ألوان

العلماء: الإخلاص في العمل مطلب شرعي

حسام محمد (القاهرة)

تقول إحصائيات دولية وعربية وإسلامية، إن معدل إنتاجية العامل والموظف في العالم العربي متدنية للغاية بالمقارنة بنظيره في الدول الأخرى، وقالت إحداها إن المواطن العربي، خاصة في الدوائر الحكومية، لا يبلغ إنتاجه ما يزيد على دقائق عمل معدودة في اليوم، ما يعني تراجع معدلات الإنتاج وزيادة الاستهلاك. وكشفت إحصائية أخرى أن قيمة إنتاجية العامل بأميركا وألمانيا تصل إلى قرابة 50 ألف دولار سنوياً، بينما لا تتعدى سبعة آلاف دولار في العالم العربي.

قوام الحياة
يقول الدكتور حامد أبو طالب، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: من أهم أسباب تقدم الأمم والشعوب العمل والبذل والعطاء والإنتاج، لأن كل هذه الصفات من أساسيات في الشريعة الإسلامية التي تطلب من الإنسان حب الوطن والمحافظة عليه والسعي والعمل على تقدمه وازدهاره من خلال العمل، وإتقانه والإنتاج، والبعد عن كل ما من شأنه أن يعوق التنمية والرخاء، لذا يجب علينا أن يبذل كل منا ما في وسعه من أجل دفع عجلة الإنتاج إلى الأمام ونعود بأخلاقنا الحسنة وشريعتنا السمحة إلى كل سبل التقدم، لكن للأسف فإن الملاحظ في مجتمعاتنا تراخي البعض من العاملين والموظفين عن العمل، وهو أمر ترفضه الشريعة الإسلامية تماماً، فالإسلام يحث على العمل ويقدسه، فالإسلام يعتبر العمل قيمة عليا وركيزة الإيمان وقوام الحياة الطيبة.
ويضيف أبو طالب أنه على العامل أو الموظف أن يتحلى بمجموعة من الأخلاقيات التي من دونها لا يستطيع أن يؤدي ما عليه من مسؤولية تجاه الدولة والأمة جميعاً، وعلى كل موظف أن يراجع سلوكه الوظيفي ويقيّم نفسه بين الحين والآخر على أثرها، وأن يشعر بالمسؤولية أياً كان نوع العمل ويؤديه بأمانة وإخلاص دون غش أو إهمال أو تقصير لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، وعدم الخيانة في العمل، فتضييع الأوقات، والغش، وأخذ الرشوة، وتعطيل أعمال الناس خيانة، فكل من تقلد عملاً مهما كان نوعه ولم يؤده بإتقان الحنيف فهو خائن لأمانته والله تعالى يقول: «يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون»، ولابد من البعد عن استغلال العامل لعمله ووظيفته ليجلب منفعة له أو لقرابته دون حق، لأن ذلك جريمة، إذ المال العام أمانة عند من استؤمنوا عليه، فقد شدد الإسلام على ضرورة التعفف من استغلال النفوذ وشدد على رفض المكاسب المشبوهة.

أمانة في العنق
من جانبه، يؤكد الشيخ محمد زكي البداري، أمين عام اللجنة العالمية للدعوة الإسلامية بالأزهر، ضرورة تبني حملات توعية في وسائل الإعلام والمساجد والمنتديات للتوعية بضرورة الإخلاص في العمل حتى تتقدم مجتمعاتنا وتتحول من مجتمعات استهلاكية لمجتمعات إنتاجية، ولابد أن نقوم بتوعية الناس أن العمل قيمة راقية، ونذكرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل، ورفعها وقال: «هذه اليد يحبها الله ورسوله» كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ »، هل هناك معنى أدق من هذا بوجوب العمل، وها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب زار بلدة فرأى أكثر الفعاليات الاقتصادية بيد غير المسلمين، فعنفهم أشد التعنيف، فقالوا: لقد سخرهم الله لنا، فقال لهم قبل ألف وأربع مئة عام: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ فقد أدرك رضي الله عنه أن الإنسان المنتج قوي والمستهلك ضعيف.
ويشير البداري إلى أن كل مسلم عليه أن يعي أن العلماء اتفقوا على أن الواجب على من وُكِلَ إليه عمل يتقاضى في مقابله أجراً أن يؤديه على الوجه المطلوب فإن أَخَلَّ بذلك من غير عذر شرعي، لم يحل له ما يتقاضاه لأنه يأخذه في غير مقابل، كما اتفق العلماء أيضاً على أن الإخلاص في العمل الوظيفي أو المستأجَر عليه، أداؤه على الوجه المطلوب، والمتفق عليه، أو النظام الوظيفي، وهو من الأمانة التي يجب أداؤها، فالإخلاص في العمل أياً كان أمر واجب على العامل والموظف، ولابد فيه من الإخلاص والنية الصادقة لأن الإنسان لابد أن يعلم أنه مراقب في عمله من الله عز وجل، قال تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»، «سورة التوبة: 105»، فهذه الآية تبين أهمية الإخلاص في العمل والحث على إتقانه لأن كل عامل يقع خلال عمله تحت رؤية الحق تبارك وتعالى والله عز وجل أحق أن يراقب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، إذن يوضح هذا الحديث وما سبقته من أيات أن الإتقان في العمل مطلب شرعي يجعله كاملاً من جميع الوجوه بلا نقص أو خلل.

شرط التقدم
يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري الأسبق، إن العمل شرط لاستمرار الحياة وسعادة الإنسان، والأمّة التي لا تعمل فاشلة ومحكومة بالتخلّف وبالسّقوط في التنافس الحضاري وستبقى عالة على الآخرين، والحقيقة أنّ العمل ليس خياراً من خيارات الأمّة، بل ضرورة لا مفرّ من الأخذ بها، وواجب من واجباتها التي لا يجوز لها التقاعس في أدائها، وإدراكاً لأهميّة العمل في تقدّم الأمم، فقد حثّ الإسلام عليه، وشنّ حملة على الكسل والتكاسل والبطالة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يبغض للشابّ أن يكون عاطلاً لا حرفة له، عن ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنَّ المؤمن إذا لم يكن له حرفة، يعيش بدينه»، أي إنّه يحوِّل دينه إلى وسيلة للإتجار به وكسب المال من خلال تلك التجارة المرفوضة، بل إنّ الإسلام اعتبر أن العمل في سبيل المعاش ورفع مستوى الأمّة والتخلّص من مشكلة الفقر من الواجبات الشرعية، وقد يدخل في نطاق العبادات التي يؤجر الإنسان عليها.
يضيف زقزوق: لابد من زيادة الوعي بين الناس بأهمية العمل والإخلاص فيه حتى يكون ما يكسبه الإنسان نتيجة عمله مالاً حلالاً لا شبهة حرام فيه فعلى الموظف والعامل كبر شأنه أم صغر، مهما كانت حدود وظيفته، أن يبذل قصارى جهده ويعمل على أن يؤدي عمله بمنتهى الصدق والإخلاص، فمثلما نحثه على أداة العبادات نوصيه أن يعمل وينفذ متطلبات عمله بصدق وإخلاص، حتى يطيب كسبه، ويصبح حلالاً طيباً ويرضي ربه.