الملحق الثقافي

الصوفية..نشوة الروح

الموسيقى الصوفية المغاربية (من المصدر)

الموسيقى الصوفية المغاربية (من المصدر)

بقي الصراع في الصوفية قائماً إلى يومنا هذا في الامتزاج بين النزعة العقلية والنزعة الصوفية بشكل عام، أي التصوف والمنطق، فإن التصوف هو (الخُلُق)، وهذا منطق. إنه الفكر الوجداني، فكر محبة وعشق، قدرة التحكم بالذات، والحب الإلهي، فهذه المفاهيم تحمل معها منطق الحياة، ومن هنا جاء الصراع التصوفي - الموسيقي، وهنا كانت البداية.
حرب على الفن
لقد حاربت الصوفية الفنون في البدء، ولكنها ساعدت في شهرتها من الوجهة الذوقية والعملية، فمثلاً حاربت الصوفية الغناء، ولكن في حياة الصوفيين كان الغناء أول التعاليم، وعلى سبيل المثال هناك الكثير من أقطاب الغناء قد بلغوا شهرتهم ونبغوا انطلاقاً من البيئات الصوفية.
فحياة الصوفية قامت على الذوق، والذوق أساس التفوق في الفنون، والغناء تحديداً يتطلب ذوقاً رفيعاً في حسن الأداء والمعرفة الصوتية، فكانت هنا بداية العلاقة الصوفية الموسيقية.
تعتبر الموسيقا متلازمة مع الأدب الشعري أحد أهم الطرق للوصول للتصوف الحقيقي، والموسيقا الصوفية هي ليست (حلقة ذكر دينية) فقط، إنها موسيقا خاصة روحانية تنطلق من العازفين أو المغنيين باتجاه المستمع لاستيعابها بغية بلوغ حالة (النشوة الروحية)، وكما يسميها بعضهم (تغذية الروح).
الثقافة الوجدانية والروحية الصوفية راسخة في شعوب الشرق عموماً، ولارتباط ذلك في المناطق التي نشأت فيها الديانات والفلسفات القديمة، والتي نقلت إلى العالم (بالأخص الدين) عن طريق الموسيقا، فبدأ المتصوفون أقصر الطرق لنشر أفكارهم الروحية وطرائقهم التصوفية عن طريق الموسيقا غناءً وعزفاً، ولأن الثقافة الموسيقية بالأساس هي اللغة التوحيدية التي تجمع البشر شرقاً وغرباً.
كان الصوفيون يفضلون البقاء بصحبة الفقراء وقطاعات المجتمع المستضعفة، وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على البساطة اللحنية الموسيقية في الأداء الصوفي وقلة التعقيد النظري، والفطرة في التنغيم وتداول الإيقاع والتكرار الممنهج العفوي لزوم الأبيات الشعرية الجديدة، وإن البسطاء من الناس في غنائهم الروحي يستطيعون حقاً الوصول لمرحلة (الوعي المستنير الدائم) (النيرفانا - الانطفاء) ولأنها أعلى الحالات التصوفية والقيمة العليا للحب الإلهي، والتي أطلق عليها الفلاسفة تسمية (الوحدة المطلقة) أو (الواحدية).
بقيت الموسيقا الصوفية موحدة تقريباً في نوعية الأداء (وأقصد بذلك منطقتنا الشرقية) وتراوحت بين الغناء ومرافقة الدفوف، وأحياناً في استخدام آلة (الناي). ولأن بقية الآلات الموسيقية أو التعدد الصوتي قد يُفقِد اللحنية الأساسية متعتها ونشوتها التي يريد المغني إيصالها له.
