ثقافة

حمد الهباد: منطقة الخليج تزخر بفنون منبعها من الحضارة العربية القديمة

لقطة من صيد العاملة إحدى المهن البحرية التي يصاحبها غناؤها الخاص ويسمى بـ «نهمة العاملة»

لقطة من صيد العاملة إحدى المهن البحرية التي يصاحبها غناؤها الخاص ويسمى بـ «نهمة العاملة»

(الشارقة) - يوضّح الباحث والشاعر بريدراك ماتفيجيفتش، في كتابه الآسر والملهم “تراتيل متوسطية”، كيف أن الأمواج تلعب دوراً مهماً في مسرحة البحر، وفي فرجته وإيقاعه ومشهديته، وكيف أن هدير هذه الأمواج أو عجيجها حين تأتي لتموت على الرمل أو تنهار على الصخور، فإنها تتسرب إلى منامات البحارة المتعبين وتتحول إلى موسيقا تحاكي استلهاماتنا، يصّدر ماتفيجيفتش هذه التصورات الحالمة من أركيولوجيا الحنين نفسه، مشفوعاً بالسفر الذهني المنتشي والمغسول برذاذ المياه الفضية، وهي تخبط في خشب المراكب السمراء والسواعد المجدّفة بصمت قبل صعود الأشرعة.
الميراث الموسيقي
وهي خيالات وصور تنثال وتتواتر أيضاً عندما نفتح أرشيف البحر في الخليج العربي، ونستدعي كل تلك المواويل الساحرة والفطرية وفنون النهمة والخطفة واليامال التي روّضت هياج الأزرق وغموضه ورهبته، وصنعت كل ذاك الميراث الموسيقي والغنائي اللامع والممتد بين أهل الساحل ومرتادي البحر، وبين دراما الموت والميلاد والمغامرة الروحية القصوى التي تضمنتها رحلات الصيد والغوص في هذه المنطقة الحيوية والعريقة من العالم.
وفي دراسة للباحث الكويتي الدكتور حمد عبدالله الهباد بعنوان “غناء البحر، في منطقة الخط وحتى ظهور النفط في الخليج العربي”، التي سرد جانباً منها في محاضرة ألقاها مؤخراً في الشارقة وبالتعاون مع إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، يشير الباحث إلى أن وصف منطقة الخط، يشير إلى خط الساحل ما بين البصرة إلى عمان ومن كاظمة إلى الشحر، وقيل إنه كان يطلق على جميع القرى والبلدان المجاورة لسيف البحر “ساحل البحرين”، الذي كان يشمل القطيف والعقير، وقطر، والبحرين، وعمان، وأحياناً كان يسمى بخط عبدالقيس، وفي حين أن هناك من يرى أن الخط كان قرية على ساحل البحرين.
وتشمل منطقة الخط الآن الكويت، وقطر، ومدن الاحساء الداخلية، وهي القطيف، والجبيل والدمام والخبر وميناءي رأس التنورة والعقير، ومدينة الظهران، وإمارات أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، ورأس الخيمة، والفجيرة، وقد كان العرب - كما يشير الهبّاد ـ يضمون إلى هذا الخط بقية مدن هجر الداخلية كالقارة والمشقر...، وجزائر الخليج الغربية، ويطلقون على الجميع البحرين.
وكانت الخط منذ صدر الإسلام فرضة وميناء ترفأ إليه السفن القادمة من الهند، فكانت تحمل إليها مختلف السلع والبضائع التجارية، وإليها تنسب الرماح الخطية الجيدة، وكانت الخط تتاجر مع العرب وتبيعهم الرماح المجلوبة من بلاد الهند، بعد أن يقوم أهل الخط بتقويم وصقل هذه الرماح، فكانت الخط مكاناً حافلاً بالتجارة وتبادل البضائع على شاطئ الخليج العربي.
