عربي ودولي

قطر تتجاوز «الخطوط الحمراء» لـ «فك شباك» أزمتها الاقتصادية

أحمد مراد (القاهرة)

وصف خبراء اقتصاديون قرار الحكومة القطرية بمنح المستثمر الأجنبي حق تملك المشروعات والاستثمارات في غالبية القطاعات الاقتصادية بنسبة 100% بأنه محاولة يائسة لـ«فك شباك» الأزمة التي وقع فيها الاقتصاد القطري خلال الأشهر السبعة الماضية، وبالتحديد منذ إعلان قرار الرباعي العربي بقطع العلاقات مع قطر في الخامس من يونيو الماضي. وأوضح الخبراء أن قطر في السابق كانت تحظر على المستثمر الأجنبي التملك الكامل للمشروعات والاستثمارات التي تقام على الأراضي القطرية، وكانت تسمح له فقط بتملك 49% من أسهم المشروع الاستثماري، وكان ذلك بمثابة «خط أحمر» في الفكر الاقتصادي القطري، ولكن بعد الخسائر الفادحة التي تعرضت لها الدوحة من جراء إجراءات المقاطعة، فإنها تتجاوز كل الخطوط الحمراء في خططها الاقتصادية لجذب المستثمر الأجنبي.
أرجع إبراهيم الغيطاني، الباحث في الدراسات الاقتصادية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قرار الحكومة القطرية بمنح المستثمر الأجنبي حق تملك المشروعات والاستثمارات في غالبية القطاعات الاقتصادية بنسبة 100%، إلى تأثر الاقتصاد القطري بإجراءات المقاطعة التي فرضتها الدول العربية الأربع ــ الإمارات ومصر والسعودية والبحرين ـ ضد النظام القطري منذ يونيو الماضي، مؤكداً أن هذه المقاطعة جعلت الاقتصاد القطري يمر بمرحلة من الضغوط، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الضغوط خلال الأشهر القادمة مع استمرار إجراءات المقاطعة ضد قطر، والتي تكبدها تكلفة اقتصادية وتجارية عالية جدا.
وقال الغيطاني: في السابق كانت قطر تحظر على المستثمر الأجنبي التملك الكامل للمشروعات والاستثمارات التي تقام على الأراضي القطرية، وكانت تسمح له فقط بتملك 49% من أسهم المشروع الاستثماري، وكان ذلك بمثابة «خط أحمر» في الفكر الاقتصادي القطري، ولكن بعد الخسائر الفادحة التي تعرضت لها الدوحة من جراء إجراءات المقاطعة، نجدها تتجاوز كل الخطوط الحمراء في خططها الاقتصادية لجذب المستثمر الأجنبي، وفي هذا الإطار جاء القرار الأخير بإتاحة الفرصة أمام المستثمر الأجنبي لتملك المشروعات والاستثمارات بنسبة 100%.
وأضاف: وفي اعتقادي لن تفلح مثل هذه القرارات في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطر خلال هذه الفترة العصيبة التي يمر بها الاقتصاد القطري، لاسيما أن غالبية المؤشرات والتقديرات الاقتصادية تشير إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي في قطر، فضلاً عن ارتفاع معدل التضخم بفعل عوامل عدة، أهمها تراجع حجم الناتج القومي، وتراجع حجم الاحتياطي، ونقص السلع، وارتفاع تكلفة الواردات والخدمات من نقل وطيران، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع معدل الزيادة في الأسعار، أضف إلى ذلك أن ارتفاع معدل التضخم، وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، فضلاً عن تراجع حجم الإيرادات الحكومية وغيرها من الإجراءات التقشفية التي يمكن اتخاذها على المستوى الاقتصادي خلال الفترة القادمة، سيكون لها تأثيرها المؤكد على حجم الإنفاق الحكومي وحجم الطلب المحلي، الأمر الذي سيترك تأثيره على حجم النمو الاقتصادي.
