دنيا

استهلاك الأطفال للمكملات الغذائية يثير جدلاً بين الباحثين

اتباع نظام غذائي متوازن يضمن الحصول على حاجات الجسم من الفيتامينات (أ ب)

اتباع نظام غذائي متوازن يضمن الحصول على حاجات الجسم من الفيتامينات (أ ب)

لم تكن مكملات الفيتامينات رائجة لدى الأطفال واليافعين في العقود الماضية، لكنها أصبحت كذلك اليوم. إذ تعج رفوف كثير من الأسواق والمراكز التجارية والصيدليات بشتى أنواع المكملات الغذائية، ما يدفع إلى التساؤل عن مدى وجود فائدة غذائية حقيقية للأطفال من وراء استهلاك هذه المكملات، وعن مدى حاجة الأطفال واليافعين إلى المكملات في هذه المرحلة المبكرة من عمرهم! وعن مدى كون اللجوء إليها أصلاً أم اضطراراً!



سبق لدراسة نُشرت نتائجها في مجلة «»أنالز» لطب الأطفال سنة 2004 أن أشارت إلى أن نحو نصف الأطفال الأميركيين الصغار وثلث اليافعين يستعينون بمكملات غذائية في أنظمتهم الغذائية من أجل مساعدتهم على اتقاء زيادة الوزن. لكنّ العلماء والباحثين لم يجدوا إلى الآن دليلاً علمياً قاطعاً يُثبت صحة الاعتقاد السائد عن فوائد هذه المكملات.
الحاجة لحجة
يقول توماس شيرمان، عالم متخصص في الكيمياء الحيوية وأستاذ مشارك في كلية الطب بجامعة جورج تاون، «يمكن القول إن البيانات الخاصة بفوائد تناول الفيتامينات على شكل أقراص ومكملات صيدلانية لا تزال ضعيفة ولا تحوي حجية علمية قوية». وما يعرفه الباحثون عين اليقين هو أن الأطفال يمكنهم الحصول على جميع العناصر الغذائية التي يحتاجونها من اتباع نظام غذائي صحي متوزان.
ويقول الدكتور ويليام بيف ريس من الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال إنه بفضل الحليب المقوى ومنتجات الحبوب الكاملة وحبوب الشوفان وغيرها من الأغذية المخصصة للأطفال، فإن جميع الأطفال يحصلون على حاجاتهم الغذائية اليومية ولا يحتاجون إلى فيتامينات إضافية، بمن فيهم من لا يواظبون النقص الفيتاميني.
ويقول بيف «أنا أمارس عملي كطبيب للأطفال منذ ما ينيف عن 37 سنة، ولا أتذكر أي مرة وجدت فيها طفلاً غير مريض بعلة معينة يعاني من نقص في فيتامين ما. فالإصابة بنقص فيتاميني ليس أمراً سهل الحدوث لدى الطفل». ولذلك فإن على كل أم أن تعلم أنه إذا كان ابنها يتمتع بصحة جيدة، فلا يجب عليها أن تقلق بشأنه، كما لا يجدر بها أن تفكر في مناولته أي فيتامينات متعددة أو أحادية. وينصح شيرمان وبيف جميع الأمهات أن يكتفين بما يحصل عليه أبناؤهن من فيتامينات عبر الأطعمة والأغذية الطبيعية التي يتناولونها يومياً. فكل نظام غذائي متوازن وغني بالخضراوات والفواكه كفيل بأن يزود الطفل بكل ما يحتاجه من فيتامينات وأملاح معدنية للتمتع بصحة جيدة. غير أن هناك بضعة استثناءات يكون فيها الاعتماد على الطعام وحده غير كاف. ويتعلق الأمر هنا بفيتامين «دي»، والذي يعد ضرورياً لبناء عظام قوية وحماية الإنسان من السرطان وأمراض أخرى. ومن المعلوم أن الأطعمة الطبيعية المحتوية على مستويات عالية من فيتامين «دي» تبقى محدودة جداً. إذ يُفترض من أجسامنا أن تُنتج الجزء الأكبر من فيتامين «دي» الذي تحتاجه عبر التعرض لأشعة الشمس.
فيتامين «دي»
على الرغم من كون الباحثين يختلفون بشأن كمية فيتامين «دي» التي يحتاجها الجسم، فإنهم يعلمون أن كثيراً منا لا يحصلون حقيقة على ما يكفي منه. وجدير بالذكر أن معهد الطب الأميركي يوصي بأن يتراوح استهلاك الشخص الواحد من فيتامين «دي» ما بين 400 إلى 800 وحدة دولية يومياً، هذا في الوقت الذي يُطالب فيه بعض الباحثين بزيادة الجرعة اليومية لتصل 5,000 وحدة دولية كل يوم. وهذا لا يستثني الأطفال طبعاً. ووفق دراسة أُنجزت سنة 2008، فإن 40% من أطفال المجتمع الأميركي يستهلكون أقل من متوسط الكمية المطلوبة. ويقول شيرمان «للأسف نتعامل مع الشمس كأنها شر مطلق. إذ تجد الناس يضعون نظارات شمسية طوال الوقت ويُلبسون أبناءهم القبعات والقمصان طويلة الأكمام، ويضعون المظلات الشمسية على عربات الأطفال. ما يُرجح أن يكون معظم هؤلاء يعانون نقصاً في فيتامين «دي»». ويضيف أن هذا التعامل المتوجس على الدوام من أشعة الشمس هو الذي دفع كثيراً من الخبراء يوصون بتناول مكملات فيتامين «دي» للأطفال في مختلف مراحلهم العمرية من أجل تدارك النقص الحاصل نتيجة هذه الممارسات. ويرى شيرمان أنه ينبغي على الأطفال الذين يتلقون رضاعة طبيعية بالخصوص أن يحصلوا على كميات وافية من فيتامين «دي» نظراً لأن حليب الثدي يميل إلى احتوائه على مستويات أقل من فيتامين «دي» مقارنة بحليب الرضاعة الصناعي.
