الملحق الثقافي

سعد البازعي: قصيدة النثر.. أتون الكتابة

سعد البازعي: النقاد العرب عالة على الغرب

سعد البازعي: النقاد العرب عالة على الغرب

من يقرأ كتب ودراسات د. سعد البازعي (في أغلبها الأعم طبعاً)، يلحظ أن هذا الناقد / المفكر يحمل أفكاراً، لا ليستهلكها، بل ليعيد إنتاجها، ثم يتجاوزها بإنتاج إبداعي ذي أسئلة مفتوحة. كما يلحظ أن النقدية التي تعتمره، تستعصي على التأطير الساذج، ولا تسمح، بالتالي، بانضواء الثابت المريض تحت جناحها المتغيّر الحيوي. في ما يلي نص الحوار معه:
النقد في الخليج
* لنبدأ من المشهد النقدي في السعودية والخليج.. لكأن هذا المشهد ظهر ولم يكتمل ظهوره بعد، على الرغم من سطوع أسماء بارزة ومتجاوزة فيه مثل: عبدالله الغذامي، وسعيد السريحي، وسعد البازعي، ومعجب الزهراني، ومحمد العباس.. ما تعليقك؟
** سعد البازعي: لا أدري ما المقصود باكتمال الظهور. إن كان المقصود ممارسة التأثير، ففي ظني أن كثيراً من النقاد السعوديين، مثل من ذكرت، معروفون ومؤثرون في المشهد النقدي العربي. أما إن كان الوصول إلى مرحلة النضج، فقد يكون النقد في السعودية أقل اكتمالاً، من حيث مستوى الطرح، مقارنة بالنقاد المغاربة مثلاً، لكني أعتقد أن النضج مشكلة النقد العربي بأكمله، كما حاولت أن أوضح في كتابي «استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث».
* إذا استثنينا الغذامي، وأنت ايضاً، نلحظ أن المشروع النقدي، والقائم على مبدأ الاستمرار المنتظم للتجربة النقدية، وتطوير دوائر أسئلتها في المنهج والتحليل والخطاب، واستطراداً، تأسيس تصورات إضافية جديدة على السائد النقدي، نلحظ أن هذا المشروع النقدي، ضعيف الوجود إجمالاً على المستوى الخليجي... إلام تعزو ذلك؟
** أظن أن المشهد النقدي الخليجي زاخر بالنقد السعودي، فهو الأكثر حضوراً دونما مبالغة، وإن لم يعن هذا تفوقاً نوعياً، فعدد المشتغلين بالنقد في السعودية أكبر لأسباب كثيرة. أما الاستمرارية التي أشرت إليها، فهي لا تصدق على بعض من ذكرت. الغذامي مثلاً، أعلن موت النقد، وانصرف إلى دراسة القبيلة والتلفزيون ومسائل أخرى، تنضوي تحت ما أسماه النقد الثقافي. فلا أرى استمراراً لديه. أظن أن نقاداً من جيل أصغر نسبياً، مثل معجب العدواني، وحسن النعمي، ومحمد العباس، أكثر استمراراً من بعض الأسماء، التي باتت مكرسة وهامشية الإنتاج فيما يتعلق بالنقد الأدبي.
نقد الصحافة* النقد الأدبي في الصحافة والدوريات الأدبية والثقافية الشهرية، السعودية منها والخليجية بعامة، كيف تقومه، انطلاقاً من أن أغلب رواد الحداثة النقدية العربية، انطلق أصلاً من الصحافة والدوريات؟
** الصحافة الثقافية ما تزال تقوم بدور حيوي في تنشيط الحياة النقدية والثقافية بشكل عام، سواء في ذلك الحداثي منها أم المحافظ. بل إن الصحافة في تقديري هي الأبرز حالياً، وأقصد بها اليومية، وليس الدوريات، فهذه ضعف دورها كما يبدو لي.
