الاقتصادي

«المطاط» كنز العصر الحديث.. بدايات متعثرة ثم استخدامات مذهلة تخدم البشرية

حسونة الطيب (أبوظبي)

يعود تاريخ زراعة أول أشجار للمطاط للعام 1877 في الحدائق النباتية في سنغافورة، عندما تلقت نحو 22 حبة للشجرة من حدائق كو البريطانية، التي أرسلت 50 حبة في السنة التي سبقت لكنها ذبلت في طريقها لسنغافورة. لم يستحوذ المطاط في ذلك الوقت على اهتمام المزارعين، الذين انصب جل تركيزهم على محاصيل ربحية مثل الفلفل والبن والسكر وغيرها، خاصة أن الشجرة لا تثمر قبل سبع سنوات.
وفي الفترة بين منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر إلى العقد الأخير من التسعينيات منه، تم إجراء العديد من الاختبارات لجعل زراعة المطاط ذات جدوى اقتصادية والتي تحقق على إثرها العديد من الإنجازات، مثل أكثر المناطق المناسبة لزراعة الشجرة والكثافة مقابل كل فدان وطرق المعالجة الأكثر كفاءة وأفضل سبل الشحن والتعبئة.
وفي الفترة بين ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، قام هنري ريدلي الذي ساهم في إجراء الاختبارات، بجولة لإقناع مزارعي البن للتحول لزراعة المطاط. وصادف في ذات الوقت، انتعاش صناعة السيارات وزيادة الطلب على المطاط عندما أطلق دانلوب اختراع صناعة الإطارات في 1888، بجانب انتشار المرض في نباتات الشاي، ما دفع المزارعين للتوجه لزراعة المطاط بدل الشاي.
زادت أهمية استخدامات المطاط في الوقت الحالي وتعددت في مناحٍ كثيرة مثل، الإنشاءات والإطارات بكل أشكالها وأحجامها من سيارات وطائرات إلى دراجات نارية وهوائية ولعب أطفال وحتى كدعامة في الأجزاء الداخلية للأحذية. ومنذ اكتشافه قبل ثلاثة قرون، تطورت استخدامات المطاط في عدد من المجالات الحديثة.
وفي أميركا الوسطى والجنوبية، تم التعرف على المطاط وجمعه في القرن السابع عشر بغرض استخدامه في ألعاب بدائية. وبعد اكتشاف خاصية مقاومته للماء، بدأ استخدامه في صناعة الملابس. لكن وبعد دخوله أوروبا في 1770، توصل العلماء لمقدرته على مسح كتابة قلم الرصاص، ليكتسب بعدها اسم «رابر» أي المساحة.
وبعد ارتفاع الطلب عليه في البلدان الغربية، انتشرت زراعته في غابات أفريقيا وأميركا الجنوبية، ليتم تصدير الإنتاج لجنوب شرق آسيا، حيث لا تزال زراعته قائمة هناك ويشكل الجزء الأكبر من الصادرات العالمية.
ونظراً لطبيعته المنفرة ورائحته الكريهة، لم يحظ استخدام المطاط بالانتشار خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ونظراً لزيادة الطلب خاصة في مجال صناعة الإطارات، أنتج شارلس جوديير، الذي تم تخليد اسمه بإطلاقه على إطارات «جوديير» المشهورة، نوعاً من المطاط معالجاً بالكبريت في 1844، ليعقب ذلك مباشرة، إنتاج المطاط الصناعي كوسيلة للإيفاء بطلب منتجات أكثر قوة من المطاط.
وفي الوقت الحالي، تم إحراز العديد من النجاحات في مجال شراء المطاط ومعالجته وإنتاجه في مختلف أنحاء العالم. وباستخداماته الواسعة في التصنيع وصناعة السيارات وتثبيت أنواع أخرى صغيرة من القطع الميكانيكية، استمر المطاط في لعب دور مهم كعنصر ضروري في الحياة الحديثة. وتشمل استخدامات المطاط أيضاً، القفازات سواء في قطاع الطب والصناعة والمنازل والألعاب. كما يذهب جزء كبير من المطاط، لصناعة المواد اللاصقة ومنتجات أخرى مهمة مثل الورق والسجاد، بالإضافة للأربطة المطاطية كالمستخدمة في ربط العملات الورقية.
كما يتسم استخدام المطاط المنتج في شكل ألياف، بقيمة كبيرة في صناعة المنسوجات، حيث يتم مزجه بنوع آخر من الألياف ذات القابلية للألوان والتي تتميز بملمس ومظهر أفضل.
واتسم المطاط الطبيعي في السوق العالمي، بزيادة طفيفة في الطلب وزيادة كبيرة في العرض، حيث نتج عن عدم التوازن هذا، تراجعاً في الأسعار. ويتركز هذا السوق مبدئياً في كل من الصين والهند وأوروبا واليابان وأميركا، التي شكلت أكبر خمس دول من حيث حجم الاستهلاك في العالم في 2015. وحقق إنتاج المطاط الطبيعي العالمي، زيادة سنوية قدرها 1.1% في 2016 إلى 12.4 مليون طن، في حين ارتفع معدل الاستهلاك بنحو 3.8% سنوياً إلى 12.6 مليون طن، ما نجم عنه فجوة بين العرض والطلب قدرها 200 ألف طن.
