رأي الناس

حوار وتواصل

الأسرة هي عماد المجتمع، وهي الركيزة الأساسية في التنشئة، وفيها تتكون ملامح شخصية الإنسان وصفاته التي يخرج بها إلى المجتمع من حوله، فيؤثر فيه ويتأثر به.
فالبيئة الصحية المستقرة في الأسرة، هي التي تخرج لنا أشخاصاً أسوياء يتحملون المسؤوليات التي تُلقى على عاتقهم، ويكونون أقرب إلى الأشخاص الكاملين الذين يسعى الناس للتمثل والتشبه بهم، إلا بعضُ نشاز هنا وهناك. وأقصد بالبيئة الصحية المستقرة، هي البيئة التي تُهيأ من قبل الآباء والأمهات لتربية وتنشئة هذا الشخص، بتوفير الرعاية الجيدة والحب والاهتمام، وهذه الأشياء لا تتوافر ما لم يتوافر أولاً الاحترام المتبادل بين الطرفين الرئيسين في الأسرة «الأب/الأم»، وكيفية تعاملهما مع بعضهما بعضاً، وتقديرهما لدوريهما في التربية والتنشئة، وفي المجتمع أيضاً.
كل أسرة تواجه مشاكل في هذه الحياة، وهذا شيء طبيعي، فالحياة لا تخلو من المشاكل والاختلاف في وجهات النظر والأفكار والرؤى، لكن كيفية التعامل مع هذه الخلافات والاختلافات هي جوهر المسألة، وهي الأمر الفارق الذي يوضح مدى وعي الشخص وطريقة تعامله وتفكيره لحل هذه المشاكل والخلافات. أمرٌ في غاية الأهمية، يغيب عن بال الكثيرين حين يكون هنالك خلافٌ ما في داخل الأسرة أو في أي مكان آخر، وفي المجتمع بمختلف طوائفه ومشاربه، ألا وهو الحوار، فلغة الحوار دوماً – إلا ما ندر – تغيب حين تبرز معضلةً ما أو مشكلة ما بين طرفين، وتكون حجر عثرة في تواصلهما، فالحوار الهادئ المتزن هو أقرب وأكثر الحلول الناجعة لكل مشكلة قد تحدث بين الأبناء والآباء أو بين أي طرفين.
في كثير من الأسر تغيب هذه اللغة ولا تكون موجودة، إما بسبب انشغال أفراد الأسرة، كلٌ بهمه، أو لتزمت بعض الأطراف الرئيسة فيها، وقد يُعزَى هذا إلى أن – مثلاً – لم يترب الأب على الحوار في صغره، فيحدث الشد والجذب، ويتعصب كل طرف لرأيه، فتزيد المشاكل وتكبر. ولا يكون الحوار لمجرد حل خلافات أو مشاكل فقط، فجلوس الأسرة مع بعضها بعضاً للمؤانسة وتجاذب أطراف الحديث في الشؤون العامة والخاصة، يُقرب ما بين أفرادها ويُقوي علاقتهم ببعضهم بعضاً، ويُتيح فرصة أكبر في فهم شخصية كل فرد من أفراد الأسرة.
عزيزي الأب، عزيزتي الأم، امنحا أبناءكما ساعة من زمنكما كل أسبوع على أسوأ تقدير، تحدثا معهم في كل شيء، وعن تجاربكما كذلك، قدما لهم خلاصة ما تعلمتماه من الحياة، ابنيا جسراً للتواصل بينكما وبينهم، ولا تكن علاقتكما بهم علاقة والدين يأمران وأبناء يطيعون فقط، وبذا تكونا قد ساهمتما في إخراج إنسان سوي، يؤمن بلغة الحوار والتواصل، يحترم وجهة النظر الأخرى، ويقبل الرأي الآخر وإنْ كان مخالفاً له. لربما استعاد هذا المجتمع عافيته، واحترم بعضه بعضاً بشكل أكبر، وصار تنوعه واختلافه وحدة تجمعه لا تباعده.

نهلة محكر - الخرطوم