عربي ودولي

«واشنطن فري بيكون»: لا أصدقاء لـ«الجزيرة» في أميركا والشبكة متورطة في عمليات تجسس

دينا محمود (لندن)

أطلق أعضاء جمهوريون وديمقراطيون في الكونجرس الأميركي حملةً لمطالبة إدارة الرئيس دونالد ترامب بفتح تحقيقٍ بشأن أنشطة قناة «الجزيرة» القطرية في الولايات المتحدة، وذلك على خلفية افتضاح أمر قيامها بإعداد فيلم وثائقي عن منظمات يهودية أميركية، جرى في إطاره تسجيل مقاطع مصورة في الخفاء لبعض العاملين في هذه المنظمات. ويقود الحملة النائب الجمهوري عن ولاية نيويورك لي زيلدِن وزميله النائب الديمقراطي عن ولاية نيوجيرزي جوش جوتهايمر، وتستهدف - بحسب موقع «واشنطن فري بيكون» الإخباري - حمل أعضاء الكونجرس على توقيع خطاب يُوجه لإدارة ترامب، بهدف دفعها إلى الشروع في التحقيق الذي تصاعدت الأصوات المُطالبة بفتحه على خلفية الفيلم الوثائقي، الذي اعتُبِر بمثابة ممارسةٍ للتجسس على الأراضي الأميركية من جانب «الجزيرة».
ووفقاً لمسودة خطابٍ وزعه النائبان في هذا الصدد على زملائهما في المؤسسة التشريعية الأميركية، فإن «من حق المواطنين الأميركيين أن يعلموا ما إذا كانت المعلومات و(مضامين) وسائل الإعلام التي يتعرضون لها محايدةً، أم أنها دعايةٌ مُضللة مدفوعة من قبل دولٍ أجنبية».
وأضافت المسودة، التي حصل «واشنطن فري بيكون» على نسخة منها، أن الكونجرس «بحاجة للحصول على توضيحاتٍ بشأن ما إذا كان من الواجب مطالبة كيانات أجنبية إضافية، بأن تسجل نفسها بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، بما في ذلك قناة الجزيرة القطرية التي تشير وزارة الخارجية الأميركية إلى أنها تخضع لسيطرة من جانب الدولة» في قطر.
ومن شأن إجبار القناة القطرية المروجة للأكاذيب على تسجيل نفسها كوكيلٍ أجنبي بموجب هذا القانون الأميركي الصادر عام 1938، إمكانية الحد من قدرتها على الوصول إلى مسؤولين أميركيين ومنشآت في داخل البلاد، مما سيفضي إلى تقييد أنشطتها في الولايات المتحدة في نهاية المطاف.
وسيؤدي إرغام «الجزيرة» - المعروفة بأنها منبرٌ لدعاة الكراهية وقيادات التطرف والإرهاب - على اتخاذ هذه الخطوة، إلى التأكيد رسمياً على خضوعها لسطوة النظام الحاكم في الدوحة، الذي يموّل أنشطتها، ودحض الأكاذيب التي تروجها عن نفسها، وتزعم من خلالها أنها وسيلة إعلامٍ مستقلة.
وتضمنت مسودة خطاب أعضاء الكونجرس في هذا الشأن هجوماً ضارياً على البرامج المُحرضة التي تبثها القناة القطرية وشنها حملات تضليلٍ واسعة النطاق على الساحتين الإقليمية والدولية، إذ قالت المسودة إنه من المزعج أن تقوض المضامين التي تنتجها هذه الشبكة التليفزيونية «في غالب الأحيان وبشكلٍ مباشر المصالح الأميركية».
ولم تتردد المسودة في الإشارة بوضوح إلى الدعم الذي تقدمه قطر من خلال «الجزيرة» للتنظيمات الإرهابية، قائلةً إن هذه القناة تقدم «تغطيةً مواتيةً للمنظمات التي تُصنّفها وزارة الخارجية الأميركية على أنها منظماتٌ أجنبية إرهابية».