وخلال عصرنا الحديث وإن اشتركت بعض الآلات المرافقة للغناء فهي حصراً شعبية وقديمة تراثياً. وقد اعتمدت الطرق الصوفية المتعددة أحياناً أسلوباً واحداً في الأداء، وتارة في ابتكارات جديدة تخدم مصلحة التصوف في هذه المنطقة أو تلك الطريقة بالذات، ولعل أشهر الطرق الصوفية المعروفة لدينا والتي تم تداولها عبر آلاف السنين هي (المولوية)، والتي أسسها (جلال الدين الرومي) وهو أفغاني الأصل عاش في مدينة (قونيه) التركية وتنقل بينها وبين دمشق وبغداد، وهو ناظم معظم الأشعار التي تذكر في (المولوية)، وتلك هي طريق الحركة الدائرية الشبيهة بالرقص (أحادي الحركة).
واشتهر في هذه الطريقة النغم الموسيقي الصادر عن آلة (الناي) والتي اعتبرها (الرومي) أكثر الآلات وسيلة للجذب الإلهي والروحي، لشبه صوته من أنين الإنسان. والمريد المولوي يسمى (درويشاً) ويمارس طقوسه الصوفية في مكان سمي وقت ذاك (سمع خانه) ولاحقاً (التكية).
أما (الذكر) فهو مجموعة من الابتهالات والأدعية والأناشيد الدينية التي يمنع استخدام الآلات الموسيقية فيها، باستثناء الإيقاعات كالمزاهر والدفوف. وحلقة الذكر هي ما يؤدى في المولوية، وتعتبر الطريقة الصوفية المسؤولة ـ بالدرجة الأولى ـ عن ظهور الموسيقا الدينية الصوفية واستمرارها.
ومن أشهر الطرق الصوفية المعتمدة على العلاقة مع الموسيقا وتتواصل معها حتى يومنا هذا: الطريقة القادرية، الطريقة النقشبندية، الطريقة الشاذلية، الطريقة الأكبرية، الطريقة الرفاعية، وهناك من الطرائق التصوفية من حاول في الكثير من الابتكارات لإدخال الفرق الكبيرة والحديثة، وهذا ما سنتطرق له لاحقاً.
وتعتبر (قصيدة البردة) إحدى أشهر قصائد المدح النبوي والتي كتبها (محمد بن سعيد البوصيري) من مصر في القرن الحادي عشر الميلادي وأجمع الكثير من الباحثين والنقاد على أنها (أفضل قصائد المديح النبوي) حتى أن هذه القصيدة قد ألهمت الكثير من الشعراء والأدباء على مر العصور لكتابة قصائد مشابهة، ولعل أشهرها كانت تلك التي كتبها الشاعر (أحمد شوقي) وغنتها (أم كلثوم)، وسميت قصيدة (البردة) (الكواكب الدرية في مدح خير البرية)، وقد أداها الكثير من شيوخ الصوفية وأحياناً بطرائقهم الخاصة وطبقاً لمناطقهم وظروف نغماتهم الموسيقية في القاهرة وبغداد ودمشق وحلب ونيسابور والمغرب العربي.
المرأة والتصوفقال (الشيخ الأكبر) المتصوف (محيي الدين بن عربي): «لا يعرف قيمة المرأة إلا من عرف سبب وجود العالم»، فلم يكن التصوف حكراً على الرجال فقط، فقد كان هناك من المتصوفات ممن جعلن هذا الشكل التعبيري أوسع انتشاراً وشهرة في حضرتهن، والذي تجلى في (الحب الإلهي) و(العشق الإنساني) وهي صفات متلازمة مع الأنوثة الحقة التي مارست الصوفية، وفي كثير من النصوص الصوفية نرى أنها أصبحت المظهر الأعلى في مبدأ (الحياة الإنسانية)، وكما قيل (إن المرأة في صورتها الوجودية تكثيف للجمال الكوني)، وهنا يكمن دورها الصوفي الذي تناقلته عن طريق صوتها الغنائي الذي استطاع أن ينقل تلك التعابير الروحية المطلقة والارتقاء في نشوة (الحب الإلهي) أو (جمال الله)، ولأن المرأة تشعر بالحب من حساسة أرقى وأسمى، فنراها تعطي غناءها أبعاداً درامية محسوسة ونعمات متباعدة لدى المستمع. ولعل أشهر المتصوفات في التاريخ الإسلامي كانت (رابعة العدوية).
