دنيا

أحلام الفقراء

نورا محمد (القاهرة) - توجهت إلى المدينة الكبرى، أبحث عن فرصة عمل في أي مجال يناسب تخصصي في المحاسبة، حيث إنني حاصل على بكالوريوس التجارة، واخترت هذا التخصص؛ لأنني أحبه ولأن فرص العمل مفتوحة أمامه في الوزارات ودواوين الحكومة والمصالح والمؤسسات والشركات سواء كانت حكومية أو خاصة، أو هكذا تخيلت وتوهمت أن كل الأبواب ستكون مفتوحة على مصراعيها أمامي وسيرحب مديروها وأصحابها بي، وربما يتوسلون إلي كي أعمل عندهم، لكن البداية لم تكن مبشرة، ووجدت الأبواب كلها موصدة وبدأت رحلة المتاعب.
كلما قدمت نفسي وأوراقي لأحد لا أجد إلا إيماءة بالنفي ويهز رأسه ويمط شفتيه، وقد يعبس ويتعجب من مطلبي، بما يعني أنني أطلب المستحيل، كانت التجارب قاسية مريرة، ومما يزيد قسوتها أنني أرى أمثالي وأقراني وبعضاً ممن أعرفهم يحصلون على وظائف في أماكن متميزة ويتقاضون رواتب ضخمة، مع أنهم لا يزيدون عليّ في شيء بل كنت متفوقاً في الدراسة عليهم، وكانوا يحسبون من الفاشلين الذين ينجحون بشق الأنفس، وعرفت أنهم فقط يملكون النفوذ والواسطة، وما لي إلى ذلك سبيلاً، فليس في عائلتي المتواضعة أي شخص من المشاهير أو أصحاب المناصب والوظائف العالية.
بكيت بعدما انهارت مقاومتي، لم أستطع المقاومة أكثر من ذلك وكان البكاء مجرد وسيلة للتخفيف، ومع ذلك لم أفقد الأمل، واصلت رحلة البحث المضنية أستيقظ من الصباح الباكر أحمل أوراقي وأجوب الأماكن التي قد يكون فيها بصيص أمل وقد أعود إلى من وعدوني من قبل بأن أرجع إليهم مرة أخرى وهؤلاء يحاولون أن يساعدوني، ولكن النتيجة في كل الأحوال هي نفسها التي تتكرر ولم تكن مستغربة عندي بل متوقعة، فأتقبل الكلام أو الرفض بشكل طبيعي وأعود آخر النهار بخفي حنين.
في ذلك الوقت، كنت أُقيم في منزل قديم آيل للسقوط في منطقة نائية لا تصله وسائل المواصلات فأضطر إلى السير على الأقدام، بعد آخر محطة للباصات مسافة تزيد على أربعة كيلو مترات ذهاباً وإياباً، والمنزل لا أحد فيه غيري بلا ماء أو كهرباء، أعتمد كل ليلة على الشموع، وأحمل المياه من طلمبة عبارة عن مضخة تسحب من المياه الجوفية، لكن مع هذا لم يكن هذا كله يمثل لي مشكلة أو عقبة في سبيل الحصول على عمل، أتذرع بالصبر وبالحكم التي تقول إن الصبر جميل وانه مفتاح الفرج ولم تكمل بأنه أيضاً مر، أتشبث بأن أشد اللحظات سوادا هي تلك التي تسبق الفجر، وأثق بأن مع العسر يسرا ومازلت انتظر.
صحيح أن الأسوأ لم يأت بعد، وأن السواد الذي أعيشه ليس هو آخر المطاف ولا أشد درجات السواد، فاليوم قد انتهى كل ما كان معي من مال قليل، لم أتناول طعام الغداء بعد، واقتربت الشمس من المغيب، وأريد أن أعود إلى مسكني غير الآدمي لأستريح فيه، وإن كان غير مريح، كل ما في جيبي لا يكفي إلا لشراء «ساندوتشين من الفلافل» من عند بائع على الرصيف، لكنني لو اشتريت اثنين، فلن يتبقى معي ثمن تذكرة الأتوبيس الذي سأستقله في طريق العودة، ووجدت حلاً عبقرياً وسطاً بأن أشتري ساندويتشاً واحداً واستبقي ثمن الثاني للتذكرة، ولكن كيف يكون الأمر في الصباح؟ ومن أين سآتي بالمال للإفطار والمواصلات؟ انتحيت جانباً إلى أحد المساجد فقد جاء صوت المؤذن معلناً دخول وقت صلاة العشاء، دخلت لأصلي أولاً، وثانياً لأغسل وجهي وأطرافي لأقلل من عناء حمل الماء عند البيت.
