تقارير

«صفقة الشرق الأوسط».. هل تواجه انتكاسة جديدة؟

ذات مرة وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بأنه سيكون بمثابة «اتفاق نهائي». وكان يقصد بهذا الوصف أن مثل ذلك الاتفاق سيحقق اختراقاً دبلوماسياً ومؤسسياً كبيراً، يمكن أن يضفي بريقاً هائلاً على رئاسته، ويساعد على استعادة مكانة الولايات المتحدة في العالم.
لكن الولايات المتحدة اضطرت إلى بذل جهد كبير في الأمم المتحدة، يوم الثلاثاء الماضي، من أجل إقناع العالم بأنها الآن في أفضل وضع، وأنه يمكّنها من الحفاظ على دورها القيادي الحصري في الوساطة من أجل إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ عقود.
وفي الواقع فإن الولايات المتحدة باتت، وعلى نحو متزايد وملحوظ، معزولة في الأمم المتحدة منذ أن أعلن ترامب قراره المثير للجدل حول الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وهو القرار الذي كانت معظم دول العالم، وكذلك جميع الإدارات الأميركية السابقة، ترى أنه يجب تأجيله لحين التوصل إلى اتفاق سلام نهائي يحسم القضايا العالقة بين الطرفين، ومنها قضية القدس.
وفي خطابه أمام مجلس الأمن الدولي يوم الثلاثاء الماضي، أوضح الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه يرفض الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة، منذ فترة طويلة، في قيادة جهود الوساطة في الشرق الأوسط. واقترح عباس، بدلاً من ذلك، عقد مؤتمر سلام دولي، يضم ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين، بحلول منتصف عام 2018، يعترف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، ويضمن حماية الفلسطينيين، ويعترف بالحدود الدولية لإسرائيل وفلسطين معاً، على أساس الخطوط التي كانت قائمة بينهما قبل اندلاع حرب عام 1967.
ومع ذلك يظل من غير المحتمل أن يتمكن عباس من وضع الشروط الخاصة بمحادثات السلام الدولية. لكن اقتراحه الخاص بعقد مؤتمر دولي، لقي ترحيباً حاراً من أعضاء المجلس، بمن فيهم روسيا وفرنسا اللتان تسعيان منذ وقت طويل للعب دور أكبر في عملية السلام في الشرق الأوسط. أما الوفد الأميركي برئاسة نيكي هيلي، السفيرة الدائمة للولايات المتحدة في المنظمة الأممية، وكان يضم جاريد كوشنر، صهر ترامب، الذي يقود جهود بلاده للسلام في الشرق الأوسط، وجيسون جرينبلات، مبعوث الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط، فقد جلس أعضاؤه صامتين ولم يصفقوا.
وبمعنى من المعاني، فإن الاستجابة الأميركية الباردة لتصريحات عباس تعكس مدى التدهور الذي وصلت إليه العلاقات الأميركية الفلسطينية، منذ إعلان ترامب قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. فخلال زيارته للبيت الأبيض في مايو الماضي، أشاد عباس بـ«القدرة التفاوضية العظيمة» لترامب، وقال إنه يتطلع للعمل معه بشكل وثيق، من أجل «التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي».
أما في بيانه يوم الثلاثاء أمام مجلس الأمن، فقد أكد عباس أن البيت الأبيض «قد نقض التزاماته، وانتهك القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وذلك من خلال قراره المتعلق بالقدس، وبالتالي فإنه قد أصبح من المستحيل اليوم على بلد أو دولة بمفردها أن تحل نزاعاً إقليمياً من دون مشاركة شركاء دوليين آخرين».
وقال عباس أيضاً أمام المجلس الذي يضم 15 دولة: «إننا نأتي إلى هنا أمام مجلسكم الموقر، في خضم الجمود الذي لحق بعملية السلام بسبب القرار الأميركي بشأن القدس». وأضاف: «سنعمل على تكثيف جهودنا في الفترة القادمة لضمان العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وضمان الحماية الدولية لشعبنا». وغادر عباس قاعة المجلس قبل أن تتاح لإسرائيل والولايات المتحدة فرصة لتقديم ردهما الرسمي على ما قاله.
وأثارت لهجة عباس المتحدية، تساؤلات حول جدوى دور الولايات المتحدة، كدولة قائدة بلا منازع، في جهود الوساطة في الشرق الأوسط، وهو ما دفع السفير الروسي لدى الأمم المتحدة «فاسيلي نيبنزيا» إلى حث الجامعة العربية واللجنة الرباعية للشرق الأوسط التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، للتدخل من أجل إحياء المحادثات السياسية المتوقفة، كما تعهد بقيام بلاده بتقديم الدعم من أجل تنظيم مؤتمر سلام دولي.
أما فرنسا، التي نظمت مؤتمرها الدولي الخاص للسلام في الشرق الأوسط بمشاركة أكثر من 70 دولة في باريس، في يناير 2017، فاستجابت بحرارة لاقتراح عباس، وحث ممثلها الدائم في الأمم المتحدة السفير فرانسوا ديلاتر الولايات المتحدة على إعادة النظر في قرارها الأخير الخاص بخفض أكثر من 100 مليون دولار من مبلغ المساعدة الذي كان يقدم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، التي توفر التعليم والغذاء والرعاية الصحية، وغيرها من الخدمات الأساسية، لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني. وقال ديلاتر أمام مجلس الأمن إن «الوضع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أشبه بقنبلة موقوتة». وأضاف: «كلما أصبحت الأونروا أكثر ضعفاً، زادت قدرة الجماعات الإرهابية على استغلال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين كقواعد للتجنيد».
وأعربت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هيلي عن «أسفها» لمغادرة عباس قاعة المجلس، بعد أن أدلى بخطابه من دون أن يستمع لردود أعضاء مجلس الأمن، ولكنها أوضحت أن واشنطن لن تجاريه في خطته. وأشارت إلى أن واشنطن تدرك أن القيادة الفلسطينية «غير سعيدة» بقرار ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وأضافت موجهة الكلام إلى عباس: «إنك لا تحتاج إلى أن تحب مثل هذا القرار، كما أنك لست مضطراً للثناء عليه، لكن يجب أن تعرف أن هذا القرار لن يتغير». وقالت هيلي أيضاً: «إن الفلسطينيين يقفون الآن في مواجهة خيار، حيث يمكنهم: اختيار إدانة الولايات المتحدة، ورفض الدور الأميركي في محادثات السلام، واتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة. غير أني أؤكد لكم أن هذا المسار لن يوصل الشعب الفلسطيني إلى أي مكان يتمكن فيه من تحقيق تطلعاته». وأضافت موجهة الكلام إلى عباس: «هناك خيار آخر حيث يمكنك اختيار أن تضع غضبك جانباً، وأن تمضي قدماً في المحادثات السياسية، التي توفر أفضل فرصة ممكنة لتحسين حياة الفلسطينيين».

*مراسل «فورين بوليسي» في الأمم المتحدة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»