تقارير

شمال مالي... مقاربة شاملة للأزمة

بينما يستعد الفرنسيون للانسحاب من مالي، ويحولون مسؤولية العمليات إلى قوة أفريقية متعددة الجنسيات، على إدارة أوباما ألا تعمل على زيادة وجودها في المنطقة من خلال تأسيس وجود عسكري جديد في النيجر، يمكن أن يشتمل على طائرات من دون طيار.
وبدلاً من ذلك على تلك الإدارة الضغط على الحكومة الموجودة في العاصمة المالية باماكو، كي تعمل على ترتيب بيتها من الداخل، وتتوصل إلى تسوية سياسية مع الانفصاليين الطوارق في الشمال، كي تفصلهم بهذه الطريقة عن العناصر الأكثر راديكالية، التي إن لم يتم تدميرها، فإنه يجب على الأقل عزلها في الصحراء الشاسعة والقاحلة.
والنهج الأميركي الذي يجعل من الأمن بؤرة اهتمامه، يجب استبداله بنهج آخر يركز بشكل أكبر على تحسين أسلوب الحكم، ومواجهة الفساد الذي يغذي التوجهات الراديكالية بين أفراد الشعب المالي الفقير، وذلك بدلاً من الاعتماد على الأمن وحده لمواجهة شبكات دولية سرية، يبدو من استقراء الواقع أنها مؤسسة على الجريمة، وليس على «الجهاد».
وقد تمكنت القوات الفرنسية والمالية من طرد الإسلاميين خارج مدن «تمبكتو» و»جاو» و»كيدال» بسهولة متناهية، وهو ما يرجع إلى أن المسلحين المتطرفين، بدلاً من مقاومة الهجوم عليهم، اختاروا الاختفاء والذوبان في الجبال والصحارى الواقعة في الشمال، حيث يمكنهم أن يعيدوا تجميع صفوفهم، وانتظار اللحظة المناسبة لممارسة نشاطهم من جديد.
وفي غياب مقاربة سياسية للمظالم العديدة والقائمة منذ زمن طويل التي يرفعها سكان تلك المنطقة الشاسعة ضد الحكومة المركزية في مالي، فإن المتطرفين والانفصاليين قد يتحركون جنوباً مرة ثانية، وينتظرون إلى أن تحين الفرصة لهم للعمل من جديد، وهو أمر يمكن أن يحدث في القريب العاجل -إذا ما نفذ الفرنسيون الانسحاب على عجل.
وكان الرئيس الفرنسي «فرانسوا أولاند» قد تعهد للماليين في زيارته الأخيرة لباماكو الأسبوع الماضي قائلاً: «سنقف بجانبكم وأنتم تقومون بإعادة بناء أمتكم». وعلى رغم أن فرنسا تخطط للاحتفاظ بقوات في مالي إلى أن تتمكن القوة العسكرية الأفريقية المدعومة من قبل الولايات المتحدة من تسلم المهمة وهو الأمر الذي تأجل بسبب نواقص تتعلق بالتمويل والإمدادات، فإن أي فترة فراغ فاصلة بين انسحاب القوات الفرنسية وبين تأسيس قوة أفريقية موثوقة متعددة الجنسيات، ستتيح العديد من الفرص للمتطرفين للعودة واستغلال الإحباطات العديدة من الحكومة المالية.
يشار إلى أن «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وجماعة «أنصار الدين»، وغيرهما من الجماعات الإسلامية الراديكالية الناشطة في منطقة الساحل، غير موحدة، بل يمكن القول إنها تشهد تنافساً حاداً فيما بينهما من أجل السيطرة على الشبكات الإجرامية.
كما يشار أيضاً إلى أنه قد ساد نوع من التحالف غير المريح بين تلك الجماعات وبين الجماعات الطارقية الأكثر اعتدالاً التي تعيش في مالي، والتي تسعى إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال.
وعلى رغم أن هذا التحالف غير المريح قد سيطر على المدن الشمالية لما يقرب من تسعة أشهر، إلا أنه كان غير مستقر في جوهره.
ويقول الخبراء إنه لو كانت هناك حكومة موثوق بها في مالي -حتى قبل أن يطرد الفرنسيون الإسلاميين المتطرفين من المدن المالية الشمالية- فإنه كانت هناك إمكانية لسقوط التحالف الشمالي من تلقاء نفسه تحت ضغط تناقضاته.
وانسحاب المقاتلين المتطرفين إلى الصحراء عقب التدخل الفرنسي يوفر فرصة جديدة أمام الحكومة المالية لكسب المعتدلين في الشمال، وعزل الراديكاليين. غير أن هذا يتطلب حكومة تكون محل ثقة في العاصمة نفسها، ولديها القدرة على معالجة مظالم وشكاوى الشماليين، والوفاء بالوعود التي تقطعها على نفسها، وخصوصاً فيما يتعلق بالمطالب القائمة منذ زمن طويلة والخاصة بالحصول على استقلال ذاتي حقيقي للمنطقة الشمالية من البلاد.
ولكن للأسف الشديد ليست هناك حكومة موثوق بها في باماكو، وإنما هناك مزيج مكون من فلول الطبقة السياسية السابقة الفاسدة والعسكريين، الذين يفوقون السياسيين في التأثير، كما يملكون اليد العليا في تقرير مصير الأمور.
وفي الوقت نفسه نجد أن الحكومات الغربية تصر على إجراء انتخابات كوسيلة من وسائل استرداد حكومة شرعية للبلاد. ولكن الانتخابات التي كانت تجرى في الماضي كانت صورية، ويحتمل أن تظل كذلك في المستقبل أيضاً وخصوصاً مع وجود أجزاء كبيرة من البلاد -حتى لو كان معظمها خالياً من السكان- تحت سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة.
وبدلاً من تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، يجب على إدارة أوباما أن تضغط على الجماعات المتنافسة في باماكو للوصول إلى تسوية موثوق بها، وفتح المفاوضات مع الطوارق الشماليين.
يشار إلى أن قادة الطوارق قد دعوا إلى مثل تلك المحادثات، وعبروا عن انفتاحهم تجاهها، واستعدادهم للتعاون مع القوات الفرنسية، وتعقب فلول الجماعات المتطرفة في المنطقة.
كما يجب على الولايات المتحدة -وهذا لا يقل أهمية- التحرك سريعاً من أجل التعامل مع الكارثة الإنسانية الوشيكة المتمثلة في نقص هائل في كميات المواد الغذائية بسبب الحرب والجفاف معاً، وذلك من خلال التعاون مع منظمات الأمم المتحدة العاملة في المجالات الإنسانية وتقديم التمويل الكافي لها.


جون كامبل
زميل رئيسي متخصص في الشؤون الأفريقية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»