دنيا

رمي أعقاب السجائر من نوافذ السيارات يعكس انحسار الوعي البيئي

رمي أعقاب السجائر سلوك مرفوض في الشوارع والطرقات (تصوير عمر عسكر)

رمي أعقاب السجائر سلوك مرفوض في الشوارع والطرقات (تصوير عمر عسكر)

هناء الحمادي (أبوظبي) - مشهد يتكرر في الشوارع.. تقف السيارات عند إشارة المرور، فيقوم أحد السائقين برمي عقب السيجارة من النافذة، غير مبالٍ بنظافة الطرقات، ولا باشتراطات مظهر المدينة، ولا حتى بالمخالفة المترتبة على هذا السلوك، ما يترك أثراً سلبياً يزيد من تراكم الأوساخ والقاذورات في الشوارع وتالياً انحسار الوعي البيئي، حتى وصل عدد مخالفات رمي الأعقاب المسجلة العام الماضي إلى أكثر من 6 آلاف مخالفة في العاصمة وحدها.
تفشت ظاهرة غير حضارية يرتكبها سائقو مركبات أو مرافقيهم خلال عملية القيادة في الشوارع والطرقات العامة، وهي رمي أعقاب السيجارة من النوافذ من دون الاكتراث للسيارات الأخرى المارة أو لحقوق النظافة العامة التي لا بد أن يلتزم بها الجميع من دون استثناء. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها أقسام النظافة ببلدية أبوظبي المتمثلة في حملات التوعية بالنظافة والسلوك الحضاري المتعلق بها، إلى جانب الأيدي العاملة الكثيرة التي تنتشر في الشوارع والطرقات للتنظيف، إلا أن الممارسة لم تتوقف بل إن الإحصاءات ترصد زيادتها.
سلوك غير حضاري
بينما يقود عبدالله خميس «موظف حكومي» سيارته في المسرب الأيمن من الشارع، إذ بشرر يتطاير على زجاجة سيارته الأمامية، ما أصابه بهلع، اضطر على إثره للانحراف إلى قارعة الطريق، ظناً منه في أن سيارته ستحترق، وبعد أن تفقدها اكتشف أنها لم يكن سوى عقب سيجارة ألقي من إحدى السيارات التي كانت أمامه، التي فضل صاحبها الحفاظ على نظافة سيارته، ملقياً ببقية سيجارته المشتعلة من النافذة، لتستقبلها زجاج سيارة عبدالله.
الاستياء من رمي أعقاب السجائر لا يقتصر على عبدالله، فكثير ممن لحق بهم أذى أعقاب السجائر المتطايرة، حتى بات تركيزهم في قيادة السيارة على أنظمة السير، وما تطاير من سجائر مشتعلة، قد يلحق الضرر بمركباتهم.
وحول هذا السلوك المخالف للذوق العام ومظهر المدينة، يقول عبدالله»يعد رمي أعقاب السجائر في الطرقات وأمام البوابات سلوكاً غير حضاري، يشوه جمالية المنظر العام، سواء في الطرقات أو أمام بوابات الجهات الخدمية، وعلى الرغم من حملات بلدية أبوظبي حول ذلك وفرض الغرامات والعقوبات إلا أن البعض لا يتقيد بذلك، نتيجة قلة الوعي بمدى أهمية المحافظة على نظافة الشوارع والبيئة».
من جانبه، يقول المهندس فيصل فارس «الإنسان حسب ما تربي عليه في بيته، فمثل من يقوم برمي أعقاب السيجارة في الشوارع والطرقات شخص غير غيور على نظافة الشوارع، وغير مبالٍ بالدور الكبير الذي تقوم به الجهات المختصة من خلال حملاتها العديدة حول المحافظة على النظافة في الشوارع والطرق»، مضيفاً «أطالب بأن تكون هناك قوانين رادعة وصارمة لكل من يقوم بهذا التصرف والسلوك المنافي للمحافظة على مظهر المدينة».
وتتساءل ميثاء المناعي (معلمة فصل): «هل يقبل من يقوم برمي أعقاب السيجارة في الشارع أن يقوم ابنه برمي النفايات في صالة داره؟»، مضيفة أنها مسألة ذوق وأخلاق وتربية، فنظافة الشارع والمدينة تعكس ثقافة الشخص ومدى حبه لوطنه ليظهر بصورة جميلة، لكن كل ما يحتاج إليه مثل هؤلاء الأشخاص، توعية بأهمية المحافظة على نظافة المدينة، ومعرفة مدى خطورة تلك أعقاب السيجارة على المارة أو على السيارات التي قد يتسبب تطاير شرارة في احتراقها. وتستغرب لبنى جاسم «موظفة إدارية» من أن البعض يعكس أجمل الصور عنهم خلال أسفارهم لأوروبا، حيث يلتزمون بقوانين المرور، ولا يرمون المخلفات، لكنهم ينسون كل ذلك، ويتحولون للنقيض 180 درجة عندما يعودون لبلدانهم، على الرغم من انتمائهم لشعوب مسلمة أولى بدهياتها التي ترسخ منذ نعومة الأظفار هي أن «النظافة من الإيمان».
حملات توعية
إلى ذلك، أوضح مدير إدارة الصحة العامة قائد فريق التفتيش خليفة الرميثي أن بلدية مدينة أبوظبي درجت على تنفذ حملات تستهدف توعية وتثقيف الجمهور وأفراد المجتمع بأهمية الحفاظ على النظافة العامة في شوارع وإحياء المدينة، والامتناع عن ممارسة العادات السيئة، والالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة من أجل توفير الحياة الكريمة، وضمان مستوى الحياة الأفضل والبيئة المستدامة لسكان مدينة أبوظبي.
وقال الرميثي، إن إطلاق مثل هذه الحملات يأتي ضمن إستراتيجية البلدية الرامية إلى تحقيق معدلات مرتفعة من المشهد الحضاري والجمالي للمدن والشوارع والمرافق العامة، مشيراً إلى أن المحافظة على نظافة المدينة بما تحتويه من مرافق خدمية وسياحية وترفيهية هو أحد أهم الأولويات التي تحرص عليها بلدية مدينة أبوظبي، وانطلاقا من هذا الهدف وضعت إدارة الصحة العامة نصب عينيها ترسيخ مفاهيم عصرية لنظافة المدينة، وتعزيز مبدأ المشاركة المجتمعية بفئاته كافة لتعميم ثقافة المساهمة في الحفاظ على جمال ونظافة المدينة.
وحول تلك السلوكيات الخاطئة، أكد الرميثى أن حملات التوعية حول هذه الظاهرة بدأت من مطار أبوظبي، حيث تم توعية الكثير من الأشخاص القادمين للمرة الأولى إلى أبوظبي خاصة الجنسيات الآسيوية، ثم الانتقال إلى سكن العمال الذي تم توزيع ما يقارب من 8000 من الكتيبات و»البروشورات» على سكانه، وكلها تركز على تلك التصرفات الخاطئة، أيضا تم توزيع تلك «البروشرات» في تاكسي شركة ترانساد لكل راكب يركب تلك السيارات ليتعرف على لوائح وأنظمة النظافة في مدينة أبوظبي.
وعن عدد المخالفات، قال الرميثى، إن عدد مخالفات رمي أعقاب السجائر التي تم تسجيلها في العام الماضي وصل إلى 6618 مخالفة، لافتاً إلى أن لوائح البلدية تفرض غرامة مالية فورية تتراوح قيمتها من 100 إلى 500 درهم، فيما تبلغ غرامة رمي أعقاب السجائر نحو 200 درهم. وأكد أن نظافة مدينة أبوظبي والحفاظ على مظهرها يتصدران قائمة الأولويات التي تشغل البلدية، التي لم تألُ جهداً في توفير كل السبل لتأمين مستوى عال من النظافة لمواكبة النهضة الحضارية والعمرانية، وحفاظاً على البيئة حتى يعيش سكان المدينة في صحة وسلامة.


