عربي ودولي

الآثار اليمنية تخريب وتهريب.. وتداول في السوق السوداء بالخارج

مهجة أحمد (عدن)

لم ُيقدر بعد حجم الأضرار الذي تعرضت لها بعض المعالم الأثرية والتاريخية في اليمن وهي الشاهدة على المعارك التي تسببت في اشتعالها المليشيات الانقلابية ضد الحكومة الشرعية في اليمن، فقد اصبح الأمر صعباً كثيراً وسط عمليات العبث والنبش والنهب والتهريب للقطع الأثرية والمخطوطات التاريخية والتحف والمقتنيات اليمنية القديمة الذي يعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد.
فموقع «صبر الأثري» بمنطقة صبر في محافظة لحج يعد أكبر موقع في العالم لصناعة الفخار يؤرخ تاريخها إلى العصر البرونزي في الفترة بين «1500 - 1600» قبل الميلاد، حيث تم الاستحواذ عليه والتصرف فيه من قبل ضعاف النفوس من تجار الأزمات والحروب وعاثوا في الموقع خراباً ونهباً وتوسعاً في محيطه الجغرافي، وتوزيع قطع الأراضي فيه عشوائياً، كما هو الحال أيضاً في مواقع بئر أحمد وبئر فضل في محافظة عدن، وكذلك سور براقش الأثري بمحافظة الجوف وغيرها من المواقع اليمنية التاريخية. ويحمل الباحثون والمهتمون بحماية التراث الثقافي اليمني «المليشيات الحوثية الإيرانية» مسؤولية ما يجري من ضياع للمعالم الأثرية القديمة وسرقة تلك الكنوز لا سيما المسجلة منها على لائحة التراث العالمي، كمدينة زبيد وصنعاء القديمة، وهي من المناطق التي تعرضت بعض أجزائها للسرقة والنهب أو للإتلاف أوالإهمال المتعمد.
كما سجلت شواهد عديدة لجهات معنية بالآثار في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي عمليات نقل واستحواذ من جانب الجماعة الانقلابية على بعض القطع الأثرية المعروضة في بعض المتاحف في ظل مخاوف متزايدة حول المصير المجهول لتلك القطع مع غياب الرقابة من قبل الجهات المختصة، كما حدث من قبل عند ظهور نسخة من التوراة يعود عمرها لـ 500 سنة مع مجموعة من اليهود اليمنيين الذين تم تهريبهم إلى إسرائيل وهم يحملون هذه النسخة خلال سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء.