* يأخذ البعض على روّاد النقد العربي الحديث من طراز: كمال أبوديب، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد مفتاح، وعبد الفتاح كيليطو، وعبد السلام المسدي، وصلاح فضل، وجابر عصفور، وخالدة سعيد (مثالاً لا حصراً) أنهم لم يبلوروا عميقاً، اتجاهات نقدية تودي بهم إلى قيام نظرية نقدية عربية... دائماً أدوات الخطاب التحليلي لديهم، تنطلق من نظريات ومناهج غربية، على الرغم من آيات النصوص النقدية التي أنتجها بعضهم، بتناوله لنصوص شعرية، وغير شعرية تراثية، كيف ترى الأمر؟
** هذه هي أطروحة كتابي «استقبال الآخر»، وكذلك ما ورد في كتاب «دليل الناقد الأدبي» المشترك مع الزميل د. ميجان الرويلي. كل من ذكرت، وغيرهم – ولا أستثني نفسي – عالة على نظريات النقد الغربي، يشرحون ويطبقون. الذي أنتج نقداً هو الأقرب إلى الاستقلال عن جوقة التمثل الغربي، كان شكري عياد، من خلال ما أسماه «التفسير الحضاري»، لكنه لم يكمل المسيرة مع الأسف. كما أن من الإنصاف تقدير تجربة عبد الفتاح كيليطو، بشكل خاص، لحفره العميق في الموروث العربي، وقراءاته المدققة في ما يقرأ من نصوص.
تلميع صورة اليهود* نلحظ أن مشروعك النقدي توسّع ليطلّ على قضايا دينية وإيديولوجية عالمية، هي غير متوقعة من ناقد عربي، ككتابك الملفت جداً: «المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، والذي اهتمت به دوائر إعلامية أميركية، كمجلة «الفورين بوليسي»، التي قدمت له عرضاً على صفحاتها، وكتّاب يهود أميركيون مثل بوب سلوفان... إلخ. باختصار، كيف أقدمت على هذا المشروع، وهل كان مردوده إيجابياً، أقله من الناحية المعرفية للأمور؟
** اهتمامي بالدور الحضاري لليهود نبع من تخصصي في آداب اللغة الإنجليزية، حيث يُعدّ من البديهي أن تلك الآداب بوصفها مكوناً أساسياً للحضارة الغربية، نبعت من مصدرين رئيسين: اليوناني/ الروماني واليهودي/ المسيحي. المثقفون العرب في الغالب لا يرون سوى المصدر الأول، في حين أن الثاني، الذي قد يعرفونه ويقللون من شأنه، لا يقل أهمية في واقع الأمر. ويضاف إلى ذلك أن اليهود منذ عصر الأنوار، وتحررهم من الغيتوات، لعبوا أدواراً مهمة في تطوير الثقافات الغربية بإسهامات استمدت بعض مكوناتها من خلفياتهم اليهودية الدينية حيناً، وتجربتهم الأقلوية التي اتسمت بالاضطهاد غالباً حيناً آخر. وفي كتاب «المكون اليهودي» وقفة مطولة عند العديد من الأمثلة، التي تدعم هذه الأطروحة ابتداء بسبينوزا وانتهاء بدريدا.
* بعض الصحف العربية اتهمك بأنك سعيت (من خلال كتابك المذكور) «لتلميع صورة اليهود».. بماذا تعلّق؟
** القارئ العربي غير معتاد للحديث عن آخر معادٍ في الغالب، كاليهود، بشكل إيجابي. ومن هنا جاء الكتاب صادماً للبعض. لكن الكتاب لو ترجم للغة غربية لربما هوجم بتهمة معاداة السامية، من زوايا غير تلك التي يلحظها القارئ العربي. فهو يقوم على أطروحة أساسية تقول إن التجربة الأقلوية لليهود وسمت عطاءاتهم بمواقف عدائية تجاه الآخر المسيحي، والدفاع عن مصالحهم بوصفهم فئة مضطهدة، ومن أوضح الأمثلة في الكتاب، فرويد الذي ما تزال تظهر، حتى الآن، دراسات عديدة تؤكد السمة اليهودية لمنهجه في التحليل النفسي.
الشرق والغرب* كيف تحدّد الغرب؟.. ما هو المجال الدلالي لهذا المصطلح لديك؟
** شكراً لهذا السؤال الصعب. الغرب، مثل الشرق، مفهوم شديد التركيب والتعقيد، ولو انطلقنا من الوعي بذلك القدر من التركيب والتعقيد، لما استطعنا استعمال ذينك المفهومين. لذلك نحتاج إلى تبسيط الأمور، أو تسطيحها قليلاً، لننظر إلى الغرب بوصفه مجموع المكونات الإنسانية والثقافية التي تطورت في أوروبا وأميركا الشمالية، والتي استمدت الكثير من عناصرها من الموروث اليوناني/الروماني والمسيحي/ اليهودي (إلى جانب المكون العربي الإسلامي الذي كثيراً ما يتجاهله الباحثون الغربيون) سواء على مستوى المعتقدات أم اللغات أم العادات وغيرها.
