ألوان

صيانة حقوق «ذوي الهمم».. واجب شرعي

أحمد مراد (القاهرة)

شدد علماء في الأزهر، على ضرورة تقديم كافة أوجه الرعاية لذوي الهمم من الاحتياجات الخاصة، والحفاظ على حقوقهم وصيانتها حتى لا يطولها أي إهمال أو تقصير، مؤكدين أن ذلك واجب شرعي حث عليه الإسلام في آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة. وأكد العلماء أن قيم الرحمة والمودة والعطف التي جاءت بها شريعة الإسلام تضرب المثل الأعلى في المحافظة على حقوق الإنسان المعاق أكثر من غيره، ومن مظاهر رعاية الإسلام للمعاقين، أنه أمر بمخالطتهم، وإظهار شعور المحبة والمودة والتقدير إليهم، كما أن الإسلام أسقط عن المعاق بعض التكاليف الشرعية.

تخفيف التكاليف
أوضح د. أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، أن حماية حقوق ذوي الهمم ورعايتهم، واجب شرعي أمرنا به الإسلام الحنيف، حيث حثنا القرآن الكريم في كثير من آياته على نصرة الضعيف وإعانته قدر المستطاع، وقد رفع عنه القرآن المشقة والحرج، فقال تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى? وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، «سورة التوبة: الآية 91»، وتدل هذه الآية بوضوح على أن الضعفاء والمرضي ليس عليهم أية مشقة وحرج إذا لم يقوموا بما يقوم به إخوانهم الأصحاء.
وأشار هاشم إلى أن المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أمامه نموذجاً إيجابياً من نماذج الاهتمام والرعاية بذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا النموذج قائم وخالد بخلود كتاب الله تعالى، وهو عتاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في قصة الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم، ذلك الأعمى الذي حضر إلى رسول الله ليجلس معه كما تعود، فانشغل عنه رسول الله لعدم فراغه لأنه كان يدعو كفار مكة وسادتها ويحاول جذبهم إلى الإيمان بالله، وأدار وجهه عنه والتفت إليهم، وبالطبع لم ير ابن أم مكتوم ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه أعمى، فجاء عتاب الله لنبيه في قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى? * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى? * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى? * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى?)، «سورة عبس: الآيات 1 - 4»، وبهذه الآيات البينات أوضح الله تعالى لنبيه ولأمته أن المؤمن الضرير الكفيف هو أطيب عند الله من هؤلاء الصناديد الكفرة، فكان صلى الله عليه وسلم كلما رآه هش له ورحب به وقال: «أهلا بمن عاتبني فيه ربي»، ورغم فقر ابن أم مكتوم وثراء هؤلاء القوم إلا أنه عند الله أثقل ميزانا وأحسن حالاً وأفضل مقاماً.

الإنسانية أولاً
برؤية أخرى، شدد د. محمد عبد العاطي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الإسلام يراعي حقوق ذوي الهمم، ويهتم بهم لأنهم بشر مثلنا كرمهم الله في عموم قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، «سورة الإسراء: الآية 70»، فهو إنسان، وإعاقته لا تحط من قدر إنسانيته، ولا يجب التكبر والتعالي عليه، كما أن الله جل وعلا جعل الكريم عنده من أتقاه وأطاعه، قال سبحانه: (... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، «سورة الحجرات: الآية 13»، فأكرمنا هو أتقانا لله سبحانه وليس من هو أكثر صحة أو أجمل مظهراً، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
وأكد د.عبد العاطي أن الرحمة التي جاءت بها شريعة الإسلام، تضرب المثل الأعلى في المحافظة على حقوق الإنسان من ذوي الهمم أكثر من غيره، لأن الأمة الإسلامية أمة تراحم وتعاون وتعاطف لا يمكن أن يضيع بينها معاق، ومن مظاهر رعاية الإسلام للمعاقين، أنه أمر بمخالطتهم، ونهى عن التقزز منهم، فإن في مخالطتهم أنسا لهم، وإظهاراً بشعور المحبة والمودة إليهم، كما أن الله عز وجل أسقط عن المعاق بعض التكاليف الشرعية، فالصلاة الخمس يصليها الإنسان قائماً، فإن عجز عن القيام صلاها قاعداً، فإن عجز عن القعود صلاها على جنب، فإن عجز صلاها مستلقياً على قدر طاقته، وكذلك صوم رمضان إذا كانت الإعاقة تمنعه من الصوم أطعم عن كل يوم مسكيناً، والحج إلى بيت الله الحرام إن استطاع (... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا...)، «سورة آل عمران: الآية 97».

حقوق عظيمة
وأوضح د. مصطفى عبد الشافي، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن لذوي الهمم في الإسلام حقوقاً عظيمة، منها أن تهيئ الدولة لهم الحياة الكريمة ليعيشوا مع إخوانهم في راحة وطمأنينة، وتخفيف المسؤوليات عنهم، وأيضاً تهيئة الجو العام لتعليمهم وتثقيفهم، وإيصال الخير لهم، ورعايتهم الصحية بعلاجهم والإشراف على ذلك، ومساعدتهم في الأجهزة المطلوبة ووسائل النقل، أو الإعانة في الزواج ونحو ذلك، كما أن من حقوقهم علينا ألا ننظر إليهم نظرة الازدراء والاحتقار، وإنما نظرة الرحمة والمودة والإحسان، وألا نغتابهم، ونلمزهم لأجل عيبهم، فالله تعالى يقول: (... وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً...)، «سورة الحجرات: الآية 12»، كما أنه يجب ألا نسخر أو نستهزئ بهم، حيث يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ....)، «سورة الحجرات: الآية 11».