الملحق الثقافي

الأحد الذي فقد ساقيه من أجلكِ

شعر: صلاح حيثاني

(1)
ذات مرّةٍ فكّرنا
ماذا لو إن للماءِ نفساً
كما صنّف ابن سينا النفوس
وجعل للنباتِ نفساً شريفة
كيف سيقذف ببدنه إلى الحريق؟
في ذلك اليوم
اعتذرنا كثيراً للماء
قبل أن نشربه
كنّا جدّيين تماماً
كما لو إننا قرّرنا قتله.
بجرعات
هادئة

(2)
أشياء كثيرةٌ
تطاردنُي في طريقي إليكِ ...
جغرافيّون تركوا مدوّناتِهم في قطارات عاطلة،
متسلّقون فقدوا طريقهم إلى القمّةِ
وماتوا على السفح
متصوّفةٌ ناموا في النقطةِ
حتى اتّسعتْ عليهم
عابرون دخلوا المدينةَ
من البابِ ذاتِها ولم يصلوا
طرائدَ تتجوّلُ على الحافاتِ
وكأنها تفكّرُ جدّياً بانتحارٍ جماعيّ
موسيقيون يعبثون بالصيف
كما لو إنه خرزةٌ سقطتْ من خاتم الأبدية
أشياء كثيرةٌ في طريقي إليكِ
تقودني إلى غيابي

(3)
منذ سنوات وأنا أبعثُ لك بدمىً كثيرة
كنت تفضّلينها لحيواناتٍ غير معمّرةٍ
مثل حياةِ الشعراء
(كما كنت تقولين)
وعندما سألتكِ في آخر مرّةٍ:
كيف تجدين مكاناً لكلّ ما معك من دمى؟
حدّقتِ طويلاً في الفراغ قبل أن تقولي:
ـ إنها لا تحتاج إلى مكان
بعد موتِها

(4)
كنتُ أزخرُ بكِ وأنا أراقبُ الأشياءَ من نافذةِ الباصِ
مررْنا بساعةِ (أبرشية خودا)
كانت تبدو وكأنها في محاولةٍ يائسةٍ
لتبديدِ عزلتِها
عقاربها وعتلاتها الغامضة
تدبُّ هي الأخرى بيأسٍ
تشيرُ إلى 11:40
ما الذي يعنيه الزمنُ للساعةِ ذاتِها؟
أفكّر الآن بساعاتٍ هائلةٍ
تدّخرُ الزمنَ في أحشائِها
ساعاتٍ تقشّرُ الوقتَ عن مادتِه
وتطلقُه عارياً
كذئبٍ أشعث

(5)
حاولي فقط أن تتذكّري
إن الماء
سيئنّ كثيراً
قبل أن يلقي بنفسه
إلى القدح
(6)
اعبري إلي
اعبري
ولو
بمحض غيابك.

(7)
(مارخيا) التي رقصتُ معها للمرّةِ الأولى منذ سنتين
قالتْ: ليس عليك أن تموتَ لنصدّقَ،
بل عليك أن تواصلَ موتك لنفعلَ ذلك
لن يكونَ بالتأكيد هو ذاته الموت
الذي ادّخره الحلاجُ لنفسِه
ولا الصوفيّ الذي كان يعْكفُ
على تقشيرِ بدنه في الخلاء
ولن يكونَ موتاً شبيهاً بموت ابن المقفّع وابن برْد،
ولا حتى ابن المعتز
سيكون موتاً سهلاً وليّناً،
وكأنك تكتشف بغتة وأنت تفتحُ البابَ،
أن الفراتَ غيّر مجراه،
ومن غير أن يكتشفَ أحدٌ بعد
إلى غرفةِ نومك.

(8)
كما سأفعل مع أصدقاءٍ قدامى
يباغتون أحلامي بأجسادهم الممزقة
من فرط حروبنا الغامضة
سأفعل معكِ...
أحدّثكِ كثيرًا عن الغد
وأنا أسبقكِ إلى الهاوية.

(9)
إذا دخلتِ الماء
لا تنفرطي
وامكثي فيه كما
تمكث النقطة
في النون.

(10)
إنه ماء يواقيتك
أضعه بيني وبين قدح نفسي
حتى تزخر حدائقي
بأشجار غيابكِ.