خرجت من الصلاة وقد جاءتني فكرة فيها مخرج من هذه الأزمة الطاحنة وهذا الضيق، أولاً أن أشتري ساندويتشاً واحداً أتصبر به، وما تبقى استقل به الباص إلى أحد أبناء عمومتي الذي يقيم في الطرف الثاني من المدينة، وهو في الغالب قريب مني في العمر ولا مانع من أن أقترض منه مبلغا بشكل مؤقت إلى أن أستطيع الحصول على عمل ثم أرده إليه، فليس لي أي مصدر آخر للرزق أو الكسب فأبي يعول أسرة كبيرة مكونة من أحد عشر فردا ولا يمكنني أن أحمله المزيد ولا أقبل أن أطلب منه مالا وهو في ظروف أسوأ مما أنا فيها، مع العلم بأنه لو عرف حقيقة حياتي ومعيشتي لرفضها وساعدني مهما كلفه الأمر، وأنا لم أخبره بالواقع، وكلما يسألني عن أحوالي اكتفي بقول: الحمد لله حتى لا أزيد همومه وأحماله.
وقفت أنتظر الباص لأذهب إلى ابن عمي، لكن كل الباصات التي تمر كانت تذاكرها غالية ولا أملك ثمنها، لذا عليّ أن أنتظر إلى أن يأتي الباص رخيص التذكرة، الذي بالكاد أملك ثمن تذكرته، وقفت وانتظرت وطال الانتظار، إلى أن جاء الباص الذي أريده، يا لحسن الحظ هناك مقعد خال بجوار النافذة جلست عليه وأنا أتنهد وجاء المحصل ومددت له يدي بآخر مبلغ أملكه في الدنيا، ناولني التذكرة ووضعتها في جيبي، واتجهت نحو النافذة أتابع المحال والوجوه، وأسأل هل هناك في الدنيا أشخاص في مثل حالي، أكلت ولم أشبع، ولا أجد مأوى ولا أجد عملاً ولا حتى ثمن المواصلات، غريب في بلاد بعيدة، مثل غريق في بحر هائج في ظلام دامس مهما صرخ فلن ينقذه ولن يسمعه أحد، ولكن كل ما أفكر فيه الآن، يا ترى لو لم أجد ابن عمي فكيف أعود إلى مسكني الذي يبعد عنه أكثر من عشرة كيلومترات، وسيطر هذا الهاجس على تفكيري، واستغرقت في السيناريوهات المتوقعة، وماذا لو وجدت أحداً غريباً عنده فكيف سأفاتحه في الموضوع؟ وانشغلت بهذه التساؤلات والتوقعات وغيرها حتى أنني لم أتنبه إلى المحطة التي يجب أن أنزل فيها، ووجدتني في المحطة الأخيرة للباصات وليس معي ثمن تذكرة لأعود.
اضطررت إلى السير مشياً على الأقدام وعقارب الساعة تخطت الحادية عشرة مساء، كنت أسير وأنا مطأطأ الرأس أنظر إلى الأرض تسيطر على رأسي التساؤلات والتوقعات نفسها، أحياناً أسرع الخطى وأحياناً أسير ببطء، أزفر من داخلي عسى أن يخف ذلك ما يدور في صدري، تائه بالفعل حتى أن قائد سيارة ظل يستخدم آلة التنبيه لأفسح له الطريق وأنا على بعد خطوتين منه ولا أسمعه، وأعتقد الرجل أنني أصم، بالفعل تعطلت حاسة السمع عندي في هذه الظروف، وبعد أن أفقت على صراخه وكلماته القاسية وأوصافه لي وهو يتهمني بالصمم، اعتذرت له، وقد غلبتني دمعة فشل في المقاومة وفي منعها، لكنني تماسكت بعدها.