تجارة رابحة
وتضاعفت عمليات النهب والتهريب للعديد من المخطوطات النادرة والقطع القديمة إلى خارج اليمن بسبب غياب الأجهزة الأمنية، باعتبارها إحدى أبرز العوامل الذي سهلت عملية النهب والتهريب، حيث يوضح، مدير الهيئة العامة للآثار والمتاحف الدكتور محمد سالم السقاف أن الشريط الساحلي في اليمن ممتد ويوجد فيه «24» منفذاً ما بين بحري وجوي، وهذه المنافذ بسبب ضعف الرقابة واستمرار الحرب صارت أحد مراكز التهريب، بل اتخذ المهربون من الموانئ الفرعية طريقاً لتهريب الكثير من القطع الأثرية والمخطوطات النادرة عبر الحدود.
وأضاف قائلاً: «يتم التنسيق مع سلطنة عمان بشأن عمليات الضبط واسترداد بعض تلك المهربات، كما أن هناك بعض القطع الأثرية المهربة تم التحفظ عليها في جنيف، ووضعت في متحف الفن والتاريخ في جنيف والحكومة الشرعية تعمل على استردادها عبر القنوات الرسمية، ناهيك عن العديد من القطع الأثرية اليمنية يتم تداولها في المزادات العالمية»، مشيراً إلى أن الحروب دائما ما تنتج آثار سلبية مدمرة في مختلف المجالات وتطال مختلف فئات مجتمع ومكتسباته ومقدراته، ومن الصعوبة وضع حد لمثل هذه الأعمال نظراً لغياب مؤسسات الدولة الضابطة لتلك الأعمال. وخلال فترة الحرب عمد الانقلابيون في عدد من المحافظات اليمنية إلى التمترس خلف المواقع الأثرية وجعلها مخازن ومسرحاً للعمليات العسكرية، وبالتالي انتهاك حرمة وخصوصية تلك المواقع التاريخية كما حدث لقلعة القاهرة في مدينة تعز.
كما تعرضت تلك المواقع لعمليات قصف وقتل وترويع الأهالي، كما حدث في «المتحف الحربي» و«رصيف السياح» و«مدرسة ابناء السلاطين» في جبل حديد و«المتحف الحربي» و«مسجد البهرة» في مدينة عدن، حيث اتخذت المليشيات من هذه الأماكن، مراكز للانطلاق بعملياتها العسكرية مما أدى في الأخير لجعلها مناطق مستهدفة.
وأكد الدكتور محمد سالم السقاف أن الهيئة العامة للآثار تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية لكل المليشيات المسلحة التي تتخذ من المعالم الأثرية والمواقع التاريخية مراكز للتمترس وتحويلها إلى مسرح للعمليات العسكرية.
واستطرد الدكتور السقاف قائلاً: «تعتبر الآثار ثروة وطنية سيادية يجب الحفاظ عليها كهوية ثقافية تعبر عن أصالة وعراقة وتاريخ اليمن»، مؤكداً أهمية تظافر جهود الجميع كعمل مجتمعي متكامل وواع لحماية هذه المواقع وتوفير الموارد المالية الأزمة لها، وتنفيذ أي أعمال صيانة تحتاج إليها، وكذلك تشديد الرقابة عليها، إضافة إلى الاحتكام إلى قانون الآثار، الذي يعتبر هيئة الآثار الجهة الرسمية الممثلة للدولة لحماية الآثار والمواقع التاريخية والحفاظ على هذا الموروث الحضاري وردع كل من تسول له نفسه العبث بالآثار.
وأضاف: «هيئة الآثار تعاني كما تعاني كثير من المؤسسات شح الإمكانيات بسبب الظروف التي تمر بها البلاد بسبب ويلات الحرب التي تستهدف هويتنا وثقافتنا وإرثنا الحضاري العريق، الذي أسهم في صياغة التراث العالمي الإنساني، وذلك في ظل تزايد الجرائم التي ترتكبها الميليشيات الحوثية الإيرانية بحق البلاد والعباد. فاليمن بحاجة الآن إلى تصحيح الوضع ومعالجة الخلل بالتعاون مع منظمة «اليونيسكو» والتوقيع على الاتفاقيات الدولية والبرتوكولات المتعلقة بشأن الآثار والمقتنيات التاريخية والتراثية، مما سيتيح لليمن استرداد كنوزها الأثرية، والتصدي لجرائم النهب والسرقة والتهريب إلى الخارج ويستنزف، فكثير من متاحف العالم أصبحت تمتلك أكثر ما هو موجود في متاحفنا بالداخل، فالمتاحف العالمية تحتوي على قطع أثرية ومخطوطات يمنية نادرة لا تتواجد في متاحفنا».