* في النظرة إلى الغرب، تجري غالباً لدى المفكرين العرب، محاكمة الشرق من خلال مجابهته ومقارنته بالغرب. بترجمة أخرى، يجري تحقير الشرق غالباًَ، وقبول الغرب كأنموذج خلاصي بديل؟
** هذه مشكلة متأصلة في الثقافة العربية منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر. وإذا كانت المقارنة حتمية، ونقد الذات مطلوباً، فإن التحقير ناشئ غالباً عن أزمة لدى الفكر العربي الليبرالي والعلماني، الذي يسعى لتحقيق النموذج الغربي بأي ثمن، متجاهلاً أزمات الحضارة الغربية، ووجوه نقصها، ومتهماً من يتحدث عنها بالماضوية.
لكن من الضروري أن نستحضر، في مقابل تلك المشكلة، تلك المتمثلة بالإعلاء المبالغ به لتاريخ الشرق، وإسباغ صفات أخلاقية مبالغ بها على تاريخه، ونسبة كل جديد إليه. تلك أيضاً مشكلة متأصلة أخرى.
خارج الأيديولوجيا* تحدث إدوارد سعيد عن «المشروع النقدي المتجاوز الحدود الإيديولوجية والقومية والأسطورية ليصل إلى فكر نقدي محض، وعالمي».. هل خامرك شعور كهذا وانت تتصدى نقدياً لموضوعة «الجماعات اليهودية» في الغرب؟
** لم يخطر ببالي أن أسعى في ذلك الاتجاه بشكل واعٍ، أو أن أضع بحثي، سواء حول اليهود أم غيرهم تحت مظلته. لكني مع ذلك، أرى قيمة ذلك المشروع، وأهمية السعي إليه، مع علمي بأنه يظل طوباوياً بعيد المنال. أقرأ هذه الأيام كتاباً للباحثة الأميركية «إميلي آبتر» بعنوان: «مناهضة الأدب العالمي» (2013) تنتقد فيها ذلك المسعى، أي عالمية الأدب، عند إدوارد سعيد وغيره، لأنها ترى في ذلك تهميشاً للاختلاف والتنوع، وسعياً لفرض هيمنة ثقافية غربية على العالم. المفارقة هي أن نقد «آبتر» يتأسس على مكتسبات النقد مابعد الكولونيالي، الذي يُعدّ سعيد أحد مؤسسيه، من خلال التأكيد على مفهوم «ما لا يقبل الترجمة»، المفهوم الذي عززه المعجم الفرنسي الذي صدر في العام 2004، بإشراف الفرنسية «باربرا كازان» بعنوان: «معجم ما لا يقبل الترجمة» Vocabulaireeuropeén des philosophies: Dictionnaire des intraduisibles والذي شاركت «آبتر» في ترجمته هذا العام، وصدر أيضاً هذا العام. وبالطبع فالمقصود هنا بعدم قابلية الترجمة، ليس استحالتها، وإنما شدة صعوبتها، وبقاء بعض المفاهيم مستعصٍ على النقل السهل.
* يقال إن الدولة الغربية اليوم، لا تزال تدين «بديانة هيجل»، وكل التيارات اللاعقلانية اليوم، أو الرافضة للمركزية الغربية هامشية داخل مدن الغرب.. فعلى أي كتابة نقدية إنسانية جامعة يراهن البعض من خارج هذا الغرب؟
** ليس كل الرافضين للمركزية الغربية، سواء من داخل الغرب أم من خارجه، لاعقلانيين أو هامشيين، فثمة نقاد كبار للحضارة الغربية من داخلها، ومنهم على سبيل المثال، المفكران الفرنسيان «ميشيل فوكو» و»إدغار موران» والكندي «تشارلز تيلور»، إلى جانب مدرسة فرانكفورت في النصف الأول من القرن الماضي، ولاسيما في نقدها الشهير للتنوير. نقد أولئك، هو مما أعوّل عليه، وأعتقد أن آخرين يعوّلون عليه أيضاً، وإن كنت أرى أن المثقفين العرب أكثر انشغالاً بما يعلي من تلك المركزية بمتابعتها منهم بنقدها، والكشف عن مشكلاتها، على ألا يفهم النقد بأنه رفض أيديولوجي، وإنما هو سعي نحو رؤية مركبة لحضارة تشمل العالم اليوم، وتشتمل على الإنجازات الهائلة والمشكلات الكبرى أيضاً.
