الملحق الثقافي

هوبرت ريفز.. راصد الكون

هوبرت ريفز

هوبرت ريفز

غيل براسنيتزار*
ترجمة: أحمد حميدة

أحياناً ما ينهض «مهربون» كبار، على قدر عظيم من الفطنة والذكاء، فتتوارى معهم فوضى الأشياء وتعقيداتها، لتستعيد تلك الأشياء بساطتها ووضوحها يوم كانت، وسكونها يوم لن تكون.

في الحقيقة، لا يهم أن يكون هؤلاء «السحرة»، الباحثون عن نبع البدايات، على حق من الوجهة العلمية، فحسبهم أنهم استطاعوا في فترة ما من التاريخ فهم مخاوفنا، وحاجتنا الملحة إلى المواساة، والرد على تساؤلاتنا المرسلة منذ آماد بعيدة إلى القمر الشاحب: من أين نحن آتون؟ وإلى أين نحن ماضون؟ وهوبرت ريفز هو إلى جانب مهربين آخرين كثر من أولئك الذين لا تفارقهم مثل تلك التساؤلات.. وما دام لزمننا الحاضر ملمح يختص به، فإنه قد يختار كملمح له رأس هذا الجني الفطن الذي يبدو وكأنه قد أفلت من «ثلجة بيضاء» كونية، ويتخير هذا الحكيم الجذل الذي يشع بطيبة لا تعرف الحدود.

معنى الكون
يقيناً، إن هذا الحارس قادر على إنارة مداركنا حول تطور النجوم والثقوب السوداء، وتعميق فهمنا للانفجار الكبير، مراوحاً بين سحر القص والأسطورة الحالمة للعالم، ولكن الأمر ليتعلق بالنسبة لريفز بهاجس أوكد وأشد إلحاحاً: أن نظفر بمعنى للكون. فألف شكر لهذا الذي في مواجهة اللامعقول جاء ليعلن بداية زمن الانتشاء، حتى وإن لَمسْنَا بإصبع اليد حقيقة أن حضاراتنا إلى زوال، وأنها باتت على قيد الفناء.
«إن كان لنا من مهمة في هذا الكون، فهي مساعدة الطبيعة على أن تنجب من ذاتها». شكراً لهذا الراعي الباسم، الذي يحاول بإصراره وصفاء فطرته، الوقوف في وجه الانتحار المعلن للبشرية. لقد توفق هذا الرائي الباسم الودود في تجاوز المعرفة المعلبة ليخاطب الضمائر، ولا يتنازل عن الحلم وهو يواجه إعلان نهايتنا. لقد غدونا اليوم في حالة الخطر، جراء كل الجروح التي نلحقها عمداً بوجه الأرض، أضحينا نشكو من دُوار الأرض، وعما قريب سنشكو من دوار الأشباح. غير أن ريفز لا يتسربل باللباس الأسود لطيور الشؤم.. فيقول: «أحياناً ما أقول لنفسي، إنك لمتفائل عنيد، وسرعان ما أدرك أنني على صواب، لأن التشاؤم قد يدفع بنا إلى الأسوأ، لذا ينبغي لنا أن لا نوهن العزائم، وألا ندفع بالناس إلى الإحباط»، يريد ريفز حينئذٍ أن يكون مانحاً لدروس في الأمل، لا مانح لدروس علمية فحسب.
«ليست الأرض هي التي في خطر، فستُتابع الأرض دورانها حول نفسها وحول الشمس، وسيعقب الليل لا محالة النهار، والنهار الليل، وذلك خلال مليارات من السنين أخرى.. حتى موت الشمس. وليست الحياة تحديداً هي التي في خطر، فهي قادرة على تحمّل المصاعب، وقد عرفت الأجناس الانقراض من قبل.. خمس مرات، وما انقرض جنس إلا وأخلى المكان لجنس آخر جديد. وعندما اختفت الديناصورات، ظهرت وتطورت الثدييات، وها نحن الموجودين الآن يتهددنا الخطر، خطر يحيق بأحفادنا وأحفاد أحفادنا، فكيف لنا أن نقنع بني جنسنا بمثل هذه الحقيقة؟» (ريفز).
ثم إن ريفز حين ينزل من عربته المضاءة بالنجوم، فإنه يستميت في الدفاع عن الحياة الأرضية وعن الإنسان في أعلى درجات تحضره، فهو يشرع أمامنا الفضاء الرحيب للزمن والنور، مشيراً بسبابته إلى ضآلتنا اللامحدودة: «إن الكائنات البشرية لتدرك أنها كائنات هشة، تعيش على كوكب ضئيل يطوف حول نجم عادي، على هامش مجرة هي واحدة من مليارات المجرّات».
ويمضي ريفز كشاعر، من طور البرهنة إلى طور الخطاب التنبئي، فيجعلنا رفقاءه في السفر والترحال، ليحدثنا في آن، عن روعة العصافير وجمال النجوم، من دون التغافل عن «الأنا» الجاثمة في أعماقنا: «إني أعمل على فك أسرار هذه «الأنا» التي لا تنفك تنهض معي كل صباح»، وبمَلْمحِ بوذا مرحٍ أو سقراط فطنٍ، ينهمك في رتق الأبدية.

