الملحق الثقافي

استعادة «الفردوس المفقود»

توفيق عابد

تتناول المجموعة القصصية الجديدة «عزوز يغني للحب.. قصص فلسطينية من ألف قصة وقصة» للدكتورة عايدة النجار المأساة الفلسطينية، وترسم بأسلوب سلس وبسيط وجاذب ودون إيغال في بحار اللغة، الإنسان الفلسطيني الصلب الذي يتحدى الاحتلال في واقع صعب من أجل استعادة ما أسمته المؤلفة «الفردوس المفقود». والمجموعة القصصية «144» صفحة الصادرة عن السلوى للدراسات والنشر بعمّان مهداة وفق المؤلفة «للأهل الذين أعيش معهم وأنا أكتب عن المأساة.. في كل الأمكنة تحت الاحتلال.. الرجال والنساء.. الشيوخ والأطفال في الدور والمخيمات.. في ظلام السجن وتحت سماء الأحلام الملونة.. إلى الأرض التي تلبس الزيتون وتتزين بقوس قزح ويتحدى أهلها الاحتلال من أجل وطن حر متجذر في الوجدان ولكي تشرق شمسه كل ضحى».
ومن خلال (61) قصة قصيرة توثق الكاتبة ما يجري من أحداث تحت الاحتلال لكي لا تنسى هي، ولا الأجيال، الأرض والإنسان.. جامعة بين الحقيقة والتخيل بأسلوب لا يتعارض مع خصائص القصة التي تمنحها حسب رأيها حرية أكبر وتتصرف بالشكل والمضمون دون أن تفقد عناصرها المهمة وهي: الزمان والمكان والأحداث والشخوص التي يحركها غضب مادي ونفسي أو سعادة من أحلام وآمال.
وبأسلوبها العذب تنسج عايدة النجار قصصاً تهز القلوب بواقعيتها وتخيلاتها وتحرك الوجدان، وتجذب القارئ كالمغناطيس من بواكير حكاياتها وحتى نهاياتها لما تحتويه من قصص مشهودة وملموسة من الواقع الفلسطيني المثقل بالهموم والقلق مرت علينا، لكنها جذبت انتباه الكاتبة وصاغتها مشحونة بخزينة من المشاعر ومسكونة بوجدانية طيبة؛ فعبرت فيها عن قناعاتها الفكرية والجمالية بوفاء ثابت لا يقبل التلون تجاه الأرض والإنسان.
والمتصفح للمجموعة يلمس توحد الكاتبة العاشقة مع المكان وذاكرته وصدقها في تصوير ماضيه وما آل إليه في الحاضر، حيث تغيرت طقوسه وتقاليده جراء القادمين من خارجه الذين لا يقدرون قيمته ويحاولون طمس ذاكرته وزرع ذاكرة غريبة. وفي «عزوز يغني للحب»، قالت المؤلفة ما لم يقله قاصون، فقدمت وصفاً دقيقاً للأشخاص والأماكن والأسماء باللغة الفصحى واللهجة المحكية والأغاني الشعبية المتداولة أحياناً في تناغم ملفت وجميل. وكانت في «صديقي العامل الفلسطيني» بطلة القصة وهي تنتظر على معبر «إرتز» الإسرائيلي للدخول إلى غزة: «كتمت غيظي والمجندة بشعر أجعد أصفر رخيص تتسيد.. كتمت صرختي، وهي تلوك اللبان بشكل بذيء استفزني.. كتمت كرامتي، وهي تصوّب قاع الحذاء نحو عيوني.. كتمت صرختي لإهانة كل القوم.. لاكت اللبان ورمت الوثيقة في وجهي».

من هو عزوز!!
وقد يقفز للذهن أن عزوز هو العاشق أو الحبيب، كما يشي عنوان المجموعة بهذا الاتجاه، لكنه عصفور الكناري الذي قتل جنود الاحتلال حبيبته ذات الرداء الأحمر أثناء اجتياح مخيم جنين شمال الضفة الغربية، وبقي في قفصه وحيداً يبكي وحدته بلا بيت وعائلة، بعد كان يمتع صاحبه وزبائنه في دكانه الذي يعتاش منه بالغناء أحيانا والصياح أحياناً أخرى قبل مجزرة المخيم. وجاء في «عزوز يغني للحب»: «قطعوا رؤوس أصدقائه الطيور وظل يذرف الدمع على فراق الحبيبة.. يزقزق من لوعة الشوق.. تعطلت الحنجرة وبح الصوت الذي كان يطرب مدينة جنين.. حزين اليوم لأنه لم يستطع إنقاذ الحبيبة وفداءها بإحدى الجناحين.. خاف من الموت واختبأ تحت حجر. ورغم بساطة اللغة، إلا أنها تحمل الكثير من الرسائل والرمزية وخاصة الثبات على الأرض مهما يفعل القادمون؛ فالطير لم ينس حبيبته، لكننا نسينا الوطن ولم نحطم ساطور الجلاد، وعلى لسان صاحب جنة الطيور جاء: «هدموا بيتي وقتلوا أطفالي وحرقوا عصافيري.. أتجول مع صديقي عزوز نبحث عمن تبقى خوفا من الغربان.. نبحث عن المكان لنعيش من جديد في بيت من هواء وحب ونور».

صوت الأنثى
وحسب الناقد الدكتور إبراهيم السعافين الذي كتب مقدمة المجموعة القصصية فإن القصص تمثل حكايات المكان الغائب الحاضر معاً، فمن يتصفح قصص المجموعة يكتشف الألم الكامن في الأعماق لفقد مكان أثير يعيش في الذاكرة ويسكن مطمئناً في الوجدان.. مكان يؤجج مرارة الفقد، ولكنه فقد الحاضر الذي لا يغيب». كما تكشف عمق المأساة الفلسطينية وتضيء في الوقت ذاته صلابة الإنسان في وقوفه بوجه التحديات الشرسة حبا في الحياة وطلبا للحرية والتجذر بالأرض التي تعيش متوهجة في الوعي والوجدان.
ومن وجهة نظر الدكتور السعافين، فإن القارئ لا يخطئ الألفة الحميمة بين الكاتبة والمكان، فقد استطاعت الكاتبة أن توحد بين ذاتها والمكان وناسه وأشيائه، وتقدم صورة من المعتقدات والعادات والتقاليد والتاريخ والأزياء والطقوس.. فالمكان بدا في المجموعة هو البطل الذي تتحرك فيه ومن حوله الأفكار والأحداث والشخصيات.
وقال: «ليس من شك في أن مرارة الفقد بفعل القوة والقهر والظلم المؤيد من قوى العالم المتمدن وغير المتمدن للمحتل المغتصب سبباً إضافياً وراء هذا التوحد بالمكان الفلسطيني والاحتفاء به».
ووفق السعافين هناك أمر لا يمكن تجاهله وهو ظهور صوت الأنثى برقته وعذوبة لغته وتدقيقه في التفاصيل التي يصعب تشكلها خارج وعي الأنثى وقدرتها على الحياكة والتشكيل.
وتجدر الإشارة إلى أنه صدرت للكاتبة ثلاثة مؤلفات هي «صحافة فلسطين والحركة الوطنية في نصف قرن» و»بنات عمّان أيام زمان.. ذاكرة المدرسة والطريق» و»القدس والبنت الشلبية» وعشرات الدراسات والبحوث.