الحضارة انتصار * هل نسمّي تاريخ العالم المعاصر بأنه تاريخ توسع الأنموذج الغربي؟ فثمة شبه إجماع، بأنه لم تزل الإيديولوجيا الغربية تقطع مع التاريخ العالمي كله، وتميز شعوبها بشكل نوعي عن باقي شعور الأرض.. هل الحضارة هي استمرار إعلان الانتصار على الآخر بأشكال مختلفة طبعاً؟
** أعتقد أن الحضارة إعلان انتصار على الآخر، وعلى الذات معاً. الانتصار على الآخر، يعني الانتصار على ذاته المتعالية وطغيانه، والانتصار على الذات، يعني اكتشاف مواطن الضعف لدى الذات، وتقبّل الجوانب المضيئة لدى الآخر. وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن نقد ابن خلدون للحضارة العربية الإسلامية، شكل من أشكال الانتصار لها، مثلما أن نقد بعض مفكري الغرب لحضارتهم انتصار لتلك الحضارة، انتصار إنساني وحضاري في الوقت نفسه، لأنه يعلي من قيم تكاد الجوانب البربرية، كما سماها «موران» في «ثقافة أوروبا وبربريتها»، أن تطمسها.
* السياسة هي أضيق الآفاق الإيديولوجية المسيطرة، وأنها مرشحة، مهما طال جبروتها إلى السقوط؟.. «كاستورياديس»، فيلسوف فرنسي من أصل يوناني، دعا إلى «إقامة عقد اجتماعي عالمي جديد، ينهي زمن السياسات الضيقة، إذ لم يعد بمقدور أحد في الغرب، استغباء أحد في الشرق، مهما طالت سطوته عليه.. وعلى الشركات والتروستات المالية المحتكرة في العالم، أن تغادر زمن فتوحات الإسكندر، إذا ما أرادت للإبداع الرأسمالي الغربي أن يتقدم ويزدهر أكثر».. ما تعليقك؟
** هذا لون من ألوان النقد الحضاري المطلوب والمنسجم مع أطروحات نابعة من عمق الحضارة الغربية. لكن الاحتكار الغربي لن يتراجع بناء على نداء فيلسوف، أو غضب شاعر، وإنما تحت ضغط الواقع الجيوسياسي والاقتصادي. اليوم يطالب الكثير من الدول بإنهاء الهيمنة الأميركية على الإنترنت، ولاسيما بعد انكشاف الاستغلال الأميركي للشبكة العالمية، ونظام الاتصالات للتجسس على الدول الأخرى. لو حصل ذلك، ستواجه شركات أميركية احتكارية مثل «جوجل» و»فيس بوك» احتمالات انحسار هيمنتها. لذا فإن العقد الاجتماعي الذي يدعو إليه «كاستورياديس»، يمكن أن يتحقق بتكاتف دولي يفرض واقعاً مختلفاً.
* إنه لأمر مهم للغاية أن نقرأ الآخر، وننقد الآخر، ولكن بنديّة المعرفة أولاّ وأخيراً، والسؤال الآن، كيف السبيل لإدخال محتوى جديد لمفهوم الثقافة العالمية، لجعلها مقبولة من الجميع؟
** التطلع إلى ثقافة عالمية يشبه التطلع إلى أدب عالمي، والنقد الذي وجه إلى هذا، يمكن أن يوجه إلى ذاك. الثقافة العالمية تعني هيمنة أنموذج حضاري واحد على حساب التعددية والاختلاف، تماماً مثلما هي فكرة أدب عالمي تلغي اختلاف اللغات. نحتاج بدلاً من ذلك إلى تعميق الحوار والسلام العالميين، ومكافحة الهيمنة التي تسعى بعض الشعوب والثقافات لتحقيقها عبر ظواهر كالعولمة.
جدل التجديد* لنتحدث عن الشعر والشعرية في المملكة العربية السعودية، ولاسيما أنك أول ناقد سعودي يضع كتاباً محورياً مميزاً في تجارب شعراء سعوديين ينتمون لأجيال عدة تحت عنوان: «جدل التجديد: الشعر السعودي في نصف قرن». وهذا الكتاب الصادر في العام 2009، أثار الكثير من النقد، المنطلق في الواقع من حساسيات مختلفة، لعل أولاها متأتٍ (على ما يبدو) من استثنائك لأسماء شعرية كثيرة فيه. الآن، لو قُيّض لك إعادة تأليفه، فماذا كنت ستعدّل فيه، أو تضيف عليه، أم أنك ما تزال راضياً عن حفرك النقدي التقويمي للمشهد الشعري السعودي فيه؟
** كتابي «جدل التجديد» جاء بتكليف من وزارة الثقافة السعودية في محاولة لرسم صورة عامة، أو خارطة للمشهد الشعري السعودي عبر نصف قرن، يمكن للقارئ، غير المتخصص، أن يتعرف من خلالها على معالم المشهد الشعري في السعودية. ومن الطبيعي في محاولة كتلك، ألا ترد كل التفاصيل، بل أن تغيب تفاصيل ليست هامشية، وإنما مهمة. ذكرت ذلك في بداية الكتاب، وسأذكره لو أعدت كتابته مرة أخرى. ربما في المرة الأخرى، لو تمت، سأذكر تفاصيل غابت عن المحاولة الأولى. لكن من المؤكد أن تفاصيل أخرى ستغيب، لأن الهدف سيظل، ليس استقصاء كل تفاصيل المشهد، وإنما التمثيل له ببعض لاعبيه. فالكتاب ليس تأريخاً شاملاً لحقبة، بقدر ما هو تمثيل لتلك الحقبة، والتمثيل يعني الانتقاء، ليس بالضرورة لأهمية من ينتقون، وإنما لرؤية الناقد، أو المؤرخ، لمدى تمثيلية من يقع عليهم الانتقاء للتيار أو الاتجاه الذي يتحدث عنه الكتاب.
