دنيا

إعادة تقييم الزوجين لخلافاتهما يُساعد على تجاوزها

النقاش الموضوعي الهادئ للمشاكل يقلص الخلافات بين الزوجين (رويترز)

النقاش الموضوعي الهادئ للمشاكل يقلص الخلافات بين الزوجين (رويترز)

وجد باحثون أميركيون من جامعة نورث ويستيرن بشيكاجو أن الأزواج الذين يقضون لحظات قليلة لا تتعدى سبع دقائق كل بضعة أشهر في الكتابة حول المشاجرات التي جرت بينهم مؤخراً هم أقل تعاسة من أولئك الذين لا يقومون بذلك. وهم يرون أن لعب كل واحد من الزوجين دور طرف ثالث يرى آخر الخلافات السابقة من منظور محايد وزاوية موضوعية وعين محايدة يؤدي في النهاية إلى استبصار الزوجين بأخطائهما والحرص مستقبلاً على عدم تكرار الوقوع فيها، ما يضخ دماءً جديدة في شرايين العلاقة الزوجية ويجددها باستمرار.


كانت الطريقة التي اتبعها الباحثون للتوصل إلى هذه النتيجة بسيطة للغاية. إذ طلبوا من كل واحد من الأزواج المشاركين في الدراسة التي نُشرت في العدد الأخير من مجلة «علم النفس السلوكي» أن يعيد إلى ذهنه آخر الشجارات التي وقعت له مع شريك حياته ويفكر فيها من جديد، على أن ينظر إليها من زاوية محايدة وبعقل ناقد فاحص وكأنه طرف ثالث غير نفسه وغير زوجه. ويقول هؤلاء الباحثون «إن قضاء 21 دقيقة سنوياً في إعادة تقييم الصراعات والشجارات التي جرت بين كل زوجين لها فوائد جمة على تبصير الزوجين معاً بالأخطاء التي ارتكباها والاقتناع أكثر بأهمية تجنب اجترارها في المستقبل». ويشير الباحثون أيضاً إلى أن ممارسة هذا التمرين الكتابي كل بضعة أشهر لا يعني بالضرورة تحسين جودة زواج كل شخصين، وإنما مساعدتهما على تفادي تراجع علاقتهما وانحدارها بسبب كثرة الخلافات والشجارات. وهذا يؤدي مع الوقت إلى زيادة الرضا المتبادل بينهما وتقليل بواعث الشعور بالتعاسة».
تمرين دوري
يقول إيلي فينكل قائد فريق البحث «هذا التمرين الدوري لا يضمن جعل الزوجين أقل ميلاً للتشاجر أو تخفيف حدة خلافاتهما. لكنه يجعلهما أقل شعوراً بالخيبة والإحباط من شجاراتهما السابقة، وأكثر إدراكاً للأخطاء التي وقعا فيها». وقد شملت الدراسة 120 زوجاً تطوعوا للمشاركة في الدراسة بعد قراءة إعلان دعوة المشاركة فيها في إحدى الجرائد. وقد شاركوا جميعهم في الورش التي دُعوا إليها ضمن الدراسة، وعبأ كل واحد منهم استبيانات عن درجة حبه لشريكه، وحجم الحميمية التي تجمعه مع الطرف الآخر، ومدى وجود ثقة متبادلة، بالإضافة إلى وصف أحدث الشجارات التي وقعت بين كل زوج وزوجة. وكان المتطوعون الذين شاركوا في الدراسة أزواجاً لم يمض على زواجهم إلا بضعة أشهر، كما كان منهم من قضوا مع بعضهم فترة طويلة وصلت إلى 52 سنة! لكن الغالبية العظمى منهم كانت من فئة الأزواج الذين مضت عشر سنوات على اقترانهم.
ولاحظ الباحثون في السنة الأولى من الدراسة هبوطاً نسبياً في مستوى السعادة الزوجية لدى معظم الأزواج. ومع بداية السنة الثانية، اختير نصف الأزواج المشاركين على نحو اعتباطي للإجابة عن ثلاثة أسئلة إضافية رقمياً. ويقدر فينكل أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تأخذ أكثر من سبع دقائق، ومطلوب من كل زوجين الإجابة عنها كل أربعة أشهر، أو ثلاث مرات في السنة. وفيما يلي نص هذه الأسئلة:
