ثقافة

مدية سالم تكتب عن طبيعة العلاقات البشرية

الغلاف (من المصدر)

الغلاف (من المصدر)

جهاد هديب (الاتحاد)- غالبا ما تكون الرواية الأولى مغرقة في الترميز، وغير مباشرة وتحتاج إلى تفكيك دلالاتها وإحالاتها بسبب تلك الخبرة الأولى، وهذا الملمح الذي يلتفت إليه الكاتب ويحاول تجاوزه في أعماله اللاحقة، كي لا يقع في “مطبه”، وفي الرواية الأولى”ما ذنبي يا حبيبي” للكاتبة الإماراتية مدية سالم الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية، عمان، يشعر المرء بأنه إزاء بنية نصية متبلورة وناجزة بوصف لغتها جملة، كبنى تركيبية ونحوية تنحو إلى الاقتصاد والاختزال والتكثيف في اللغة ما يجعل المعنى في متناول قارئها مباشرة.
وما يلاحظ أيضا على “ما ذنبي يا حبيبي” أنها ليست رواية بالمعنى المتعارف عليه في الدرس النقدي الأدبي، بل هي في صفحاتها الأربع والستين أقرب ما تكون إلى ما يُعرف بـ”النوفيلا”، أي القصة الطويلة أو الرواية القصيرة.
في هذا العمل، لا تذهب الكاتبة الشابة مدية سالم في تأملات إنسانية للعالم والمعرفة، بل تذهب إلى ما هو أبسط من ذلك ويحتاج إلى عين مدرّبة لتلقطه، وهو ما يحدث من تغيرات في القيم والأعراف في المجتمع الإماراتي عبر أحداث واقعية تماما ومن الممكن تحققها مع أي شخص ينتمي إلى هذا المجتمع. ورغم أن العمل في بعض مطارحه لا يخلو من المبالغة في التبسيط إلا أن “ما ذنبي يا حبيبي” تحاول أن تسبر أغوار طبيعة العلاقات البشرية المركبّة من أحاسيس ومشاعر متناقضة وملتبسة أحيانا إنْ لم تكن عصيّة على الفهم، مثل تلك التحولات في العواطف المتبادلة بين زوجين من المفترض أنهما قد تزوجا بوَلَهٍ ثم تحدث فجأة تلك الخيانة الزوجية التي تقلب العواطف من الإيجاب إلى السلب في الوقت نفسه الذي يتعرض الزوج لحادث يُقعده عن الحركة فيصبح بحاجة للآخرين، وبالتحديد إلى زوجته.
وهنا، ربما تكون تقنية السرد مطروقة سابقا، لكن من اللافت أن تمارسها كاتبة شابة بهذا الإتقان والاختصار، وهي تقنية الأصوات المتعددة، أي أنه ما من بطل رئيسي ها هنا بل هي حكاية أناس عاديين نرى لها وجوها مختلفة ومتعددة باختلاف وتعدد الشخصيات: الزوج والزوجة والمرأة الأخرى والأخت والصديقة والأم وسواهم.
هكذا لا يستطيع القارئ أن يأخذ موقفا مسبقا من أي شخصية، إذ إن “ما ذنبي يا حبيبي” لا تقسم العالم والنفس البشرية إلى خير وشرّ، تبتعد عن تلك الثنائيات لتروي حدثا فحسب وكأنها نتاج رغبة عالية في البوح أو نتاج تجربة مخيضة من قِبَل شخصيات الرواية وسمعتها الكاتبة مدية سالم منهم وأعادت كتابتها ثانية بطريقتها الخاصة.
يكتب الناشر جهاد أبو حشيش عن الرواية: “قد تكون رواية مدية سالم رواية قصيرة لكنها غنية بشخصياتها المتعددة الأصوات، القابلة لأكثر من تفسير. مدية سالم كاتبة تفتش عن ملامح روحها، ملامح تستطيع بها تحديد المساحات القابلة للتطور في النص، فتواكب كالنحلة العمل على نصها بلا هوادة، لأنها دائمة التشكيك في إمكانية وصول النص إلى منطقة ترضيها، فهي أميل إلى الصمت الجارف الباحث عن محطة جديدة لإقلاع أكثر حياة، فمدية تحفر بلا هوادة خطاها لتكون قادرة على امتلاك ملامح حقيقية تلائم صوتها”.
يشار إلى أن مدية سالم خريجة جامعة الإمارات العربية المتحدة، كلية الأغذية والزراعة، ومن مواليد عام 1986 وتقيم في مدينة العين. وقد صدرت روايتها أخيراً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالعاصمة الأردنية عمان وتقع الرواية في أربع وستين صفحة من القطع المتوسط، وصمم غلافها الفنان نضال جمهور.