* تحدثت عن قصيدة النثر في المملكة، وجعلت المؤثر المركزي لقيامها تجارب شعرية عربية أخرى، بخاصة في لبنان والعراق، ثم لسبب آخر يتعلق بـ»هيمنة الحياة المدنية المعاصرة، وبروز المدينة بوصفها ظاهرة متنامية وكبرى في هذه المنطقة، ما استدعى طرائق مختلفة للكتابة الشعرية» بحسب تعبيرك.. لكن ماذا عن هذه القصيدة اليوم، والتي يقال إنها عبّرت عن هاجس الكتابة، ولم تنخرط بعد في الوعي بالكتابة؟
** قصيدة النثر، لدى أفضل كتابها من الشعراء في السعودية، وفي الخليج أيضاً، بل ربما في الوطن العربي، تمثل أهم التجارب الشعرية، فلو اخترت خمسة شعراء سعوديين، أو خليجيين، لكان ثلاثة منهم من شعراء قصيدة النثر. وفي تقديري أن تلك القصيدة لم تعبرعن هاجس الكتابة فقط، وإنما هي منبعثة من أتون الكتابة نفسها، مطاردة بإشكالية الكتابة، لسبب بسيط، وهو أنها نتاج مفارقة كتابية ما تفتأ تُذكَّر بها، فكيف تكون قصيدة ونثراً في الوقت نفسه. هذه المفارقة الرائعة في نظري، جعلت شعراء القصيدة المهمين يتحركون من الوعي بالتباسات الكتابة الشعرية، مثلما يسعون لإضاءة ملابسات العالم من حولهم أثناء تفاعلهم معه. فقصيدة النثر، هي التي ذكرتنا بأن الشعر لا يحصره شكل، وأن القصيدة شكل من أشكال تمثله، أي أنها ليست الوحيدة في ذلك. الشعر حاضر في السرد، وفي لغة المسرح، ومقابل النثر، ليس الشعر، وإنما النظم.
* يقول د. عبدالله الغذامي:»الشعراء السعوديون قصيرو النفس، والشاعر منهم يظهر قوياً ومبدعاً ومتميزاً لسنوات، ثم يتراجع بعدها إلى الصمت». ما تعليقك؟
** نعم يصدق هذا على عدد من الشعراء، بمعنى أنه لا يصدق بإطلاق. فمن الشعراء المهمين، من أثبت طول نفس، أو استمرارية، ومن أولئك، على سبيل المثال فقط، حسن القرشي، على الدميني، محمد الدميني، أحمد الملا، فوزية أبو خالد، ابراهيم الحسين، أشجان هندي، وكذلك محمد الثبيتي حتى وفاته رحمه الله.
خصائص* لو ُطلب منك أن تُجمل خصائص القصيدة الجديدة في السعودية، فبماذا تحددها يا ترى؟
** هذا سؤال صعب، فأحد أهم أهداف مشروعي النقدي في الكتابة عن الشعر في المملكة، هو تلمّس تلك الخصائص. أول كتبي «ثقافة الصحراء» طرح بعض تلك الخصائص في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، وكذلك في كتاب «إحالات القصيدة»، حيث تلمست أثر الموروث الشعبي في القصيدة السعودية، أو استعادة التراث بشكل عام. لكني عدت في مرحلة تالية، في ورقة بحثية بعنوان: «حداثة الصحراء» نشرتها في مجلة «ألف»، التي تصدرها الجامعة الأميركية في القاهرة في عددها الأخير، لأوسع من رؤيتي لتلك الخصائص، باستدعاء سمات قصيدة النثر. وجدت استمراراً لثقافة الصحراء، لغة وأخيلة وموضوعات، إلى جانب انغماس أعمق في مشكلات الحياة المدنية، بوصفها المستقبل الوحيد الممكن، كما نجد في قصيدة النثر بشكل خاص. وأود هنا أن أضيف دخول العنصر الأنثوي بشكل أكثر كثافة، منذ التسعينيات، من خلال طرحه الجريء للرؤية النسوية للعالم.
