ألوان

علماء: الإسلام وضع السبل لحل الخلافات الزوجية

حسام محمد (القاهرة)

تشهد العلاقات الزوجية على مدار الحياة بعض المشكلات والخلافات، التي ينجح البعض من الأزواج أو الزوجات في حلها وباستيعاب تام، في حين يعجز البعض الآخر ويبالغ الطرفان في ردود الأفعال، حتى تتحول المشكلة البسيطة إلى خلاف كبير، قد يؤدي إلى إنهاء الحياة الزوجية، والوصول إلى محطة الطلاق، بكل ما تعنيه الكلمة من تداعيات على مستوى الأبناء أو الزوج والزوجة، وقد لا يعي الكثير من الأزواج تداعيات وتأثير الخلافات على الأبناء لاحقا، حتى لو لم يحدث الطلاق، لأن تلك الخلافات تخلق حالة من التوتر في جو الأسرة، مما يُؤدّي إلى أنماط السلوك المضطرب لدى الأبناء.

نعمة عظيمة
بداية تقول الدكتورة عفاف النجار أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر: «لا بد من التأكيد على أن الإسلام شرع الزواج كنعمة عظيمة ومنّة من الله عز وجل، ففي الزواج يجد الإنسان السكن والراحة والرحمة والمودة، حيث يقول سبحانه وتعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، «سورة الروم: الآية 21»، وهكذا يؤكد الشرع الحكيم، أن في الزواج سكناً ورحمة وهدوءاً وسعادة وسكينة وقرة عين لكلا الزوجين، بالأبناء كنعمة عظيمة من نعم الرحمن علينا، كذلك في الزواج أجرٌ عظيم وثواب جزيل لمن أصلح نيَّته وأطاع ربَّه في زوجته وأبنائه، وكذلك المرأة تحصل على الثواب العظيم إن هي اتقت الله في زوجها وأبنائها، ولأن الحياة لا تخلو من المشكلات، فقد تحدث الخلافات الزوجية لكن لا بد أن يعي كل زوج أو زوجة أن الخلافات قد تمر كسحابة صيف». وتضيف النجار: «الأصل أن تظل السكينة تسود العلاقة الزوجية مهما حدث من منغصات وقد تستمر وتتفاقم دون داع وهنا لا بد من وقفة، فالخلافات لا تعرف المنزل الذي تربى فيه الزوج والزوجة على خلق الإسلام، فمن تربى على خلق الدين الحنيف سيعي حق الآخر عليه، وسيعمل ما في وسعه لإرضائه ابتغاء وجه الله». وتشير النجار أن من أهم حقوق الزوج على زوجته أن تتقي الله فيه، وأن تكون عوناً له في طاعة الله، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا متاعٌ وخير متاعها المرأة الصالحة»، أما حق الزوجة على زوجها، فهو أن يحسن معاملتها وأن يحتمل الأذى منها بعض الشيء ويكون حليماً في التعامل معها ويحرص على الرفق بها والإنفاق عليها بالمعروف ولو فعل كلا الزوجين ذلك لساد الوئام بينهما ولم يعرف الشقاق طريقا لعلاقتهما. تضيف د. عفاف النجار: «لا بد أن يحرص الزوجان في حالة حدوث خلاف، أن يكون بعيداً عن الأبناء، حماية لهم ولمشاعرهم كما يجب أن يسعى كل منهما للحل».

حفظ اللسان
الدكتور حامد أبو طالب أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يقول: «إذا حدث الخلاف بين الزوجين، هناك أداب إسلامية لا بد من اتباعها، حتى تتم السيطرة على الخلاف، ولا ندع للشيطان سبيلاً للتدخل لتصعيده، فعلى سبيل المثال لا يجوز أن يتعالى أي طرف من على الآخر بالنسب أو المال أو الجمال أو الثقافة لأن هذا الأمر من أكبر أسباب فصم العلاقات بين الزوجين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، وبين أبو طالب، أنه لا بد من أن يسعى الطرفان إلى حفظ اللسان، لأن الخطأ وقت الخلاف يزيد من حدته وتكون له عواقب سلبية، تكون معول هدم وتكسير ينقض أساس بنيان الأسرة وحياتها، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمرنا بحفظ اللسان وصيانته، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يوصي معاذاً رضي الله عنه: «كف عليك هذا - أي: لسانك - فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم».
ويضيف د. أبو طالب: «من هذا المنطلق نطالب الزوجين إذا حدثت المشكلات بينهما، أن يسود بينهما خلق التسامح وأن يغفر كل منهما إساءة الآخر، وأن يتذكر حسناته ومميزاته، ويجب أن تكون المناقشة بينهما دون الأولاد، حتى لا يتأثروا بذلك، وينبغي عليهما ألا يسمحا بتدخل أحد بينهما مهما كانت المبررات، فإذا تمسك كل واحد منهما برأيه، فلا بد من عرض الأمر على غيرهما ممن يتوسم فيهم الخير والصلاح من باب النصح والمشورة، لا من باب الشكوى، وليحرص كل منهما على المعاشرة بالمعروف، فلا سعادة للمسلمين ولا طمأنينة لهم في بيوتهم إلا إذا قامت على العشرة بالمعروف، وأمر الله عز وجل به لما فيه من صلاح أمر الزوج والزوجة، والسعادة لهما». وبين أبو طالب، أن القرآن الكريم حدد حق التعاون بين الزوجين، وأن يكون في أمور الدين، حيث يعين كل واحد الآخر على الطاعات وترك المنكرات، فيأمر الزوج زوجته بالصلاة، وكذلك الزوجة، كما يكون التعاون على أمور التربية، فلا يلقي الواحد على الآخر أعباء تربية الأبناء، بل الواجب التعاون على ذلك، وأيضا التعاون على المعيشة، فإذا كانت الزوجة موظفة مثلا فعليها أن تعين زوجها حتى تسير الأمور الأسرية على الوجه المطلوب.

سرية تامة
يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية: «هناك نصوص دينية كثيرة تخاطب الزوج ليعرف قدر زوجته، وليحسن معاشرتها، وليتحمل مسؤوليته تجاهها، ففي موارد متعددة يؤكد القرآن الكريم على معاشرة الزوجة بالمعروف، يقول تعالى: (... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...)، «سورة النساء: الآية 19»، ويقول تعالى: (أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، وقد نهى الله تعالى الرجل عن توجيه أي مضايقة للزوجة أو إنزال أي ضرر بها في حياتها المعيشية كالسكن، حتى ولو كانت مطلقة، ما دامت في فترة العدة الرجعية، يقول تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ...)، «سورة الطلاق: الآية 6»، وعلى الجانب الآخر هناك نصوص تخاطب الزوجة، لتذكرها بفضل الزوج، ودوره ومكانته في حياتها الزوجية، وأن عليها أن تحترم مقامه كربّ للأسرة، وقد روت أم المؤمنين عائشة عن رسول الله أنه قال: «أعظم الناس حقاً على المرأة زوجها»، وعن حصين بن محصن الأنصاري أن عمته أتت النبي، فقال لها: «أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، قال: «أنظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس من امرأة أطاعت وأدت حق زوجها، وتذكر حسنته، ولا تخونه في نفسها وماله، إلا كان بينها وبين الشهداء درجة واحدة في الجنة».