وتعتبر بلدان تركيا، إيران، العراق، سوريا، مصر، تونس، المغرب، الهند، باكستان، من أشهر الدول التي ظهرت فيها الطرق الصوفية الموسيقية وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل كل ما يقدم الآن على المسارح وضمن المهرجانات الحديثة لهذا النمط يعتبر صوفياً؟! والجواب لا. ولأننا بدأنا بالحديث عن ماهية الصوفية، فلا يمكننا أن نتخيل تلك التجارب الحديثة الممزوجة بمجموعة من الآلات الحديثة وأحياناً المعاصرة بالعمل الصحيح أو الجيد، فأحياناً (التحديث الموسيقي) أو ما يسمى (عصرنة التراث) ليس صائباً، فقد عرفاه سمعياً كما هو كان ودخل أنفسنا وألهمنا بطريقته العفوية وصوته البيئي، وعملية التحديث الموسيقي تبعده أكثر مما نتصور عن شكله وأدائه الروحي، ولا يمكن أن نعتبر أيضاً من يقدم الآن أشعار الحلاج وابن عربي والرومي وغيرهم ضمن غناء وتلحين معاصر هو صوفي، إنها طرق جديدة لتقديم عالم موسيقي معاصر تمتزج فيه الأفكار والمعتقدات الحديثة، وتلك كلها لا تمت بصلة للفهم العميق الصوفي الذي أراده عمالقة المتصوفين في منطقة الشرق.
أنا لست ضد تقديم تجارب موسيقية معاصرة كهذه، فهي على الأقل تحمل بعض الفكر التنويري الفني، لكنني ضد عملية المزج الموسيقي وعلى سبيل المثال (الجاز الصوفي)، (التصوف مع الأوركسترا السيمفوني)، (الغناء الصوفي بمرافقة الأورغ) فنشعر بأن كل ذلك أشبه بالبدع السحرية أو الشعوذة في عالمنا الموسيقي، وأجرؤ على القول إن الكثير من تلك التجارب كانت لموسيقيين (فاشلين) أرادوا من خلال هذا (التصوف الموسيقي!) أن يقدموا لنا نمطاً موسيقياً جديداً (غير قابل للتصديق) بسبب غرابته.
التصوف (Mystiticism) نشاط معرفي وسلوكي يتخذه الإنسان لتحقيق الكمال الأخلاقي والاتصال بمبدأ أسمى وعرفانه بالحقيقة وتحقيق سعادته الروحية، والتصوف مشترك بين الديانات والفلسفات والحضارات المتباينة في عصور مختلفة. والتجربة الصوفية واحدة في جوهرها، لكنها مختلفة في أساس تفسيرها المتأثر بالحضارة التي ينتمي إليها كل صوفي. والتصوف نوعان: ديني وفلسفي، فالديني ظاهرة مشتركة بين الأديان جميعاً، سواء في ذلك الأديان السماوية أو غيرها من غير السماوية والشرقية القديمة ومنها (البوذية). أما التصوف الفلسفي فهو قديم عرف في مناطق الحضارات القديمة. وكان التصوف الديني يمتزج أحياناً بالفلسفي (كما هو الحال في بعض صوفية الإسلام والمسيحية).


دفّ و.. ناي
انتشر الأداء الصوفي بين البسطاء والفقراء والمستضعفين بسبب ما يتوافر عليه من بساطة لحنية وقلة التعقيد النظري، ومن خلال الغناء الروحي يستطيع هؤلاء البسطاء حقاً الوصول لمرحلة «الوعي المستنير الدائم» أو «النيرفانا - الانطفاء»، وهي أعلى الحالات التصوفية والقيمة العليا للحب الإلهي، والتي أطلق عليها الفلاسفة تسمية «الوحدة المطلقة» أو «الواحدية».
ومن سمات الأداء الموسيقي المقترن بالتصوف: الفطرة في التنغيم، تداول الإيقاع، التكرار الممنهج العفوي لزوم الأبيات الشعرية الجديدة، وفي منطقتنا الشرقية بقيت الموسيقا الصوفية موحدة تقريباً في نوعية الأداء وتراوحت بين الغناء ومرافقة الدفوف، وأحياناً في استخدام آلة «الناي».