تقييم الطبيب
إذا كان على الطفل أن يتبع نظاماً غذائياً معيناً، أو لديه متطلبات غذائية خاصة، فقد يكون ممكناً في تلك الحالة أن يفكر في الاستعانة بمكملات أخرى. والأطفال الذين لا يأكلون اللحم ومشتقات الألبان على سبيل المثال يحرمون أنفسهم من عناصر غذائية أساسية، ويمكنهم في هذه الحالة الاستعانة بالمكملات. وفي هذا الصدد يقول بيف «الأطفال الذين لا يأكلون اللحم يمكنهم النمو طبيعياً دون تناول المكملات، لكن ذلك قد يكون صعباً، ولو أنه غير مستحيل». ويشرح أن الجسم لا يحصل على ما يكفي من الحديد والكالسيوم وفيتامين «بي» في حال لم يتناول اللحم ومشتقات الألبان. ويقترح أن تقوم أم الطفل الذي يمتنع عن أكل اللحوم والألبان بمراجعة الطبيب من أجل تقييم مدى كفاية النظام الغذائي للطفل وتحليل استهلاكه اليومي من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وذلك حتى يعرف ما إذا كانت هناك حاجة لتوصيف مكملات غذائية لسد نقص معين.
وفي حالة الإصابة ببعض الأمراض كالتليف الكيسي، يضطر المريض إلى مراقبة امتصاص جسمه للفيتامينات من الأطعمة حتى يعرف مدى اكتفائه بها، أم حاجته إلى الاستعانة بمكملات. وفي جميع الحالات، ينبغي للآباء أن يستشيروا طبيب الأطفال عما يتعين القيام به.
عند الضرورة
بالرغم من كل هذا، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو «هل ينبغي للطفل تناول مكملات زيت السمك؟» ينصح معظم خبراء الرعاية الصحية الأميركيين باستهلاك هذا الحامض الدهني (أوميجا 3) عبر الأغذية الطبيعية التي تحويه، وذلك من خلال تناول السمك مرتين في الأسبوع. ولا يحتاج الشخص في هذه الحال إلى تناول أي مكملات. ويقول الدكتور شيرمان «من الناحية المادية، فإن شراء علب سردين أو أنشوفة أرخص وأقل تكلفة من شراء مكملات «أوميجا 3». وليس هذا فحسب، بل إن امتصاص الجسم له من السمك مباشرة يُزوده بحامض دهني أعلى جودة وأكثر فائدة». ويضيف مخاطباً كل أم «إذا كان ابنك لا يأكل السمك أو كنت قلقة بشأن احتمال تعرضه لمخاطر التسمم بالزئبق، فيمكنك أن تعطيه زيت السمك. لكن تأكدي أن ذلك لن يكون سهلاً بالنسبة له».
ويقول شيرمان «مهما يكن القرار الذي يتخذه الوالدان في إطعام الابن، فإنه لا يكون الاختيار مسألة حياة أو موت، بل إنهما يكونان أمام أمرين أحدهما أفضل من الآخر، ولكن كليهما يحويان فائدة غذائية صحية للمستهلك، وما على الأبوين سوى أن يُدركا متى يستخدمان أياً منهما». ويتفق توماس وويليام بأن أفضل طريقة لاكتساب العناصر الغذائية جميعها هي امتصاص الجسم لها من الأغذية مباشرة. وينصحان بعدم اللجوء إلى مكملات الفيتامينات إلا عند الضرورة، وبعد الحصول على مشورة الطبيب.

مكمل شائع
من بين المكملات الشائع استهلاكها «أوميجا 3». وفي دراسة وطنية أميركية استخدمت بيانات خلال الفترة ما بين 2002 و2007، وجد الباحثون أن 40 % من الراشدين الذين يستخدمون المكملات قالوا إنهم يتناولون الحامض الدهني «أوميجا 3» على شكل أقراص.
وما من شك في أن «أوميجا 3» الموجودة في سمك السلمون والسردين وفواكه البحر مهمة للصحة. ويُعتَقَد أنها تساعد في حماية صحة القلب والدماغ، خصوصاً عند التقدم في العمر، وأنها تلعب دوراً كبيراً في النمو الطبيعي للدماغ. وقد ربطت دراسات حديثة عدة بين استهلاك «أوميجا 3» والعديد من الفوائد الصحية من قبيل تقوية النظر لدى الأطفال وزيادة التركيز والانتباه لدى التلاميذ والطلبة.


هشام أحناش
عن «واشنطن بوست»