الملحق الثقافي

علي العبدان.. مسكون بذاكرة الصوت

ثمة بون شاسع بين التراجم التي تخص المطربين الشعبيين القدامى في الإمارات، وبين «الطرب الشعبي» كمفهوم مستقل له قيمة وكيان وملامح، مفهوم يحتاج في المحصّلة إلى من يضيء عليه ويحلله ويبحث في مصادره ويقتفي أثره ومنطلقاته، باعتباره مظهراً تراثياً وفلكلورياً يقطع التاريخ والجغرافيا، ويجول في دروب معرفية وذوقية وسماعية شتّى، ومن هنا أيضاً تأتي الجهود البحثية المتعلقة بمنابع وأصول وظواهر «الطرب الشعبي» محفوفة بصعوبات وعراقيل وخطوط مبتورة في مراحل «كرونولوجية» معينة، وهي خطوط لا تتعلق بسيرة روّاد الطرب الشعبي المحلّي فقط، ولكنها قد تقطع وتعرقل مسار البحث المعياري ذاته، أي البحث المحايد والمراقب، الناظر بشمولية وبدقة وبرصد بانورامي عن الشرارات الباعثة لهذا الطرب الشعبي، عن صوابية اسمه ومصطلحه، عن حركته وتطوره وخفوته.

هو مسار شائك ومتشعب دون جدال، ولكن هناك القلة من الشغوفين والمهمومين بهذه الفنون السماعية، وبالفنون التعبيرية عموما، من اختاروا اقتحام هذا المجال والإخلاص له وبذل الوقت والجهد لاستكشاف مناطق معرفية جديدة وغير مسبوقة في هذا المجال.
الشاعر والباحث والناقد علي العبدان هو أحد هؤلاء القلة المسكونين بهاجس التقصي والذهاب عميقاً بشكل رصين ومحكم، ومرتهن لأدوات معرفية، قادرة على الحفر والاشتقاق والقياس والمقارنة داخل هذا النهر الاستقصائي الغائر والمتشعب والممتد لمسالك وشعاب بعيدة ومتجذرة ارتبط بها الطرب الشعبي في الإمارات، ونهل منها، وكيّفها في النهاية لتصنع قواما وسَمْتاً يرتبطان بخصوصية المكان، وبالذائقة التراكمية لشاغلي هذا المكان، على مدى عقود طويلة سابقة.
وفي حوار أجريناه مع علي العبدان حول مشروعه البحثي الجديد الراصد لبدايات وتحولات الطرب الشعبي الإماراتي، ورواده، ومكامن تميزه، وتأثره أيضاً بفنون الدول الخليجية والعربية المجاورة، أوضح العبدان بأن لديه في هذه الفترة سلسلتان تُعنيان بالطرَبِ الشعبي ورُوّادِهِ في الإمارات: الأولى هي (حرفٌ وعزف)، والثانية هي (سلسلة روّاد الطرَبِ الشعبي في الإمارات)، وتأتي هاتان السلسلتان - كما أشار - ضمن الجهود الراميةِ إلى حفظ الذاكرةِ الصوتيةِ الشعبيةِ لِما لهذا الموضوع من الأهميةِ على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، خاصة أنها من صميم عمله الوظيفي، حيث يشغل منصب مدير إدارة التراث الفني بمعهد الشارقة للتراث، وستصدر السلسلتان قريباً ضمن إصدارات المعهد.