اهتمام دولي بالآثار اليمنية
وفي هذا الصدد، تبذل جهات وهيئات دولية جهوداً كبيرة لوقف استمرار العبث بالآثار اليمنية ومحاولات بيعها في السوق السوداء، بما يسهم في حماية المواقع الأثرية، وجرائم طمس تاريخ اليمن ومحو ثقافتها واستئصال هويتِها الموغلة في عمق التاريخ الإنساني منذ حضارات سبأ وحمير. وكشف مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير خالد اليماني عن توصية ستصدر عن مجلس الأمن ولجنة العقوبات الخاصة باليمن، والتي تحث منظمة «اليونسكو» لإصدار بيان لكافة المزادات الأثرية والمتاحف الدولية للتحذير من خطورة بيع الآثار اليمنية واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم توفير الموارد الممكن تحصيلها من عمليات متصلة ببيع التراث الثقافي اليمني لتمويل المليشيات الحوثية، مشيداً بالجهود الدولية لحماية الآثار اليمنية ووقف العبث الذي تمارسه هذه المليشيات الانقلابية في الاتجار عبر السوق السوداء بتراث الشعب اليمني وحضارته، وأوضح السفير اليماني، خلال مشاركة اليمن في إطلاق القائمة الحمراء للآثار اليمنية المعرضة للسرقة والبيع في السوق السوداء والتي أعلنت مطلع الشهر الجاري في متحف «الميتروبوليتان» بنيويورك بمشاركة المنظمة الدولية للمتاحف، كيف تعبث المليشيا الانقلابية بآثار البلاد وتعرضها للدمار من خلال استخدامها كمواقع وثكنات عسكرية.

حماية الإرث اليمني
بدوره، دعا أستاذ آثار وحضارة اليمن المشارك بقسم الآثار في جامعة عدن، الدكتور محمد عوض باعليان، بضرورة حماية الآثار اليمنية والحفاظ عليها من التهريب والسرقة في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها اليمن، وخلق وعي عام لدى المجتمع الدولي، بضرورة حماية الإرث الثقافي اليمني الذي يتعرض للبيع في الأسواق السوداء، حيث تعرضت الآثار بمختلف أنواعها الثابت والمنقول إلى التدمير خلال الأعوام الثلاثة الماضية من الحرب، ومنها التدمير الكلي لبعض المتاحف مثل متحف ذمار، أو جزئياً كما هو الحال في متحف عدن العسكري إلى جانب إهمال المتاحف التي أغلقت أبوابها بفعل الحرب وتعرضها للسرقة والمتاجرة بالقطع الأثرية، وأدت تلك العوامل إلى اختفاء وفقدان العديد من الآثار إلى جانب هدم وتدمير البعض ما يعني ضياع أجزاء ثمينة من موروث الحضارة اليمنية قد لا يمكننا استعادته في ظل سوء الأوضاع وغياب السلطات الرسمية والجهات المختصة بفعل الوضع الراهن. وأشار إلى أن المؤسسات الأكاديمية وخاصة الجامعات، تزود المجتمع بالمختصين ومنهم الأثريون من خلال أقسام الآثار في الجامعات اليمنية التي تربطها بهيئة الآثار علاقة تعاون جيدة تسهم بعمل توثيق لبعض المواقع الأثرية وإعداد مختصين لرفد المتاحف والهيئة بهم، إلى جانب تنظيم بعض الندوات والدراسات المتعلقة بالآثار وسبل الحفاظ عليها وتشكيل فرق ميدانية للنزول إلى المواقع الأثرية ورفع تقارير ومقترحات بالحلول للتعامل مع الإشكاليات الطارئة.
وأضاف الدكتور باعليان: «يتعين على الحكومة وضع خطة شاملة للحفاظ على الآثار والموروث الحضاري لليمن الممتد لآلاف السنين، وذلك من خلال دعم هيئة الآثار اليمنية للقيام بمهامها في تسوير المواقع الأثرية وترميم المتاحف وفتحها أمام الجمهور وإعادة بناء ما تهدم منها مثل متحف ابين وذمار، والتعاون مع المنظمات والمعاهد الدولية للحصول على الدعم اللازم للحفاظ على الآثار اليمنية كجزء من التراث العالمي وإنقاذها من النهب والتدمير وتدريب المختصين المحليين، وتقديم معونات ومنح للحفاظ على الآثار في مناطق النزاع وتوثيقها وحفظها بعيداً عن المخاطر».