ويبدو أن هذه العلاقة المبكرة بين أهل الخليج وبين البحر التي ذكرها الهباد في دراسته المستفيضة كان لها دور مؤثر في نشوء الفنون البحرية منذ القدم في هذه المنطقة التي اشتهرت بعمقها وثرائها الموصول بمفردات الصحراء، وهو عمق يدلّل ويشير إلى عزلة هذا التراث الصحراوي وانكفائه، ولكن في المقابل تظل ذاكرة الساحل أكثر خصوبة وامتداداً وانشغالاً بالآخر، وبالثقافات التي عبرت وهاجرت وتأثرت بالمحطات والموانئ البحرية الممتدة على طول سواحل الخليج.
الفنون
رغم أن جانباً كبيراً من التاريخ الغنائي لهذه المنطقة لم يلتفت إليه خصوصاً الجانب البحري، إلا أن الهبّاد يرى أن هذه المنطقة تزخر بفنون عربية أصيلة عرفت جذورها من منابع الحضارة العربية القديمة، منها: غناء الصوت في منطقة الخط واختلافه عن بقية الفنون الشعبية الأخرى، من خلال استخدامها اللغة العربية الفصحى تارة واللهجة المحلية تارة أخرى، دون سائر الفنون الشعبية التي تعتمد على المفردة الشعبية المحلية.
ومن الفنون البحرية الأخرى التي تترجم العلاقة المتبادلة بين البحارة وإيقاع البحر ذاته، فن المويلي البحري، الذي يعبر عمّا يجيش في صدور البحارة من ألم البعد والفراق. ومن أمثلته:
يا عبرتي من مكــلا
أسند على خور فكان
وتجيك سبع الجزاير
وأم الفيارين جـــدام
ومن قوالب فنون البحر في منطقة الخط التي يذكرها الهبّاد، غناء الأنس البحري: وهي الأغاني التي يستخدمها البحارة أثناء راحتهم من عناء العمل أو عند رسو السفينة على الشواطئ لنقل البضائع أو للراحة، وتعرف هذه الفنون (بالفجري) الذي اشتهرت تحديداً في الكويت، وقطر، والبحرين وهو عبارة عن قالب غنائي يتكون من خمس حركات غنائية متصلة في أدائها تباعاً ويلاحظ في دولة الكويت تحول المسمى من لفظة لفجري إلى لفظة “أنس”، وفي مملكة البحرين كان يسمى “الشابوري”.
أما الفنون البحرية لساحل عمان الشمالي، فيفصلها الباحث في عدة أصناف وطرائق منها “الطبقة”، وهي نوع من الغناء البحري المنتشر في المناطق الساحلية لدولة الإمارات العربية أثناء صيد السمك بالشباك. ومن نصوص غناء الطبقة:
يا حبيب القلب قله
وش بدا مني إليه
يحسبونـــــي ما أوده
غضّبوا قلبـي عليه
ونهمة العاملة، وهي نوع من الغناء البحري يؤدى أثناء تجديف البحارة للقارب عند الخروج والعودة من الصيد ومن نصوص غناء نهمة العامله:
نار في قلبـــي مورايــه
والبحر ماظنــي يطفيها
تشتعل في لبــه احشايه
كوس والغربي يزاغيها
كم عجوز سمعت ابكايه
في القبر ونت لأهاليهـا
و“ير الماشوة”، حيث يؤدى هذا الغناء أثناء الانتقال من السفينة للبر بواسطة “الماشوة” عندما يبدأ أحد البحارة ويطلق عليه النهيم، ثم يليه صاحب البرغام “البوق”، وهو عبارة عن صدفة كبيرة تؤخذ من قاع البحر ويصاحبهما رجلان بالضرب على الطبل استعداداً لـ “الير” “التجديف”، والوصول إلى الشاطئ. ومن نصوص غناء “ير الماشوة”:
أخبار الهند يانا من سقطره
طلبنا المعبود يالله ينظره
وهناك فنون بحرية أخرى أوردها الباحث مثل الحدوة والطرشة والخطيفة والسيع أو السجع، ونهمة الشحوح وغيرها من الفنون التي تؤكد حيوية وعمق العلاقة بين الفنون الفلكلورية الساحلية وبين سكان الساحل في المناطق والبيئات المختلفة التي احتوتها ونقلت للعالم ميراثها الفطري والغني على مستوى الفن الشعبي بأصنافه وضروبة المعاصرة والقديمة على السواء.