وضربت مسودة الخطاب المثال في هذا الشأن بالتغطية التي تقدمها الشبكة التليفزيونية القطرية لأنشطة تنظيماتٍ مثل ما كان يُعرف سابقاً بجبهة النصرة، والتي كانت ذراعاً لتنظيم القاعدة في سوريا قبل أن يتغير اسمها فيما بعد، وكذلك لحزب الله اللبناني الموالي لإيران، وحركتيْ حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين.
وأضافت المسودة أن «سجل الجزيرة (المتعلق ببث مضامين) متطرفة مناوئة للولايات المتحدة.. يتطلب تدقيقاً من جانب الجهات الرقابية (الأميركية) لتحديد ما إذا كانت هذه الشبكة تنتهك القانون الأميركي أم لا».
وفي إشارة واضحة إلى الوثائقي الذي استعانت فيه القناة القطرية بصحفي متخفٍ تمكن من التسلل إلى منظمات اللوبي الصهيوني والعمل فيها خلال عام 2016 مما مَكّنَه من الاطلاع على بعض ملفاتها وتسجيل مقاطع مصورة للعاملين فيها، قالت مسودة الخطاب إن الموقعين عليه يطالبون بأن يشمل أي تحقيقٍ مزمع بشأن السجلات السوداء لـ «الجزيرة» مختلف الأنشطة التي تقوم بها هذه القناة في الولايات المتحدة «بما في ذلك التقارير التي تفيد.. باختراقها لمنظماتٍ أميركية.. غير هادفة للربح».
وكانت الشبكة التليفزيونية القطرية قد أقرت بوجود هذا الوثائقي في أكتوبر من العام الماضي، مما دفع منظمات اللوبي الصهيوني - التي يحاول نظام تميم بن حمد كسب ودها لتقديم الدعم له في الأزمة الخليجية - إلى مخاطبة المسؤولين في الدوحة ومطالبتهم بالتدخل لوقف عرض الفيلم، وهو ما أعقبه حصولها على تعهدات من حاكم قطر نفسه على الأرجح بحجب الفيلم عن الشاشة.
لكن مسؤولي المنظمات اليهودية الأميركية فوجئوا مطلع العام الحالي بتلقي خطابات من «الجزيرة» تبلغهم من خلالها بأن موظفين عاملين في هذه المنظمات سوف يظهرون على شاشة القناة في سياق الفيلم الذي لم يُحدد بعد توقيت عرضه، مما دفع قيادات تلك المنظمات للتشكك في نية النظام الحاكم في الدوحة في الوفاء بتعهداته، التي نُقلت إليهم عبر خبير وضع الاستراتيجيات في الحزب الجمهوري الأميركي نيكولاس ميوزِن مالك شركة «ستونينجتون ستراتيجيز». وترتبط هذه الشركة بعلاقاتٍ وثيقة مع نظام تميم، في ضوء التعاقد المبرم بين الجانبين منذ شهر أغسطس من العام الماضي، والذي تحصل الشركة في إطاره على 300 ألف دولار شهرياً مقابل مساعدة هذا النظام على تعزيز علاقاته مع أميركا وإسرائيل.
وقد أدى كشف النقاب عن وجود هذا الفيلم الوثائقي إلى إثارة عاصفة من الغضب في أوساط الكونجرس الأميركي، التي اعتبرت أن محاولة اختراق المنظمات اليهودية، يشكل تجسساً سافراً على الولايات المتحدة، وطالبت بمعاملة «الجزيرة» كوسيلة إعلام حكومية تبث دعاياتٍ مواتية لحكومة بعينها، على غرار الطريقة التي يتم التعامل بها مع قناة «روسيا اليوم» التي يسيطر عليها الكرملين، والتي أُجبرت بدورها مؤخراً على تسجيل نفسها كوكيلٍ أجنبي في أميركا.