أصول الطّرب وفنونه
وفي سؤال عن أصولُ الطرَبِ الشعبي في الإمارات التي لم تكن تعرفُ هذا النوعَ من الفنون قبل مطلع القرن العشرين، أوضح العبدان أن الإجابة عن السؤال تطلّب منه السفر إلى مملكةِ البحرين الشقيقة، حيث عاشَ الكثيرُ من أبناءِ الإمارات منذ بدايةِ القرن العشرين، وألقى نظرةً على الطرَبِ الشعبيّ في البحرين وقتئِذٍ ليقتنع بما جزمَ بهِ الفنانُ البحريني محمد بن فارس من أنّ غناءَ أهل البحرين يتمثلُ في «الأصواتِ البحرينية»، «البستات العراقية»، و»الأدوار اليمانيّة»، ثم بيّن كيف تأثرَ أوائلُ المطربين الإماراتيين بهذه الأنواع من الغناء، وكيف أن النوعَ الأساسيَّ الذي قامت عليه الأغنية الإماراتية هو فن البسته بالذات، وضرب أمثلة على وصول ألحان تلك البستات، وكذلك الكثير من الألحان اليمنية إلى الأغاني الإماراتية منذ البدايات المبكرة.
مضيفاً: «كان الفنان الرائد حارب حسن أوضحَ الأمثلةِ على ذلك لكثرةِ ما اقتبس، وبيّنتُ أن هذا الأمرَ كان عاديّاً ومألوفاً لدى أغلبِ فناني ذلك الوقت في الخليج والجزيرةِ العربية، بل وحتى بقية البلاد العربية، ثم ذكرتُ المطربَ الإماراتيَّ الذي مضى بالأغنيةِ الإماراتيةِ إلى المَحليّةِ الخالِصة وهو الفنان علي بالروغه، وذلك عبرَ محاولتِهِ مُجاراةَ بعض أنواع الفنون الشعبية الإماراتية الأصيلة، وكيف أصبحَ مدرسة مستقلة تأثرَ بها الآخرون في الساحةِ الإماراتية، إلى أن وصلت الأغنية الإماراتية إلى شخصيتها المميزةِ لها، وضربتُ الأمثلة على ذلك».

أول مطرب محترف
تقصينا مع العبدان أيضاً أثر أول مطرب إماراتي محترف، فأجاب: «حسبَ وجهة نظري الخاصة بأنه مطرب دبي الفنان محمد عبد السلام، وقدمتُ الشواهدَ على ذلك».
وعن أهم هذه الشواهد التي قدمها في كتابه «حرف وعزف»، أوضح أنها تتلخص في خمس محطات مرتبطة بأغان معينة هي:
- (يا حبيب القلب عذبت الحشا)، شعر ماجد النعيمي، غناء حارب حسن.
- (قلبك حجر أو حديد)، شعر مبارك العقيلي، غناء مطرب الحَيّ محمد عبد السلام.
- (حياتي مالها معنى حياتي)، شعر راشد شرار، غناء سعيد سالم.
- (أمسى غثيث رْقادي)، شعر فتاة العرب، غناء علي بالروغه.
- (سافر غناتي)، شعر الشيخ حمد بن ماجد القاسمي، غناء عبد الله القطامي.
وحول الأسلوب الذي اتبعه في تثبيت هذه الشواهد، قال: «سأضربُ مثالاً على طريقتي في كتابةِ هذه المقالات بالمقالة الخاصة بأغنية «يا حبيب القلب عذبت الحَشا»، فأولاً ترجمتُ لشاعرها ماجد النعيمي، وأثبتُّ نصَّها، وذكرتُ وزنَها النبطي وهو «السامر»، وأنهُ نسيبٌ لوزن الرمَل في الفصيح.
كما ذكرتُ بعضَ جَماليّاتِ القصيدةِ ووزنِها، ثم ذكرتُ المطربَ الذي لحّنها وسجّلها وهو الفنان حارب حسن، وشيئاً من سِيرتِهِ الذاتية، ثم ذكرتُ المقامَ الذي لحّنَ القصيدةَ عليه، وهو مقام «النوا»، والنغماتِ التي يتكوّنُ منها، ثم وضّحتُ مسارَ اللحن، وكيفَ توزّعَ على الوزن الشعريّ، وكذلك الإيقاعَ الموسيقي، ومواضعَهُ الثقيلة والخفيفة في تفعيلاتِ القصيدة، ثم ختمتُ المقالة بفائدةٍ عن فن «الحَدوةِ» البحرية في الإمارات، وهكذا في بقية المقالات».

روّاد الطَّرَب
وعن أهداف (سلسلة روّاد الطرَب الشعبي في الإمارات) قال العبدان: «هذه السلسلة حولَ «رُوّاد الطرَب الشعبي في الإمارات» لها أهدافٌ أدبية وعِلمية عدة، منها توثيقُ سِيَرِ الشعراء الذين ساهموا في إبداعِ وإثراءِ كلماتِ الأغنيةِ الشعبيةِ الإماراتية، وتوثيقُ قصائِدِهم ونصوصِهم الغنائية، خاصة منها التي اشتهرت بين الناس، وعاشت في وجدان أبناءِ المنطقة، واتخذت لها مكاناً مميزاً في الذاكرةِ الصوتيةِ المَحَليّةِ والإقليمية».
واستطرد: «تهدف السلسلة أيضاً إلى توثيقُ سِيَرِ الفنانين والمطربين الشعبيين الذين قاموا على تلحين تلك النصوص، وظروف الحياة الفنية لكلٍّ منهم، وذِكرُ الأجناس الموسيقية أ و المقامات التي لُحِّنت عليها تلك الأغاني، وأهم ما يُميّز هذهِ الألحان، وتحليل مَساراتِها النغميّة بصورةٍ مُيسَّرة، وكذلك توضيحُ الأوزان الشعريّةِ للقصائد، ومدى مُلاءَمةِ الألحان المُختارةِ لها، هذا بالإضافةِ إلى فوائدَ أخرى أدبيةٍ وفنيّةٍ وتاريخيّةٍ سيجدُها القارئُ مَبثوثةً على مدى فقراتِ البحث والتوثيق».