قوة النساء الشعرية* لنتحدث عن المرأة الشاعرة والقاصة والروائية، أو الكاتبة عموماً في السعودية؟ كيف تنظر إلى بانوراما هذا الإبداع الأنثوي، وفي أي منزلة تضعه؟ ولماذا؟
** استكمالاً لإجابة سابقة، أقول إن الدخول المكثف للمرأة في المشهد الشعري، كان من دون شك، أهم حدث شعري في العقدين الماضيين. وأقول الدخول المكثف، لأن المرأة لم تكن جديدة على ذلك المشهد، فقد أسهمت الشاعرة في تطوير خطاب الحداثة، منذ بداياتها في أواخر السبعينيات، لكن ما حدث في التسعينيات هو تكثيف وتطوير لذلك الإسهام، الذي حدث على كل مستويات الكتابة الشعرية: العمودي والتفعيلي والنثري، وعلى نحو رفيع. بل إن الحضور الأنثوي امتد للنقد أيضاً، وإن لم يكن ذلك بالقوة ذاتها التي اتسمت بها الكتابة الشعرية. نحن نتحدث إذا عن قوة بالغة التأثير، حركت ركود المشهد الشعري، ونمطيته الذكورية، وأغنته على أنحاء غير متوقعة.
* كيف تقرأ المشهد الشعري الخليجي خارج المملكة بعامة اليوم؟.. ما الأصوات الشعرية التي تلفتك، مثلاً، في الإمارات، وسلطنة عمان، والبحرين، والكويت؟ ولماذا؟
** هو مشهد غني وإن تفاوتت البلدان الخليجية في كثافة ومستوى الإسهام في ذلك المشهد. تاريخياً كان للبحرين أسبقية في رسم معالم التحديث الشعري على معظم المناطق الخليجية، من خلال أعمال قاسم حداد، وعلي الشرقاوي، وعلوي الهاشمي وغيرهم. لكن إسهامات مهمة جاءت من سلطنة عمان، ممثلة في أعمال سيف الرحبي، وزاهر الغافري وآخرين. ومن الإمارات في أعمال نجوم الغانم، وأحمد راشد ثاني، وحبيب الصايغ، والكويت لدى سعدية مفرح في المقام الأول. كل ذلك يرسم مشهداً بالغ الغنى، ويضع الشعر في مرتبة متقدمة فنياً.
* ثمة أسماء شعرية مهمة للغاية في لوحة الشعرية العربية الحديثة في الإمارات، وفي الطليعة بينها الشعراء: عبد العزيز جاسم، وظبية خميس، وخالد الراشد، وخالد البدور، وثاني السويدي، وعادل خزام، وابراهيم الملا.. وكذلك في الكويت، ثمة أسماء شعرية مهمة أيضاً كالشعراء: دخيل خليفة، وصلاح دبشة، ومحمد النبهان... إلخ. أذكر هذه الأسماء أمامك، باعتبارك ناقداً جدّياً يهمّه التقاط التجارب الشعرية الخليجية المتجاوزة أيضاً، للتضوئة عليها، والتعريف بها، أكثر مما هي معروفة في بلادها، وكذلك على مستوى بعض النقاد العرب المهتمين المتابعين.. ماذا تقول؟
** أعرف بعضاً من ذكرت، ولا أعرف بعضهم الآخر. وسبق لي أن تناولت أعمال بعضهم، ولكنهم جميعاً جديرون بالتناول النقدي، وهم بالطبع معروفون خارج إطار الخليج، وبالتأكيد خارج إطار بلدانهم.
* الجهد الذي أبذله في التعرّف إلى الشعر في منطقة الخليج، جهد مستمر، لكنه ليس الجهد النقدي الوحيد الذي يشغلني، فلديّ اهتمامات نقدية وفكرية أخرى. لذلك، فإنني حريص على كل مناسبة، أو مشروع، يعيد صلتي بالمشهد الشعري والروائي الخليجي والعربي عموماً.