الذكاء البشري
ولد في منتريال في غرة فبراير (شباط) 1932، وكدكتور في الفيزياء الفلكية والنووية، أصبح منذ 1966 مشرفاً على حركة البحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا.
وساهمت كتبه المذهلة، مثل «تجلد في اللازورد»، «غبار النجوم»، «ماليكورن»، «ساعة الانتشاء»، وأفلام مثل «النجوم تموت أيضاً»، «الحياة في الكون»، كطائفة من البرامج التلفزية، في انتشار شعبيته لدى الجمهور العريض من الناس، وجعلته أدنى فأدنى من سؤال ثابت: هل من معنى لهذا الكون؟
إن «هذا القلب الرقيق.. الودود، الذي يتشرب العدم الأسود الرحيب»، لا يريد أن يكون ابناً للصدفة، مطلِقاً العنان لنبضه المنبئ بالموت، وحمْلتهُ الثابتة من أجل أن ينبثق المعنى، لا تتركنا من دون إرباك، فعقيدة هذا الرجل هي كل هذا السخاء، وكل هذه المراهنة على الذكاء البشري. لسنين طويلة أدار في إذاعة «فرنسا الثقافية» برنامج «سجلات السماء والحياة»، وبصوته الحجري ولكنته الكندية، كان يجعل حصى كل الجداول تتمايل.
مروجاً للأسرار المدفونة في سجلات اللامقول، ومتشبثاً بالعلوم الجوهرية.. العميقة التي تنفع وتمكث في الأرض، يبدو الرجل دائم الحرص على تبسيط الخطاب العلمي، دون استدعاء للمبهم، فيصارع الغموض والالتباس مُطلِقاً كل أشرعته، ومرسِلاً في صخب خطابه التنبؤي عن المحيط: «لن تعود الأرض من جديد كما كانت سنة 1900، ستستمر الحياة وتتطور، ولكن هل ستكون البشرية قادرة حقيقة على البقاء على قيد الوجود؟».
كان يقول: «إن النظريات لرمادية، ولكن الأشجار تمكث خضراء».. أما هو فسوف يمعن في القص، وفي محاورة السماء والأرض، محاورة الكون وفراشاته: «إني أحاول أن أقول أيضاً بأن الفراشة لا توجد فقط لكي نثبتها بإبرة في علبة لتجميع الفراشات، وآمل أن يتردد بعيداً صدى هذه الكلمات، أريد خاصة أن يسعى كل أولئك الذين سمعوا هذه الكلمات أن يعملوا على تأملها وتمثلها وإشاعتها من حولهم».

عالم الدهشة
ويرسل ريفز بصره نحو عالم الدهشة هازجاً: «في السماء يمر سرب من البط بأعناق مستقيمة وممدودة إلى الأمام.
أحسُبُها، هي خمسة، فإذا بالرقم خمسة يمثل أمامي.
فهل للأرقام وجود خارج رأس الذي يفكر بها؟».
من جيبه، يخرج هذا الكائن الخرافي الساعة التي تقيس الزمن الكوني، ولحيته البيضاء طافحة في درب التبانة، وحين يهزها بقوة، يجعل الكواكب الخارجية (الكواكب الطائفة حول شموس أخرى) تتساقط هطلاً مدراراً في راحة خياله، أما ضحكته فإنها تزيد في ألق النيازك وسرعة انخطافها. ومتى نشر منديله، يكون قد كشف عن الكتلة المفقودة للكون.
أحياناً ما يشعر بالانزعاج عندما يعاتبه زملاؤه، فيتهمونه بأنه لا يعدو كونه مهيجاً لفلك الريح، عندها يلتجئ إلى الكويكب 9631 الذي يحمل اسمه، ومن خلوته به، يرسل كلامه نسغاً منعشاً للذاكرة الحية للأرض.
ويرى ريفز أن التطور الثابت يمثُلُ أمامنا، ويتوق إلى دمج كل مكتسبات العلوم الحديثة: «كبرياء الإنسان الذي يمشي مثقلاً بعبء أبديته» (سان جون بيرس).. ذلك توصيف آخر ينطبق على هذا الإنسان الرائع الذي يعيش بيننا واسمه ريفز، هذا الكائن الخرافي الذي يكون في ذات الوقت من كبار الرواة، من أولئك الذين يجعلونك مستنفر الحس وأنت تنصت على قيد الوقوف، ومن تحت لحيته الكثيفة يطلق نحونا هذا العالم والراوي المجنون، وصية متوهجة: «ألا فانتشوا..».
«لا يمكن أن أفكر من دون تأثر، بتلك اللحظة التي فرغ فيها موزار من كتابة دون جيوفاني، ليضع قلمه ويجمع أوراقه، إنها للحظة فارقة في تاريخ الإنسانية، وبالتبعية في الواقع برمته» (ريفز).
«كل المبدعين من موسيقيين ورسامين وشعراء، أضافوا فيضاً من الجمال على هذا العالم، فأثروا حياتنا عندما ولجوا بنا لحظات من السعادة العصية على الوصف، وتعميماً.. قد أقول إن كل كائن بشري انطلاقاً من دائرة نشاطه، صغيراً كان أم كبيراً، يمكن أن يكون مساهماً في غزل اليوم الثامن». (ريفز)
كثيراً من الناس يمضون وهم يعدّون النجوم، أما ريفز فقد مضى راوياً حكايات تلك النجوم، فريفز هو راصد الكون وصانع اليوم الثامن، فعسى الأرض تبقى معه بوحي من إحساسه وكلماته الإنسانية، وعسى النجوم تبقى نجوماً.
.....................................شاعر فرنسي

