تقارير

كوريا الشمالية... وتعقيدات الأزمة النووية

جوزيف ديترانتي
المبعوث الأميركي الخاص إلى المفاوضات السداسية مع كوريا الشمالية في الفترة من 2003 إلى 2006


رغم الاضطرابات المشتعلـة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، فضلاً عن التوتر في شرق آسيا ما زالت الفرصة سانحة للتوصل إلى حل سياسي لتسوية القضية النووية لكوريا الشمالية، وذلك رغم الرد الكوري القاسي على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي أدان «بيونج يانج» لإطلاقها في شهر ديسمبر الماضي صاروخاً باليستياً بعيد المدى.
وحتى نرجع قليلا إلى التسلسل الزمني لتطور أحداث الملف الكوري، لا بد من التوقف عند محطة أساسية تتمثل في البيان المشترك الصادر عن الزعيم الكوري الراحل، كيم يونج-إيل في شهر سبتمبر من عام 2005 الذي ينص على استعداد كوريا الشمالية لتفكيك كل برنامجها النووي مقابل حصولها على ضمانات أمنية، ومساعدات اقتصادية وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، فضلاً عن تزويدها بمفاعل نووي يعمل بالماء الخفيف عندما تعود كوريا الشمالية إلى حضن معاهدة عدم الانتشار النووي وتصبح دولة عضواً غير نووية.
وقد سبق للزعيم السابق تأكيده في أكثر من مناسبة لاحقة جدية الطرح الذي تضمنه البيان المشترك والاستعداد المطلق للتخلي عن البرنامج النووي، الذي يثير مخاوف الدول المجاورة.
ومع أن القائد الشاب لكوريا الشمالية، كيم يونج- أون، أحجم عن التعليق على ما جاء في البيان، ولم يبدِ نفس الاستعداد الذي أعرب عنه والده في السنوات الماضية، إلا أنه مع ذلك يتعين على الدول الغربية والأطراف المنخرطة في المحادثات مع كوريا الشمالية بما فيها أعضاء مجلس الأمن الدولي بذل الجهود والمساعي القصوى لإقناع الزعيم الشاب برؤية والده، رغم الصعوبات المرتبطة بهذا الأمر.
ولعل ما يزيد من صعوبة المفاوضات مع كوريا الشمالية في هذا الوقت بالذات حالة التوتر التي خلفها قرار مجلس الأمن الدولي في شهر يناير الماضي، الذي أدان النظام لتجاربه الصاروخية، حيث أتبعته «بيونج يانج» ببيان في الشهر نفسه قالت فيه «في هذا الوضع لا يمكن للجمهورية الشعبية الكورية الديمقراطية سوى تأكيد عدم مشاركتها في أية محادثات مع الأطراف الستة وأنها لن تعيد ما تضمنه البيان المشترك لشهر سبتمبر 2005».
لكنها ليست المرة الأولى التي تتشدد فيها كوريا الشمالية تجاه المجتمع الدولي، وتبدي فيها تصلباً واضحاً إزاء ملفها النووي، بحيث كان تدخل الصين وأطراف أخرى مؤثراً على القرار الكوري الشمالي وحاسماً في إقناعها بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو الأمر الذي عليه أن يتكرر اليوم، وحتى نضع الأمور في سياقها علينا ألا نضخم من أجواء التفاؤل التي أشاعها البيان المشترك للعام 2005، والذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات شاقة وطويلة امتدت لثلاث سنوات منذ انطلاقها في 2003.
لكن التفاؤل كان قصير المدى، ولم يعش طويلا بعدما أطلقت كوريا الشمالية في عام 2006 سبعة صواريخ أتبعتها بتجربة نووية، فكان رد المجتمع الدولي سريعاً من خلال مجلس الأمن، الذي سارع إلى فرض عقوبات على البلاد بموجب قراري 1695 و1718.
وفي الوقت نفسه قالت «بيونج يانج» إنها أطلقت الصواريخ، وأجرت التجربة النووية رداً على خرق الولايات المتحدة لثقة كوريا الشمالية عندما أقدمت الخزينة الفيدرالية الأميركية في اليوم نفسه، الذي تم فيه التوقيع على البيان المشترك على معاقبة بنك «ماكاو» بتهمة تبييض أموال تابعة لـ«بيونج يانج»، بحيث تم تجميد 25 مليون دولار من الأصول الكورية في البنك، وعندما أصبحت قوانين البنك منسجمة والقانون الأميركي أعادت الخزينة الأميركية الأموال إلى كوريا الشمالية، هذه الأخيرة التي ردت بدورها بالرجوع إلى طاولة المفاوضات.
لكن التقدم سرعان ما تعطل بسبب رفض كوريا الشمالية إصرار الولايات المتحدة على توثيق التعهدات الشفوية الكورية كتابة، وبعد عشر سنوات من المفاوضات بين كوريا الشمالية والأطراف الستة مع ما تخللها من صعوبات وتطلعات انقطعت في السنوات القليلة الماضية هذه المفاوضات، ولم تعد هناك سوى اتصالات ثنائية مع أطراف دولية فشلت في الوصول إلى نتائج ملموسة.
بل إنه وخلال السنوات العشر من المفاوضات تمكنت كوريا الشمالية من بناء مخزون مهم من الصواريخ الباليستية وبيع أجزاء منها، كما استطاعت تصنيع البلوتونيوم وتخصيب اليورانيوم بدرجات عالية تصلح للسلاح النووي. وبالنظر إلى عملية الإطلاق الناجحة لصاروخ في ديسمبر الماضي، ووضع قمر صناعي في المدار حول الأرض، يبدو أن «بيونج يانج» حققت نجاحات ملحوظة في تطوير قدراتها الصاروخية، لا سيما الصواريخ البالستية بعيدة المدى.
ورغم الانخراط المتساوي لدول الأطراف الستة في المفاوضات تبقى الولايات المتحدة والصين الدولتان الأكثر أهمية والأكبر نفوذاً على كوريا الشمالية، فالصين تمد البلاد بمساعدات مهمة في الغذاء والطاقة، كما أن العلاقات التجارية بين البلدين تنامت على نحو واضح في السنوات الأخيرة.
هذا بالإضافة إلى معاهدة الصداقة والتعاون، التي يرجع تاريخ إبرامها إلى عام 1961، أما فيما يتعلق بأميركا، فإنها تملك أيضاً نفوذاً لدى «بيونج يانج» بالنظر إلى الضمانات الأمنية، التي تستطيع تقديمها وتطبيع العلاقات معها التي ستفتح أمام «بيونج يانج» خزائن المؤسسات المالية الدولية، وتضفي عليها الشرعية، لذا من الطبيعي أن تبذل الصين والولايات المتحدة جهداً أكبر، لا سيما الآن قبل أن تعمد كوريا الشمالية إلى تأجيج التوتر في المنطقة بخطوات غير محسوبة تجعل من عملية استئناف المفاوضات أمراً مستبعداً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»