ثقافة

قاسم حدّاد: موت الشعر فكرة عبثية وصبيانية وخارج أي منطق نقدي

قاسم حداد (يسار) وعلي عبيد خلال المحاضرة (تصوير حسن الرئيسي)

قاسم حداد (يسار) وعلي عبيد خلال المحاضرة (تصوير حسن الرئيسي)

جهاد هديب (دبي) - “لا أعرف لماذا يصادف في حقل الأدب، أن نستخدم لغة العنف المهيمنة؟ موت الشعر تعبير بالغ الضراوة مع أكثر الكينونات جمالاً وألفة وهشاشة. فمن يا ترى يرغب في حضور جنازة الشعر؟ شخصياً لا أرغب في ذلك. لقد سئمت الجنازات، خصوصاً إذا كانت جنازتي. فموت الشعر يعني أنني غير موجود، وربما سوف لن نكون موجودين عندئذ”.
هكذا بدأ الشاعر البحريني قاسم حداد أحد رموز الحداثة في الشعر العربي محاضرته “هل مات الشعر في زمن الرواية؟” التي قدمها مساء أمس في مقر ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وحضرها معالي محمد أحمد المرّ رئيس المجلس الوطني، وسلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة الندوة، وبلال البدور المدير التنفيذي لقطاع الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وقدم المحاضر فيها الإعلامي علي عبيد الهاملي.
وسعى علي عبيد الهاملي في تقديمه المحاضر إلى ملامسة جوهر سؤال المحاضرة، أي عنوانها “هل مات الشعر في زمن الرواية؟” من خلال استعادة زمن شعري سابق غاب وغاب كباره من الشعراء، ومستعيداً رأياً لنزار قبّاني فيما كتب في أواخر زمانه عندما رأى أن القصيدة العربية الراهنة باتت “عانساً لا يريد أن يتزوجها أحد”، غير أن الهاملي قدّم الشاعر قاسم حداد بطريقة مختلفة عندما قرأ مقاطع من نصّ كتبه الشاعر عن نفسه بعنوان: “توصيف الشخص”.
أما عن “هل مات الشعر في زمن الرواية؟”، فيمكن القول إن ما قدّمه قاسم حدّاد كان مرافعة ثقافية ذات حساسية شعرية في الدفاع عن الشعر، خاصة أنه استهل بالإشارة إلى أنه لا إجابات قاطعة لديه ولا حتى حقائق قاطعة.
وقال قاسم في محاضرته إن “فكرة موت الشعر بحد ذاتها تبدو عبثية وصبيانية، وخارج سياق أي منطق نقدي”. ولعل من أبرز ما جاء في المحاضرة، ما طرحه قاسم حداد في هيئة تساؤل: “من يستطيع أن يقرر بثقة مطلقة موتَ كينونة الشعر، هذه الكينونة القائمة بصلابة منذ قرون بضربة قاضية من كينونة الرواية، كينونة لم يمض على ظهورها ونموها وانتشارها غير سنوات”.
ثم انتقل إلى سياق ثقافي مقارَن مع الغرب، فرأى أن الفنون السردية، وبالتالي إرهاصات الرواية، بدأت هناك منذ القرن الثامن قبل الميلاد مع “هوميروس”، “حيث تشكّل الإلياذة أقدم نص أدبي مكتوب في الأدب الغربي، ليمتزج عندهم الشعر بالسرد منذ لحظة الكتابة الأدبية الأولى”. أما عن المقابل العربي الثقافي الراهن، فألمح قاسم حداد إلى ذلك بالقول: “أخشى أن يكون قول بعض العرب بموت الشعر وحلول زمن الرواية صادراً عن وهم القداسة على الجانبين: محاولة خلع تقديس الشعر بالسعي إلى قتله، (من جهة)، وتكريس الرواية سعياً إلى تقديسها (من جهة تالية)، كما لو أننا أمة لا تقدر على الحياة من غير طوطم”.
بعد ذلك تحدث قاسم عن “التعايش” بين الفنون والأجناس الأدبية معاً ومع الفنون الأخرى في إطار خطاب ثقافي منفتح معرفياً، أساسه هو الحق في ممارسة الكتابة بأي شكل تعبيري بوصف ذلك، كما يقول “خروجاً على التصنيف الموروث، بين الشعر والفنون الأخرى، (والذي هو) امتثال للتصنيف القديم لفنون التعبير، في حين أن التطورات الثقافية الهائلة في القرنين الأخيرين جعلت هذا التصنيف نافلاً وخارج الجوهر إلا بداعي التعبير الفني الحديث”.
وقدّم قاسم حدّاد العديد من التأملات الثقافية حول بعض الظواهر، مثل ميل الشعراء إلى كتابة الرواية وسواها من الظواهر الراهنة والمنتشرة عربياً، التي يشعر المرء معها أن ما يقوله حدّاد هنا عبارة عن إعادة تدوير لتجارب شخصية في فعلين إبداعيين متوازيين: القراءة والكتابة، وهي تجربة، مع قاسم حدّاد ترقى إلى أكثر من أربعين سنة وتقترب من الأربعين كتاباً.
ولعل من أجمل ما قال في ختام ورقته: “الشعر، عمقياً، هو ماء البلور الجوهري لكل نشاط إنساني في حقول التعبير الفني كافة، فأنت ستصادف الشعر في جميع أشكال التعبير الفنية من بصرية وكتابية وموسيقية”.
وبعد ذلك، وأثناء الحوار وطرح العديد من الأسئلة، لم ينقطع خيط التأملات، غير أنها اتسعت لتلامس تخوماً أخرى بلغت مأزق الثقافة العربية الراهنة المتمثل في حضور الإقصاء وغياب الحوار. في هذا الصدد، أوضح قاسم حدّاد أن موقفه في هذه الورقة ناجم عن قلقه تجاه الشعر وليس تجاه جماهيريته، مؤكداً وجود أزمة في الثقافة العربية بأسرها وليس في الشعر وحده، ومشيراً إلى أن هذه أزمة لا يتحملها المثقف العربي، بل النظام العربي بمجمله في لحظته الراهنة هو المسؤول عنها.