وبدوره، اعتبر د. يوسف الجداوي، الخبير في الشؤون الاقتصادية، القرار الذي اعتمدته الحكومة القطرية، والذي يتيح للمستثمر الأجنبي فرصة التملك بنسبة 100% في غالبية قطاعات الاقتصاد بمثابة محاولة لـ «فك شباك» الأزمة التي وقع فيها الاقتصاد القطري خلال الأشهر السبعة الماضية، وبالتحديد منذ إعلان قرار الرباعي العربي بقطع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع قطر في الخامس من يونيو الماضي، وهو القرار الذي أعقبه اتخاذ عدة خطوات من قبل دول المقاطعة الأربع نحو تقييد معاملاتها التجارية والاستثمارية مع قطر، وإغلاق جميع منافذها البرية والبحرية والجوية أمامها، وتعليق جميع رحلاتها إلى قطر، وغيرها من الخطوات التي تسببت في ارتباك طال كافة المعاملات الاقتصادية والتجارية بالسوق القطري، حيث تعتمد قطر بشكل شبه كلي على البلدان الخليجية في توفير الإمدادات الغذائية ومواد البناء، إلى جانب أنها نقطة مرور رئيسية لوسائل النقل الجوية القطرية بها للأسواق الأوروبية والأميركية، وهذا الارتباك أدى في النهاية إلى تراجع الجدارة الائتمانية لقطر، وفقدان الثقة الدولية في السوق القطري.
وقال د. الجدوي: كان من الطبيعي أن تلجأ الحكومة القطرية لإجراءات ــ كانت في السابقة ممنوعة ــ تساعدها على تجاوز أزمتها الراهنة، وفي هذا الإطار جاءت محاولات الدوحة لاستقطاب الاستثمارات الخارجية من خلال جملة من التسهيلات التي تتيحها الآن للمستثمر الأجنبي، والتي كانت محظورة في الأعوام الماضية، وكان على رأس هذه التسهيلات القرار الأخير الذي اعتمدته الحكومة القطرية، والذي يتيح للمستثمر الأجنبي فرصة التملك بنسبة 100% في غالبية قطاعات الاقتصاد الوطني، هذا بالإضافة إلى محاولات الدوحة لإقامة علاقات تجارية جديدة مع بعض الدول من أجل سد الفجوة الاقتصادية التي سببتها إجراءات المقاطعة.
وأشار د. الجداوي إلى القرار الذي اتخذته الحكومة القطرية في شهر أغسطس الماضي، والخاص بإعفاء 80 جنسية من تأشيرة الدخول إلى قطر، وكان هذا القرار بمثابة محاولة يائسة لتنشيط قطاعي الاستثمار والسياحة بعدما تضررت سمعتها دولياً، حيث تشير الدراسات إلى أن الوضع الاقتصادي للدوحة يواصل التراجع بوتيرة متسارعة منذ بدء المقاطعة قبل نصف عام، وأن العام الحالي 2018 قد يشهد وصول الأمور لأسوأ حالاتها مع تفاقم معدلات الديون الخارجية والإنفاق.
وأضاف د. الجداوي: منذ البداية كنا نتوقع أن إجراءات المقاطعة المفروضة على قطر لن تمر مرور الكرام على الاقتصاد القطري، وأنه سوف يعاني من العديد من الأزمات، لاسيما وأن الاقتصادين السعودي والإماراتي يشكلان قاعدة مهمة للاقتصاد القطري، وبالفعل حدث ما كنا نتوقعه، فعلى مدى الأشهر السبعة الماضية، عانى الاقتصاد القطري من خسائر فادحة ضربت مختلف مؤسساته وقطاعاته التجارية والمالية، الأمر الذي ظهر جلياً في عمليات بيع الأرصدة القطرية في الخارج، وتراجع الودائع الأجنبية في البنوك القطرية، فضلا عن تخفيض التصنيف الائتماني لعدد من أبرز البنوك وشركات النفط والغاز والصناعة والعقارات في قطر.
وكانت مؤسسة «موديز» قد خفضت خلال الفترة الأخيرة التصنيف الائتماني السيادي لقطر من «مستقر» إلى «سالب». كما خفضت «موديز» التصنيف الائتماني طويل الأجل لتسعة بنوك قطرية من «مستقر» إلى «سالب»، وأيضاً خفضت تصنيف عدد من أبرز شركات النفط والغاز والصناعة والعقار في قطر، وشمل التخفيض شركة «رأس غاز» المتخصصة في مجال الطاقة والغاز، وشركة «قطر للبترول»، وشركة «صناعات قطر»، وشركة «الديار العقارية»، و«شركة ناقلات» المتخصصة في النقل البحري. كما شمل التخفيض «مدينة رأس لفان»، وهي منطقة صناعية ضخمة لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره.
كما خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية العالمية، في يوليو الماضي تصنيفها لديون قطر السيادية طويلة الأجل من ( (AA إلى (AA-)، ووضعتها على قائمة المراقبة الائتمانية ذات التداعيات السلبية.