وتطالب المبادرة التي يقودها زيلدِن وجوتهايمر بأن تجري وزارة العدل الأميركية تحقيقاً بشأن الذراع الإعلامية للنظام القطري وأن تُطلع الوزارة الكونجرس على «معلوماتٍ تفصيلية بشأن عملية التحقيق هذه.. وإذا ما كانت هناك كياناتٌ إضافية - بما في ذلك الجزيرة - تندرج تحت التوصيف القانوني» لكيانٍ أجنبي يتعين تسجيله وفقاً لقانون الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة.
ونقل «واشنطن فري بيكون» عمن سماه مستشاراً مخضرماً يعمل في الكونجرس، وعلى إطلاع بالحملة الجارية فيه ضد «الجزيرة»، قوله إن محاولات القناة القطرية لاختراق الأوساط اليهودية الأميركية كشفت عن الروابط الوثيقة القائمة بين هذه الشبكة التليفزيونية التي تدعى الحياد والنظام الحاكم في الدوحة. وأكد هذا المستشار أن إثبات ضلوع القناة في عملية التجسس على تلك المنظمات، سيجعل من اليسير للغاية إجبارها على تسجيل نفسها كوكيلٍ أجنبي، مُشدداً على أن «الكونجرس بات الآن يضغط على الإدارة (الأميركية) للقيام بالتصرف الصائب» على هذا الصعيد.
وفي تحذيرٍ شديد اللهجة للقائمين على «الجزيرة»، قال المستشار المخضرم في الكونجرس الأميركي إنه «لا أصدقاء» لهذه القناة في مقر المؤسسة التشريعية في الولايات المتحدة، مؤكداً أن ذلك يجعل من الواجب على «إدارة ترامب أخذ هذه الضغوط على محمل الجد».
وأضاف بالقول: «من الواجب أن يدرك الكونجرس أن الوقت قد حان للتحرك، حينما (نرى أن) حكوماتٍ أجنبية ترسل جواسيس سريين لاختراق منظماتٍ تتخذ من واشنطن مقراً لها».
ونقل موقع «واشنطن فري بيكون» عن مصدر ثانٍ - قال إنه يضطلع بدورٍ في حملة الضغط المناوئة لـ«الجزيرة» في الكونجرس - إشارته إلى أنه لا يتعين السماح لأي حكومة أجنبية - في إشارة هنا إلى قطر بالطبع - بتمويل عمليات تجسسٍ سرية على الأراضي الأميركية. وأضاف المصدر: «لا بد أن تكون هناك عواقب لمن يدير عملية مراقبة سرية معقدة.. على التراب الأميركي»، داعياً إلى أن ترد الإدارة والكونجرس في البلاد على ذلك بـ«رد قوي».
وقد توقعت مصادر مطلعة في واشنطن أن تشكل حملة زيلدِن - جوتهايمر بدايةً لضغطٍ قادمٍ على إدارة ترامب، للتعامل بشكلٍ أكثر صرامة مع «الجزيرة»، قائلةً إن بوسع الرئيس الأميركي الاضطلاع بدورٍ رئيسي في دعم الحملة ضد القناة القطرية.
وبحسب مصادر سياسية في واشنطن، من المنتظر أن يكون لدى الإدارة الأميركية الكلمة الفصل في نهاية المطاف، فيما يتعلق بتحديد ما إذا كانت ستكلف وزارة الخارجية بالتعامل مع ملف «الجزيرة»، أو أنها ستتولى الأمر بنفسها.
وتأتي الأزمة الجديدة التي تواجهها «الجزيرة» على خلفية فيلمها الوثائقي المثير للجدل - والذي لا يزال في طي الكتمان - لتهدد محاولات حكام الدوحة لاحتواء المخاوف السائدة في أوساط جماعات اللوبي اليهودي بشأنه، بعدما هددتهم تلك الجماعات بأن عرض الفيلم سيقوض جهود نظام تميم لنيل دعم يهود أميركا في مساعيه لحمل البيت الأبيض على تغيير موقفه من الأزمة القطرية.