مرامي التوثيق وأهميته
وعن مرامي وأبعاد البحثِ في الطرَبِ الشعبي الإماراتي، أوضح العبدان أنها أبعاد تمتلك أهميّةٍ بالغةٍ لأسبابٍ عدة، منها أن الطربَ الشعبيَّ القديمَ قد حفظ لنا الأدبَ الشعبي بقصائدِهِ، ومنها أن الطرَبَ الشعبيَّ قد أثرَ في الأدب الشعبي، حيث تغيّرَت بعضُ أشكال القوافي وأجراس الألفاظ تبعاً لِما خَبِرَهُ الشعراءُ من متطلّباتِ الطرَب الشعبي التي طرأت على ذائقة المجتمع المَحلّي، وهو تغيّرٌ خفيٌّ قد لا يُلاحَظ بسهولة، ومنها أنه حفظ بعضَ آداب الغناء القديم، وحفظ لنا ما يُشبهُ الخارطة التاريخيّة لسيْرورة الألحان والمقامات، خاصة تلك التي مَيّزت أو ما زالت تُميّزُ الذائقة المحليّة، والعلاقة الاشتقاقيّة بين الأجناس الموسيقية المستخدمة في الفنون الشعبية والأجناس المستخدمة في الطرب الشعبي، والتأثير والتأثّر، داخلَ حدودِ الوطن وخارجَه.
وقال إن الطربَ الشعبي في بعض مراحِلِهِ كان مُستمدّاً أصلاً من بعض الفنون الشعبيةِ المحليّة الأصيلة، كفن «الآهلَّه»، وفن «السيع/‏‏‏ السجع»، وفن «الونّه»، والحَدْوَه البحريّة، إلى غير ذلك من المعارفِ الشعبيةِ والثقافيةِ والأدبيةِ والفنية.
مضيفاً: «لا يخفى أن توثيقَ كل ما سبق يُعينُ على القياس والتقدير والتقييم من أجل بحثٍ معرفيٍّ جادٍّ في الذاكرةِ الصوتيّة، كما أنه يُفيدُ في علم الأجناس الموسيقية الشعبية المُقارَن، إلى غير ذلك مما يجعلُ الطربَ الشعبيَّ رافداً من روافِدِ الإسهام المحلّي في مسيرةِ الثقافةِ والمعرفة الموسيقيةِ والغنائيةِ في تاريخ العالَم وتراثِهِ الكبير».

عقبات
ولفت العبدان إلى العقبات التي واجهته أثناء هذه المغامرة البحثية، معترفاً بأن البحث الموسيقي العِلمي في تجاربِ روّادِ الطرب والغناء في الإمارات وتوثيقها لا يخلو من صعوباتٍ كبيرة، وأكبرُها، بل أخطرُها ندرةُ التوثيق لغيابِ الوعي بأهميّتِه، وقلة المعلومات عن تاريخ السيرة الذاتية لكل فنان، وكذلك السيرة الفنية، كتواريخ التسجيلات، والجهلُ بمقامات ألحان الأغاني إنْ كانت أسطواناتها مفقودة، وفقدان الأسطوانات ذاته أيضا، وفقدان غيرها من المصادر كذلك كالنصوص الكاملة للأغاني، أو هُويّاتِ أصحابِ النصوصِ من الشعراء، هذا بالإضافةِ إلى تناقص الفنانين وكذلك الرواة الذين شهدوا تلك البداياتِ البعيدة في مسيرة الطرَب الشعبي حيث غيَّبَ الموتُ الكثيرين منهم، إلى غير ذلك من صعوباتٍ تُعيقُ البحثَ والنقدَ والمُقارَنة العِلميّة.