غلبة النثر* إذا كانت قصيدة النثر هي الغالبة إبداعياً على المشهد الشعري الخليجي الجديد، فهل يا ترى باتت هذه القصيدة تنشد عالمية التواصل الشعري، أكثر من نشدانها محليته؟
** أظن أنه لا عائق دون العالمية في حالة الشعر الخليجي، سوى الترجمة، فكثير من الأعمال متميزة فنياً، لو قورنت بغيرها على المستوى العالمي. لكن هذا العائق في طريقه للتواري، مع تكاثر الحضور الشعري الخليجي في المحافل والمنتديات الشعرية، وتزايد الترجمة. أما مسألة المحلية، فأعتقد أن كل شعر عظيم هو محلي، بمعنى أنه يستنطق العميق والجميل، من خلال تفاصيل الحياة اليومية. فما هي تفاصيل المشاهد التي يرسمها نيرودا أو إيلوار أو ريلكه، أليست من الواقع المحلي لكل منهم؟ العالمية مفهوم ملتبس ومثقل بالتحيزات اللغوية، لأن كثيراً من الشعر لم يكن ليحقق انتشاره لو لم يترجم أو يكتب بلغة منتشرة، فعالميته ليست دائماً نتيجة تميزه، وإنما لأنه جاء من ثقافات مهيمنة، ولغات منتشرة، أو تجد طريقها بسرعة للترجمة.
* هل باتت القصيدة النثرية لدى بعض الشعراء الخليجيين تنزع، برأيك، نحو تحطيم مضمون الدلالة، وتواري علاقات الترابط المألوفة بين الدال والمدلول، والاتجاه، بالتالي نحو تأسيس «بلاغتها» الخاصة؟
** تواري العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول منجم رئيس للشعرية، ليس في قصيدة النثر وحدها، وإنما في الشعر إجمالاً، فمن شأن القصيدة الحقيقية أن ترغمنا على مسألة الربط المألوف بين الأشياء، لكن لا شك أن هذا الأمر يكتسي بعداً مختلفاً، ويزداد حدّة مع الثورات الشعرية وتبدّل الأشكال، حيث تزداد الحاجة إلى إعادة تشكيل اللغة الشعرية، وإنشاء ما أسميتَه «بلاغة» خاصة، وأظن أن هذا ما حدث مع قصيدة النثر فعلاً.
* ذات يوم حاضر أدونيس عن الشعر الجديد في الإمارات قائلاً: «إن مستقبل الشعر العربي هو في الإمارات والخليج».. كناقد ماذا يعني لك هذا الاستنتاج؟
** لا شك أن الإمارات وبقية دول الخليج، تسهم اليوم بمستوى رفيع وكم وافر من الشعر العربي الحديث. لكن حصر مستقبل الشعر العربي في المنطقة ضرب من المجاملة. مستقبل الشعر العربي يكتب في مصر ولبنان والعراق والمغرب العربي، وغير هذه من المناطق العربية. لا أرى تميزاً خاصاً للخليج، إلا من خلال قدرة شعرائه على معانقة تجاربهم الخاصة، والحفر باتجاه حداثة شعرية تستمد أهميتها من انتمائها العربي والعالمي.
هو في مقدمة الأسماء النقدية والفكرية الطليعية في السعودية بخاصة، والخليج العربي بعامة. كما أن اسمه النقدي، عربياً وحتى دولياً، بدأ بالسطوع غير الاعتيادي، منذ أن توسّع في مشروعه النقدي التساؤلي، عبر المثاقفة الحيّة المتفاعلة مع الآخر، غرباً وشرقاً، ودوماًَ من منظور معرفي ندّي، يحرص على إبقاء المعرفة قاعدة للجدل والتصويب والاستنتاج. إنه الناقد د. سعد البازعي، الذي يكتب ويحاضر بإنجليزية فخيمة، وله صولات وجولات على منابر أدبية وفكرية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والسويد وبولونيا واليابان. وكذلك أحدث كتابه الجريء: «المكّون اليهودي في الحضارة الغربية» ضجّة كبرى في الأوساط الأميركية، حيث تناولته بالعرض مجلة «الفورين بوليسي» الذائعة الصيت (أسسها صموئيل هنتنجتون ووارن ديميان مانشل في العام 1970)، وتناوله كذلك، كتّاب يهود بنقد التباسي، يتراوح بين السلب والإيجاب، ولاسيما منهم بوب سلوفان. وفي الوقت الذي اتهمته إحدى الصحف العربية / الدولية «بتلميع صورة اليهود»، ردّ هو بالقول إن الكتاب لو ترجم إلى العربية، لكان سيهاجم بتهمة معاداة السامية. والكتاب المذكور يقوم برأيه على أطروحة أساسية تقول إن التجربة الأقلوية لليهود وسمت عطاءاتهم بمواقف عدائية تجاه الآخر المسيحي، والدفاع عن مصالحهم، بوصفهم فئة مضطهدة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك في الكتاب، فرويد، الذي ما تزال تظهر حتى الآن دراسات متوالية تؤكد السمة اليهودية لمنهجه في التحليل النفساني. في هذا الحوار معه، يتحدث د. البازعي عن حال النقد العربي الحديث، والنقاد العرب الروّاد ومن تلاهم، فرأى فيهم (لم يستثن نفسه أيضاً) عالة على نظريات وأطاريح النقد الغربي، يشرحون ويطبقون من خلالها، اللهم إلا تجربة الناقد الراحل د. شكري عياد، «الأقرب إلى الاستقلال عن جوقة التمثّل الغربي»، وخصوصاً من خلال ما سمّاه «التفسير الحضاري». لكن الناقد عياد، مع الأسف، لم يكمل المسيرة. وتحدث ناقدنا الجدّي للغاية أيضاً عن الشعر في المملكة العربية السعودية والخليج بعامة، ورأى أن قصيدة النثر، هي التي تحتل المشهد المركزي في هذا الشعر: «لو اخترت خمسة شعراء سعوديين أو خليجيين، لكان ثلاثة منهم من شعراء قصيدة النثر».


