للصين لإعادة توجيه مزيج الطاقة لديها نحو مصادر الطاقة المتجددة.
وتخطط الصين للاعتماد على الطاقة المتجددة في خُمس استخدامات الطاقة لديها بحلول عام 2030، لترتفع بمقدار الضعف مقارنة بالوقت الراهن. ويلبي الاعتماد على مصادر أقل تلويثاً للبيئة وأكثر استدامة للطاقة احتياجات شعبها الذي يتطلع إلى بيئة تتسم بمعايير نوعية أفضل وتتناسب مع نمط حياتهم كشريحة ذات دخل متوسط. وتعتبر خيارات ورغبات المستهلكين ذات أهمية كبيرة في ظل المسؤولية التي تتحملها أنماط الاستهلاك والإنتاج كمسبّبة للتلوث، حيث تتوزع نسبة التسبب بالتلوث بين الاستهلاك والإنتاج بنسبة 80% إلى 20% على الترتيب في الاقتصادات المتقدمة، مقابل 20% إلى 80% في الاقتصادات النامية. ولذلك، مع تزايد نمو الثروات في الصين وآسيا، ستصبح خيارات ومتطلبات المستهلكين المتعلقة بالطاقة أكثر أهمية.
واستثمرت الصين في مجموعة متنوعة من مصادر الطاقة المتجددة متفوقةً على الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من الاقتصادات الكبرى من حيث حجم الاستثمارات خلال السنوات القليلة الماضية. وبدأ هذا الزخم قبل التعهد الذي التزم به الرئيس شي. وقد جاء تركيز الصين على الطاقة الخضراء على وجه الخصوص كنتيجة لتزايد الاهتمام بالتطوير التكنولوجي الذي يشكل عنصراً أساسياً في خطتها الاقتصادية الهادفة إلى التحول إلى دولة مزدهرة.
ويدعم الاستثمار في تكنولوجيا الألواح الشمسية وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة طموحات الصين في بناء قطاعات قائمة على التكنولوجيا المتقدمة لتكون جزءاً من الدعائم الرئيسة لاقتصاد أقوى. وأسهم ذلك في جعل الصين أكبر مستخدم ومنتج لتقنيات الطاقة المتجددة في العالم، كما أثبتت مكانتها الريادية في مجال تقنيات الشبكة الذكية والتي يمكن أن تشكل نموذجاً جديداً لاستهلاك الطاقة.
وكجزء من مبادرة «الحزام والطريق»، تستثمر الصين في السكك الحديدية عالية السرعة والبنى التحتية الأخرى على نطاق محلي ودولي، فضلاً عن التخطيط لإنشاء صناعة التقنيات العالية القائمة على أنظمة الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025. ومع هذا التركيز على الاستثمار والإنتاج، لا يزال الوقود الأحفوري يشكل جزءاً مهماً من مزيج الطاقة في الصين. وبموجب مبادرة «الحزام والطريق»، ستستثمر الصين ما يصل إلى 800 مليار دولار في نحو 65 دولة خلال السنوات الخمس المقبلة مع تخصيص ما يتراوح من 100 إلى 200 مليار دولار أخرى لصندوق «طريق الحرير» لدعم هذه الاستثمارات.
وشكّل تعزيز أمن الطاقة أحد الدوافع التي وقفت وراء هذه الاستثمارات الضخمة للصين في السكك الحديدية والموانئ والطرق وغيرها على نطاق دولي بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من انتقادات الاتحاد الأوروبي للصين بسبب الأثر البيئي الناتج عن استثماراتها، فإن التحول الذي تبنّته الصين في أولويات الطاقة سيأتي بثماره بزخم متزايد.
فعلى سبيل المثال، مع تركيز الصين على قطاع التكنولوجيا والاهتمام المتزايد بالطاقة النظيفة، ستؤثر استثمارات الصين على البلدان التي تتواجد فيها. وتسعى الصين إلى الاستثمار في فرص العمل الصديقة للبيئة والتحسينات البيئية ضمن منطقة طريق الحرير الجديد ودعم مشاريع الطاقة الشمسية وغيرها من مشاريع الطاقة المتجددة.
وبالنسبة لدول مثل الإمارات، فإن التحول الذي تشهده الصين بالتركيز على الطاقة المتجددة، سيتيح فرصاً مهمة للعمل مع ثاني أكبر شريك تجاري لها على مجموعة واسعة من المشاريع. وتوفر دولة الإمارات مع الدول الأخرى المشمولة بمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» نحو نصف احتياجات الصين من النفط المستورد، لذا فإن هذه المنطقة ذات أهمية كبرى بالنسبة للصين. ويمكن لهذه الشراكة أن تنمو وتتطور بما يعود بالمنفعة على البلدين على حد سواء.
ومع تركيز الصين والإمارات على الاستدامة في العديد من القضايا المتعلقة بالطاقة والمياه، وكيفية التحول إلى مزيج طاقة أكثر استدامة، فإننا نقف اليوم أمام لحظة حاسمة، ليس فقط بالنسبة لهاتين الدولتين، ولكن للعالم بأسره.

متحدثة رئيسة في «القمة العالمية لطاقة المستقبل»