ألوان

الإحسان إلى الوالدين.. لا يقتضي طاعتهما في السوء

أحمد محمد (القاهرة)

لما أسلم سعد بن أبي وقاص، قالت له أمه «حمنة» يا سعد، بلغني أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد، فصبرت ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى غشي عليها، فأتى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشكا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ? وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ? إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، «سورة العنكبوت: الآية 8».قال الطبري، يقول تعالى ذكره: ووصينا الإنسان فيما أنزلنا إلى رسولنا بوالديه أن يفعل بهما حسنا، فقلنا له إن جاهداك والداك لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما في ذلك، إليّ مرجعكم، معادكم ومصيركم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم عليها المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله.وقال البغوي، ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، براً بهما وعطفاً عليهما، أن يفعل بوالديه ما يحسن، ونزلت هذه الآية والآية 15 في سورة لقمان، والآية 15 في الأحقاف، في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأمه حمنة، وكان من السابقين الأولين، وكان باراً بأمه، قالت له ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال يا قاتل أمه، ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال يا أماه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك، فذلك قوله: (... وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا...)، «سورة العنكبوت: الآية 8»، ثم أوعد بالمصير إليه فقال: (... إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها. وقال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»، المقصود من الآية، أن الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي طاعتهما في السوء ونحوه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، ولقصد تقرير حكم الإحسان للوالدين في كل حال إلا في حال الإشراك حتى لا يلتبس على المسلمين وجه الجمع بين الأمر بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما إذا أمرا بالشرك، لإبطال قول أبي جهل أليس من دين محمد البر بالوالدين، ونحوه.

فجملة «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين» تصريح ببعض ما أفادته الكناية التي في قوله:
(... فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، اهتماما بجانب جزاء المؤمنين، وقد أشير إلى شرف هذا الجزاء بأنه جزاء الصالحين الكاملين كقوله: (... فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ...)، «سورة النساء: الآية 69»، ألا ترى إلى قول سليمان: (... وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)، «سورة النمل: الآية 19»، فالمؤمن لما أمر بعصيان والديه إذا أمراه بالشرك كان ذلك مما يثير بينه وبين أبويه جفاء وتفرقة، فجعل الله جزاء عن وحشة تلك التفرقة أنسا بجعله في عداد الصالحين يأنس بهم.