سيرة إبداعية
* د. سعد البازعي من مواليد القربات في السعودية في العام 1953.
* ماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة بردو perdue – ولاية إنديانا الأميركية في العام 1978.
* دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأميركي من جامعة بردو نفسها في العام 1983 وعنوان أطروحته: «الاستشراق الأدبي في الأدب الأنجلو- أميركي في القرن التاسع عشر: النشوء والاستمرار».
* مدير مركز البحوث في كلية الآداب – جامعة الملك سعود في الرياض (1990- 1992).
* رئيس قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعة نفسها (1997- 1993).
* الأمين العام لجائزة الملك خالد (2007- 2008).
* رئيس النادي الأدبي في الرياض (2006- 2010)
* عضو مجلس شورى في المملكة منذ مارس من العام 2009.. (لا يزال على رأس عمله حتى الآن).
* من أبرز كتبه: «ثقافة الصحراء».. دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر- 1991، «إحالات القصيدة».. قراءات في الشعر المعاصر- 1999، «أبواب القصيدة».. قراءات باتجاه الشعر – 2004، «استقبال الآخر».. الغرب في النقد العربي الحديث – 2004، «شرفات للرؤية».. العولمة والهوية والتفاعل الثقافي – 2005، «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» – 2007، «الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف» – 2008، «جدل التجديد».. الشعر السعودي في نصف قرن – 2009، « قلق المعرفة».. إشكاليات فكرية وثقافية – 2010، «لغات الشعر».. قصائد وقراءات – 2011، «مشاغل النص واشتغال القراءة».. قراءات في الرواية والشعر - 2014.
* من أبرز ترجماته: «المسلمون في التاريخ الأميركي» لجيرالد ديريكس – 2011، «جدل العولمة».. نظرية المعرفة وسياساتها» لـ لنغوي واثيونغو - 2014 .


النقد السعودي.. الأكثر حضوراً
* إذا استثنينا الغذامي، وأنت ايضاً، نلحظ أن المشروع النقدي، والقائم على مبدأ الاستمرار المنتظم للتجربة النقدية، وتطوير دوائر أسئلتها في المنهج والتحليل والخطاب، واستطراداً، تأسيس تصورات إضافية جديدة على السائد النقدي، نلحظ أن هذا المشروع النقدي، ضعيف الوجود إجمالاً على المستوى الخليجي... إلام تعزو ذلك؟
** أظن أن المشهد النقدي الخليجي زاخر بالنقد السعودي، فهو الأكثر حضوراً دونما مبالغة، وإن لم يعن هذا تفوقاً نوعياً، فعدد المشتغلين بالنقد في السعودية أكبر لأسباب كثيرة. أما الاستمرارية التي أشرت إليها، فهي لا تصدق على بعض من ذكرت. الغذامي مثلاً، أعلن موت النقد، وانصرف إلى دراسة القبيلة والتلفزيون ومسائل أخرى، تنضوي تحت ما أسماه النقد الثقافي. فلا أرى استمراراً لديه. أظن ان نقاداً من جيل أصغر نسبياً، مثل معجب العدواني، وحسن النعمي، ومحمد العباس، أكثر استمراراً من بعض الأسماء، التي باتت مكرسة وهامشية الإنتاج فيما يتعلق بالنقد الأدبي.