أخيرا بعد السير مسافة لا أعرف مقدارها، ولكنها استغرقت حوالى أربعين دقيقة، كاد الليل ينتصف وأنا أقف أمام مسكن ابن عمي، ليتني ما توقعت شيئا، فما أن فتح الباب حتى وجدت عنده ثلاثة أشخاص من أصدقائه، حينها أسقط في يدي لا أعرف إن كنت سلمت عليهم أم لا، لقد ضاع آخر أمل، لكن لا فلم تمض إلا دقائق معدودة وغادروا المكان وأصبحت أنا وهو وحيدين إلا زوجته كانت في الداخل، جاءني بكوب شاي ساخن كنت في أشد الحاجة إليه فلم أتناول الشاي طوال اليوم والجو بارد جداً، وبقدر الغصة والمرارة التي كانت في حلقي، كانت المتعة بهذا الكوب من الشاي، ومع آخر رشفة فيه وجدتني أقوم وأنهض فجأة وأستأذنه في الرحيل فقد انتصف الليل وبرودة الجو تشتد، غادرته دون أن انبس ببنت شفة فيما جئت من أجله.
نزلت إلى الشارع واتخذت وجهتي إلى، حيث ما يسمى مجازا أنه مسكن، يبعد من هنا أكثر من عشرة كيلومترات تقريباً، أسأل نفسي: لمَ لم أطلب منه المبلغ، وأجيب أيضاً بلا كلام بأن لساني أصابته عقدة، كان ثقيلا كأنه يحمل جبلا، لم ترد الكلمات المعدودة أن تخرج، إنها إراقة ماء الوجه، أردت أن أحافظ عليه مهما كانت النتيجة والتحمل، أحياناً أجدني مخطئاً، وقد بالغت في الأمر، وأحيانا أجدني كنت على حق وكان يجب أن أفعل ذلك، وعندما أتعب من كثرة المشي وتتأثر قدماي من الحذاء أعود إلى بعض الندم بأنه كان يمكن أن أغمض عيني وأطلب منه المبلغ خاصة أنني لا أستجدي وإنما اقترض وهذا أمر مشروع وشائع بين الناس، لكنني لم أعتده وأتحمل الجوع والعطش والبرد ولا أتحمل تلك المذلة.
مع هذا وأنا في خضم الغرق في التفكير لا يهمني ما تبقى من مسافات طويلة ولا من البرد والساعة تقترب من الواحدة صباحاً، وقد قل عدد المارة في الشوارع وقلت حركة السيارات، فأصبح نادراً ما تمر سيارة مسرعة بجواري، وقليلاً ما يصادفني شخص في الاتجاهين، حتى وجدت واحداً يغير اتجاهه من الجانب الآخر، وهو قادم في مواجهتي؛ ولأن الجوعان يحلم بالخبز، فقد اعتقدت أنه يفعل ذلك لأنه يريد أن يعطيني مبلغاً لأستقل سيارة بدلاً من المشي في هذا الوقت المتأخر، وعندما اقترب ولم يعد بيني وبينه سوى خطوتين ألقى السلام وطأطأ رأسه ونظر إلى الأرض واعتذر عن استيقافي وطلب فقط ثمن تذكرة ليستقل الباص إلى منطقة مسكنه البعيدة، فلم أزد إلا أن اعتذرت له، وأنني لست أفضل حالاً منه، هذا الموقف أخرجني من حالة الحزن الشديدة التي كنت فيها، بل وبعدما ابتعد الرجل ضحكت ملء فمي والغريب أنني شعرت بسعادة غريبة تتسلل إلى صدري، وقد فطنت إلى أن تلك رسالة لي، وجواب عن تساؤلي من قبل هل هناك أحد في مثل حالي؟ وها أنا قد وجدته، وكان لهذه الواقعة أثرها في الموقف وفي الحياة فيما بعد، وواصلت السير ولكن وأنا في حالة نفسية مختلفة لم أعد أشعر بالبرد ولا أجدني بحاجة إلى أي شيء في الدنيا، إلى أن وصلت إلى حجرتي وأشعلت شمعة لأرى معالم المكان وبدلت ملابسي وأطفأتها ورحت في نوم عميق.
وقد تعرضت لمواقف كثيرة مشابهة طوال عام كامل وأنا أبحث عن عمل، حتى وجدته بعد معاناة، وتغيرت كل أحوالي وأصبح لدي زوجة وأطفال وشقة فاخرة فسيحة وأخرى مصيفية وسيارة فاخرة ورصيد معقول في البنك، وتذكرت هذا الآن بعد أن مر عليه أكثر من ربع قرن؛ لأن ابني، وهو في السنة الأولى بالجامعة يريد سيارة، ويغير هاتفه المحمول كل عدة أشهر ليقتني أحدث الموديلات، فأخبرته بهذه البداية لأنه يجب أن يعرفها.!!