(11)
أنتِ يا من أعبر إليكِ الجهة
إلى جهتِها الأخرى
كتب الغزالي (كيمياء السعادة)
ليجعلنا نمسك طرفي الأرض
حتى لا تنزلق بعيدًا
في كيمياء مضادة.

(12)
أحبّكِ
أحبّ الصيف الذي يركض في بدنِك
أحبّ الميم لأنها سقطت من اسمِك
أحبّ الماء
لأنه هو الآخر احتفظ لصوابك
ببعض الأخطاء الصغيرة التي تجعله
أبيض كنسياني
وطويلًا كليلةِ القدر
أحبّ عادتكِ بالنظر إلى الثمرةِ
وكأنها شجرة فقدتْ ذاكرتها
أحبّ صورتك الأخيرة،
ليست الأخيرة تماماً،
ولكنها الصورة التي تظهرين فيها كمسيح
سقط في ماء نسيانه
أحب الأسباب التي تقودني إليكِ،
وتلك التي تقودني إليك ولا أصل
أحبّ الطاولة لأنها منذ يومين
تدّخر مصل غيابك
أحبّ الشوكة في يدك،
لأنها تبدو مسالمة
وأحياناً تبدو وكأنها تعتذر
قبل أن تلتقط الثمرة بأسنانها
أحبّكِ ليس لأنني أحبّك وحسب،
ولكن أحبّك كما يحبّ المحكوم بالإعدام بدنَه
أحبّ نظرتك التي لم يرها أحد سواي
وهي تسقط
ولم يرها أحد سواي وأنت تعيدينها،
لتسقط ثانية
وأحبّ أيضاً هذه المرة
أن تسقط وتنسينها
كما ينسى الرجل نسيانه
ويسقط
أحبّك
أحبّ كرسيّك الذي مازال يتوحّد قرب النافذة
كرجل أعزل
أحبّك أيضا، وهذه المرّة من أجل رسائلي التي لم تصل،
لأنها تضلّ طريقها إليك
فقط عندما لا تستحقك.
أحبك
كما لو إن صيفًا طويلاً عانق نفسه
ومات محموماً

(13)
هذا الصباح
وعلى نحو لا يمكن تفسيره
شعرت أنك تكمنين في أحشاء الهواء هذه المرة
تعرفين أن المرآة فاضت على نفسها
وإنّ الكنايات الكثيرة التي كنا نتخفّى وراءها
من أجل أن نباغتك
انحسرت بغتة
وتركتنا مكشوفين أمامكِ
كما لو أننا أفكار عاطلة
هذا الهواء الذي يحفّك
الهواء الذي يخفيك في أحشائه
الهواء الذي يتنفّس بعضه
من أجل أن لا يحدث جلبة من حولك
سيكتشف هو الآخر
حين يفشل بجعلك تحتفظين به في رئتيك
أنه لا يجب أن يبقى حيّا بعد الآن

(14)
المطر يهطل
إنه فأل حسن
هذا ما أردتكِ أن تتأكدي منه
إنه فأل حسن أن يهطلَ المطر
في يوم سبتٍ
السبت الذي أخبرتك ذات مرة أنه أحدٌ متأخر
أفكّر فيما يمكن أن تفعلينه الآن
إنها الثانية وأربع وعشرين دقيقة
وهو السبت
(الأحد الذي فقد ساقيه من أجلكِ)
ستكونين الآن على الأريكةِ التي تواجه الخزانة
تحدّقين في كوب القهوة
.. أحدهم يتحدّث عن المائدة
ستفكّرين لبرهة
بالأسباب التي تجعل الهدنة بين المائدة والكرسيّ
أبدية
إنها أسباب حقيقية
تلك التي جعلت الكرسيّ
يمدّ بدنه تحت المائدة
فأل حسن أن يهطل المطر
أليس كذلك؟
فأل حسن أن النظرة تسبقنا دائماً
وهذا تماماً ما سيجعلها ترتدّ إلى عينيكِ
مبللة بالسبت
إنه فأل حسن
أن يفكّر فيكِ أحدهم من أطراف الهواء
إنه فأل حسن أن تعرفي
كم أن السبت يجعلنا سريعي العطب
مثل ماء يتطلّع إلى القدح
من أطراف عطشهِ