وفي سياق النمو المستمر في الطلب وتراجع الإنتاج، من المتوقع استمرار نقص الإمدادات في سوق المطاط الطبيعي العالمية، في الفترة بين 2017 إلى 2021، واتساع الفجوة بين العرض والطلب إلى 700 ألف بحلول 2021.
وفي الوقت الراهن، تعتبر البنية الإقليمية للعرض والطلب العالمي للمطاط الطبيعي، غير متساوية. وبينما أسهمت أكبر 6 دول منتجة للمطاط، تايلاند وإندونيسيا وماليزيا والهند وفيتنام والصين، بنحو 86.5% من نسبة إجمالي الإنتاج العالمي في 2016، تحل تايلاند الأولى بمعدل إنتاج قدره 4.5 مليون طن وحصة بلغت 36.3% في ذات العام. ويتركز جل استهلاك المطاط العالمي، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض الدول الصناعية الناشئة، التي استحوذت على حصة وصلت إلى 75% في 2016.
ومن المتوقع زيادة الطلب لدون المتوسط في أميركا الشمالية وأوروبا حتى العام 2019. وربما يسهم نضوج اقتصادات هذه البلدان، في بطء وتيرة النمو في صناعة المنتجات التي تستهلك المطاط. أما منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فمن المرجح أن تحقق أسرع وتيرة نمو في استهلاك المطاط حتى 2019 والمساهمة بنحو 66% من الطلب العالمي في ذلك العام. وغالباً ما يكون الطلب في هذه المنطقة، مدفوعاً بزيادة متوسط دخل الطبقة الوسطى، التي تقبل على شراء السيارات، ما ينعش الطلب على الإطارات ومن ثم على المطاط.
وكانت الصين، أكبر مستهلك للمطاط في العالم في 2016 والذي يقدر بنحو 4.8 مليون طن، بزيادة سنوية قدرها 4.6%، ما يعادل 39% من إجمالي الاستهلاك العالمي، 77.9% منها تم استخدامها لصناعة الإطارات. ومدفوعة بالنمو المستقر في صناعة الإطارات، من المرجح استمرار وتيرة الاستهلاك الصيني بمتوسط نمو سنوي قدره 4.5% في الفترة بين 2017 إلى 2021 ليناهز 5.8 مليون طن في 2021. وتعتبر الظروف المناخية، العامل الرئيسي الذي يؤثر على إنتاج سوق المطاط الطبيعي في الصين، الذي تراجع بنسبة كبيرة إلى 794 ألف طن فقط في 2014، أو 6.47% من إجمالي السوق العالمية. وتحتم على الصين، استيراد كميات كبيرة من المطاط، من تايلاند وإندونيسيا وماليزيا، لجسر فجوة العرض والطلب، بواردات بلغت 3.8 مليون طن في 2015، ما يساوي 78.9% من استهلاك البلاد.
ونجمت زيادة الطلب عن صناعة السيارات والإطارات في الصين، حيث من المتوقع استمرار نمو استهلاك المطاط الطبيعي ليبلغ 6.8 مليون طن هذا العام. لكن مع ذلك، دفع التراجع المتواصل لسعر المطاط على مدى الأربع سنوات الماضية، المنتجين إلى خفض معدلات الإنتاج.
وانخفض المخزون العالمي في السوق العالمي، إلى 3.16 مليون طن في 2015. ورغم تراجع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ما زال مخزون المطاط الطبيعي فوق 3 ملايين طن. وتعتبر توقعات المطاط الطبيعي، ضرورية للمساعدة في اتخاذ القرارات الاستثمارية، خاصة على المدى الطويل.
وعلى صعيد الأسعار، سلك سعر المطاط طريقاً مغايرة لحالة التراجع العامة ليرتفع بسرعة بين منتصف 2016 إلى منتصف شهر فبراير 2017، إلى 20700 يوان (3275 دولاراً) للطن منذ 2014، مدعوماً بارتفاع سلع عالمية مثل خام النفط والنمو السريع في طلب، على سبيل المثال، إطارات الشاحنات الثقيلة.
وفي حين يقدر السوق العالمي للمطاط، بنحو 93 مليار دولار في السنة الماضية، ليس من المرجح هدوء وتيرة طلب المطاط في القطاع الصناعي كما هو الحال في العقد السابق وتحقيق عائدات قدرها 167.9 مليار دولار بنهاية 2026. ومن المتوقع، نمو الطلب خلال هذه السنوات، بمتوسط سنوي يصل إلى 6.1%. وباستخداماته الكثيفة في القطاع الصناعي، من المتوقع بلوغ استهلاك قطاع الصناعة العالمي من المطاط، نحو 55 مليون طن متري عند نهاية 2026. ويُعزى ارتفاع معدل الاستهلاك لعدد من العوامل منها، زيادة ناتج قطاع الإنشاءات العالمي ومبيعات المطاط المستخدم لأغراض الصناعة عبر التسويق الإلكتروني، فيما ساعدت الاختراعات التكنولوجية في زيادة المطاط الصناعي بشكل كبير، بجانب التطبيقات الفعالة في مجال المركبات.