1- فكر في خلاف محدد نشب بينك وبين زوجك (زوجتك) انتهيت لتوك من الكتابة عنه. أمعن التفكير فيه من زاوية نظر مختلفة عن نظرتك السابقة إليه، واحرص على أن تكون محايداً ومتجرداً وكأنك طرف ثالث يسعى إلى فعل ما يحقق المصلحة الفضلى لكلا الطرفين، ثم اكتب وصفك الجديد للخلاف وتقييمك الجديد له. وتحدث عن الشيء الجيد الذي يمكن استخلاصه من هذا الشجار بما يصب في مصلحة الطرفين كليهما.
2- بعض الناس يرون أن لعب دور الطرف الثالث يساعدهم في التفاعل مع الشريك وتطوير النقاش بينهما على نحو أكثر صدقاً وشفافية وصراحة. لكن آخرين يجدون أنهم يصعب عليهم لعب دور الطرف الثالث وإعادة معالجة النزاع أو الشجار من زاوية ثالثة، بل إن منهم من يعتبر ذلك تحدياً يصعب عليهم مواجهته. ففي علاقتك مع زوجك (زوجتك)، ما هو نوع الحواجز أو العراقيل التي تواجهك عند محاولتك لعب دور الطرف الثالث، خصوصاً عندما ينشأ بينك وبين شريكك خلاف بارز؟
3- إذا نحينا جانباً الحواجز التي يصادفها بعض الأزواج في إعادة تقييم أحدث الخلافات بشكل محايد وموضوعي، يمكن القول إن جميع الأزواج يستطيعون في الواقع القيام بذلك لو عزموا أمرهم وبذلوا جهدا نفسياً وذهنياً أكبر. فحاول في الأشهر الأربعة المقبلة أن تبذل كل جهودك من أجل لعب دور الطرف الثالث بإتقان وإخلاص وصدق خلال تفاعلك مع شريكك، خصوصاً عند مناقشة خلاف بعينه. وحدد إلى أي مدى تظن أنك ستنجح في إجراء نقاشات مثمرة وبناءة حول خلافاتكما السابقة خلال الأشهر الأربعة اللاحقة. فكيف يمكن أن يؤدي لعب كل واحد منكما لدور الطرف الثالث إلى تجاوزكما للخلاف والخلوص من إعادة تقييمه بأحسن النتائج؟
الرضا الزوجي
يقول باحثون إن نصف المشاركين في الدراسة أفادوا في نهاية السنة الثانية أنهم شعروا بأنهم أقل رضا عن زواجهم مقارنة بما كان عليه حالهم في السابق. لكن الأزواج الذين أجابوا فقط عن الأسئلة الإضافية الثلاثة قالوا إنهم لاحظوا أن جودة علاقتهم الزوجية توقفت عن الانحدار والتراجع. وهذا يعني بصيغة أخرى أنهم لم يصبحوا أكثر سعادة. وتعليقاً على هذه النتيجة، يقول فينكل «على الرغم من أن تدخل طرف ثالث ساعد في الحفاظ على جودة علاقة الزوجين مع الوقت، فإنه لم يؤد بالضرورة إلى تحسينها».
ويخلص الباحثون من هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها أنه يمكن لأي أزواج تكثر بينهما الخلافات والشجارات القيام بهذا التمرين على نحو دوري، وألا يذهبوا إلى استشاري المشاكل الزوجية والأسرية إلا عند الاضطرار. ويرى فينكل أنه لا بأس من المحاولة، كما يؤكد أن معظم الأزواج الذين يلعبون دور طرف ثالث من خلال هذا التمرين يكتشفون أشياء جديدة وتفاصيل أخرى تجعل بعضهم يقتنع بإغفاله لجوانب ما، أو فشله في التواصل مع الشريك، أو عدم إعطائه الفرصة للحديث وقول كل ما لديه، أو عدم إلمامه بكافة جوانب الخلاف فاقم الأمر وجعل منها مشكلة ألقت بظلالها على جودة العلاقة الزوجية ودرجة الحميمية بين الزوجين.
ويختم فينكل بالقول «غالباً ما يتراجع الرضا الزوجي بين الشريكين وتميل علاقتهما إلى الفتور مع الوقت. وإذا ظل الزوجان مكتوفي اليدين حُيال هذا التراجع، فإنهما قد يُفاجآن في وقت ما باتساع البون بينهما إلى درجة يصعب معها تدارُك الأمر. ومن ثم فإن ممارسة تمارين إعادة تقييم وتحكيم الخلافات والنزاعات كل أربعة أشهر، أو من فترة لفترة، يساعد على تلافي تكرار حدوثها ويُسهم في إعادة مياه الود والحب والشغف المتبادل إلى مجاريها».

هشام أحناش
عن موقع «today.com»