تجارب مؤلمة
عقب سيجارة يلقى هنا أوهناك دون قصد، يخلف ذكريات أليمة وخسائر جسيمة هذا ما ألم بالشاب خالد البلوشي، حيث قام برمي عقب سيجارة مشتعل عن غير قصد في الشارع. لكنه سقط خلف كرسيه، لتشعل تلك الشرارة سيارته وبتسبب في حروق في بعض من أجزاء جسمه، لاتزال آثارها حتى الآن رغم مرور عدة سنوات على تلك الحادثة.
وتقول ربة البيت سامية عمر، إن عقب سيجارتها، التي اعتقدت أنها رمته من نافذة سيارتها، بقى مشتعلاً، ووصل إلى أقدام ابنها الصغير، ولولا صراخه الشديد لتعرض إلى حروق، وهكذا كاد عقب سيجارة أن يتسبب بكارثة لولا توقفها السريع وأخذ طفلها من الكرسي الخلفي

قلة وعي
يؤكد الأخصائي النفسي محمد عمر أن سلوك رمي أعقاب السجائر من نافذة السيارة ناتج عن قلة الوعي بأهمية المحافظة على نظافة الطرقات والشوارع. ويقول «جولة بسيطة في الشوارع كفيلة بأن ترينا الكثير، فأحياناً يجد المرء سيارة تنزل زجاجها المخفي، فيظن أنه أمام شخص يعرفه وأنزل زجاج السيارة ليسلم عليه، ولكنه يفاجأ بمنظره وهو يرمي عقب السيجارة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد نصادف أشخاصاً يقومون بإفراغ طفاية السجائر المكتظة بالأعقاب على الرصيف أو إسفلت الشارع دون حرج يذكر، لكن الأخطر من ذلك كله هو رمي أعقاب السجائر المشتعلة من نافذة السيارة لتصدم بالزجاج الأمامي للسيارة التي خلفها فتتطاير شرارتها لتنذر بحريق».