كتابات قاصرة
وعن مدى استفادته من المؤلفاتٍ والكتاباتٍ الصادرة في هذا الشأن، ألمح العبدان إلى أن الكثير من هذه المؤلفات غيرُ كافية، بل هي - من وجهةِ نظره - قاصِرةٌ على نحوٍ واضحٍ عن بلوغ المُرادِ في هذا السياق، فهذهِ الكتاباتِ لا تتحدثُ عن أيِّ تحليلٍ موسيقيٍّ إطلاقاً، مع أنها تتحدثُ عن فنٍّ موسيقيّ، وبذلك هي تُغفِلُ أيَّ قِيَمٍ موسيقيّةٍ جَماليّةٍ ومعرفيّةٍ تتضمنها أغاني الطرَب الشعبي، وبدلاً من ذلك تهتم بذكر السيرةِ الذاتيةِ للمطرب، وسِيَر الشعراء أصحاب القصائد التي غنّاها ذلك المطرب، لكنها أيضاً لا توثقُ المعلومات المذكورة بأي مرجع أو مصدر كتابي أو شفوي.
وأشار العبدان في ختام حديثه إلى أن تلك الكتابات اهتمت بنشر نصوص الأغاني كاملة، مع توضيح بعض مفرداتِها، واصفا هذا النمط بأنه مجرّدُ مَنحىً أدبيّ، وهو جيّد، لكنّه ليس الموضوعَ الرئيسَ في هذا السياق، كما أنه ليس ذا فائدةٍ كبيرةٍ إنْ لم يكن مصحوباً بالكلام على الألحان والأوزان، لذلك فهو لا يرى في هذهِ المؤلفاتِ والكتاباتِ ما يُغني عن قيامه بالكتابةِ في هذا الجانبِ المهم من الذاكرةِ الشعبية، وقال: «قمتُ بالكتابة النقدية الفنية في هذا السياق، ومحاولة التحليل الرصين، والتوثيق الدقيق قدرَ المُستطاع لجانبٍ أساسيٍّ من جوانبِ تاريخ الطرَبِ الشعبيّ ورُوّادِهِ في الإمارات».

عقبات التوثيق: ندرة وفقدان وغياب ورحيل الرواة
البحث الموسيقي العِلمي في تجاربِ روّادِ الطرب والغناء في الإمارات وتوثيقها يواجه صعوبات وعقبات كثيرة، أهمها:
* ندرةُ التوثيق لغيابِ الوعي بأهميّتِه.
* قلة المعلومات عن تاريخ السيرة الذاتية لكل فنان.
* قلة المعلومات عن السيرة الفنية، كتواريخ التسجيلات.
* الجهلُ بمقامات ألحان الأغاني إنْ كانت أسطواناتها مفقودة.
* فقدان الأسطوانات ذاتها، وفقدان غيرها من المصادر.
* فقدان النصوص الكاملة للأغاني، أو هُويّاتِ أصحابِ النصوصِ من الشعراء.
* تناقص الفنانين وكذلك الرواة الذين شهدوا تلك البداياتِ البعيدة في مسيرة الطرَب الشعبي، حيث غيَّبَ الموتُ الكثيرين منهم.

حرف وعزف
عن طبيعة كتابه (حرف وعزف)، أشار العبدان إلى أنه عبارة عن مقالات نشرت بمجلة (مَراود) التراثية، وقد بدأه بمقدّمةٍ ذكر فيها سببَ نشرِ هذا الكتاب، وطريقته في تأليفِ مقالاتِه، ثم كتب تمهيداً ضروريّاً حولَ موضوع الطرَبِ الشعبيّ ورُوّادِهِ في الإمارات، أوضح من خلالِهِ مقصوده بالطرَبِ الشعبيّ، واضعاً بعضَ القيودِ التي تُخرجُ كلاً من فئةِ الفنون الشعبية وفئةِ الغناءِ الحديث من مفهوم الطرَبِ الشعبي.

سلسلة الروّاد
وصف العبدان كتابه الثاني (سلسلة روّاد الطرَب الشعبي في الإمارات)، بأنه كتابٌ يُفصّل في حياة كل فنان من روّاد الطرَب الشعبي، وسيرته الفنية، ونماذج من أغانيه، وسيصدر منه جزءان قريباً، الأول عن سيرة الفنان الأستاذ عبد الله عبد الحميد، أول موسيقي من الشارقة، والثاني عن سيرة الفنان محمد عبد السلام أول مطرب من دبي، وهما قيدَ التحرير للطباعة.