خمس وعشرون رقصة حول درب التبانة
شعر: هوبرت ريفز
.........................................

الأرض.. الكوكب الأزرق.. ورائد الفضاء من كوة مركبته يطلق أسماء على القارات في جغرافية طفولته..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث تتبرعم زنبقة في أحشاء مرتحل ألقى به الإجهاد على صخرة في أعالي البحار..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث يحتفل طاغية مع عائلته بعيد ميلاده، فيما تحترق آلاف الأجساد في مواقد الإبادة..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث يلقي يتيم بنفسه من الطابق الثالث للإفلات من قسوة مراقبيه..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث ومع قدوم الليل يتأمل بنّاء حائط الآجر الذي أمضى النهار كله لتشييده..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث يعكف رئيس الكنيسة على وضع اللمسات الأخيرة للحن سيبهج قلوب الناس لقرون متتالية..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث تمسك أم ولدها الذي صعقه مرض السيدا، الذي انتقل إليه من أبيه في الحفل بالقرية..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث ينظر الملاّح وحيداً.. شراعه الكبير يتهاوى تحت ضربات الأمواج العاتية..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث يمكث صامتاً.. رجل متمدد على أريكة طبيب نفساني..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث يلفظ سنجاب أنفاسه في الغاب بعدما جرحه صياد لم يتكلف عناء البحث عنه..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. حيث تتخيّر امرأة لباساً مبهرجاً على الرفوف.. في سوق أفريقية..
الأرض.. الكوكب الأزرق.. الذي أتم أربعة مليارات وخمسة وعشرين مليون دورة حول الشمس وخمسة وعشرين رقصة حول درب التبانة.

حامل الناقوس
ولد هوبرت ريفز في منتريال بكندا، في أول فبراير (شباط) 1932، وكدكتور في الفيزياء الفلكية والنووية، أصبح منذ عام 1966 مشرفاً على حركة البحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا.
لريفز العديد من الكتب مثل «تجلد في اللازورد، «غبار النجوم»، «ماليكورن»، «ساعة الانتشاء»، وكتب عدة سيناريوهات لأفلام علمية مثل «النجوم تموت أيضاً»، «الحياة في الكون»، كما قدم طائفة من البرامج التلفزيونية، كذلك قدم ولسنين طويلة برنامجاً بعنوان «سجلات السماء والحياة» في إذاعة «فرنسا الثقافية».
وأسهمت كتبه، وأعماله التلفزيونية في انتشار شعبيته لدى جمهور عريض من الناس، خصوصاً أنه يحمل ناقوس الخطر للتنبيه من المخاطر المحدقة بالكوكب.
وفي كتاب «دوار الأرض» يعرب ريفز لمحاوره الفيلسوف وعالم الاجتماع فريديريك لونوار عن مخاوفه من مستقبل الأرض واسوداد أفقها بسبب النشاط البشري، ويعدد الأدواء التي تنهشها والعلاج الذي يمكن أن ينقذ أكثر مكوناتها هشاشة، أي البشر الذين يسكنونها?،? فهم أول المتسببين في ما تشهده من تصحر واحترار وانقراض أجناس عديدة، وفوضى عارمة قوامها تبديد الطاقة من جهة وسوء التغذية من جهة أخرى?.? ويرى ريفز أن الحلول ممكنة، إذا ما تخلى البشر عن أنانيتهم والسياسيون عن ضلالهم.
ومن أقواله في هذا المجال: «نحن نشن حرباً ضد الطبيعة إذا انتصرنا فيها فقد نخسر».