الاقتصادي

السياسة المالية.. أداة الحكومات لتحقيق التوازن الاقتصادي واستدامة النمو

مصطفى عبد العظيم (دبي)

تعد السياسة المالية من المفاهيم التي طرأت عليها تحولات كبيرة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والمالي، فهي المرآة التي تعكس الدور الاقتصادي والاجتماعي للحكومات وتشكل انعكاساً له في كل عصر. ففي العصور القديمة كان دور السياسة المالية باهتاً جداً، ولم تكن هنالك دلالات واضحة على تكوين سياسة مالية قائمة ومنظمة ومنفصلة عن مالية الحكام في تلك العصور، وكانت مالية الدولة مرتبطة بمالية الحاكم وله فيها حق التصرف المطلق.
ومع بداية نشأة الرأسمالية في أوروبا وإعادة تشكيل الدولة الحديثة عاد مفهوم المالية العامة إلى الظهور، وأدت الدولة دوراً حيوياً في تراكم رأس المال التجاري وإقامة الصناعات، وكان هدف السياسة المالية في ذلك الوقت هو بناء أسس نظام اقتصادي جديد يقوم على أساس تحويل المجتمع من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع رأسمالي وتوفير الشروط الأساسية لهذا التحول، تمثلت في إيجاد المناخ المناسب لإقامة المشروعات الخاصة وظهور طبقة الرأسماليين الجدد وتطويرها، لهذا اتسع النشاط المالي للدولة في بداية تشكل الرأسمالية.
وبعد أن قامت الدولة بهذا الدور وحققت أهدافها في إرساء أسس النظام الليبرالي تراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وأصبحت أهداف السياسة المالية فيها تقتصر على حماية هذه الأسس وترك النشاط الاقتصادي للمبادرة الفردية، وفي ظل هذه الأفكار أصبحت السياسة المالية للدولة، هي سياسة حيادية وتقلص نطاق النفقات العامة إلى أقل مدى واقتصرت على الأعمال التي يصعب على الرأسمالي القيام بها والتي لا تدر عليه ربحاً، وذلك من أجل جعل الضرائب أقل ما يمكن، كي لا تؤثر في تلك المبادرة، وأصبح التوازن المالي هو هدف السياسة المالية في تلك الحقبة ودور المالية العامة اقتصر على الهدف المالي المتمثل في الحصول على الإيرادات اللازمة والمساوية لتكاليف نفقاتها العامة من دون أي هدف آخر، وكان للاقتصادي آدم سميث الدور الرئيس في تحديد ذلك في كتابه «ثروة الأمم» المنشور عام 1776.
إلا أن الأسس السابقة والتداعيات الناجمة عن تطور العملية التصنيعية والتكنولوجية وأثر ذلك في الوضع الاجتماعي، وظهور الأزمات الاقتصادية مهد الطريق لإعادة النظر في هذه الأسس فتطورت النظرة إلى المالية العامة، لتصبح سياسة تستخدم فيها الحكومة برامج الإنفاق العام والإيرادات العامة، لتحدث آثاراً مرغوبة في كل من مكونات الاقتصاد الكلي وتمنع عنها الآثار غير المرغوبة.
ومنذ ذلك الوقت وحسب ما جاء في دراسة نقلتها الموسوعة العربية، تمايزت المالية العامة من مفهوم السياسة المالية، وكان للاقتصادي جون مانيارد كينز الدور الرئيس في ذلك في مؤلفه «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود» المنشور عام 1936، مما جعل الدولة تنتقل من مفهوم الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة المسؤولة عن تحقيق التوازن الاقتصادي الذي سمح لها بالتدخل بالحياة الاقتصادية والاجتماعية واستمرار النمو والتنمية.
وفي سياق التعريف الحديث للسياسة المالية، تقوم الحكومات بدور حيوي ومهم في استقرار الاقتصاد الوطني عن طريق مواجهة الاختلالات والمشاكل الاقتصادية التي يتعرض لها اقتصاد بلدانها، فاختلال التوازن في الاقتصاد والذي ينتج بسبب التغيرات في الطلب الكلي والعرض الكلي، قد يعرض الاقتصاد إلى مشكلة التضخم أو البطالة أو (التضخم الركودي، والذي يتميز بارتفاع معدلات البطالة والتضخم في آن واحد، الأمر الذي يدفع الحكومات لمواجهة هذه المشاكل من خلال استخدام أدوات السياسة المالية.
فعند اختلال التوازن في الاقتصاد، تستطيع الحكومة تغيير حجم إنفاقها الحكومي، من أجل التأثير على حجم الطلب الكلي، وبالتالي الوصول إلى مستوى التوازن من جديد. أما الطريقة غير المباشرة فتتمثل في استخدام الضرائب، التي تؤثر بالتالي على كل من الاستهلاك والادخار، فارتفاع مستوى الضريبة المفروضة على دخول الأفراد يؤدي إلى انخفاض الدخل الشخصي المتاح، وبالتالي انخفاض حجم الاستهلاك والادخار، ومن ثم انخفاض حجم الطلب الكلي. والعكس صحيح عند قيام الحكومة بتخفيض حجم الضريبة.

أهداف السياسة المالية
تقوم الحكومة باتباع السياسة المالية، من أجل تحقيق العديد من الأهداف، من أهمها، المحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار، وبالتالي تجنب الوقوع في مشكلة التضخم، وكذلك استغلال جميع الموارد الإنتاجية المتوفرة في الاقتصاد المحلي، والتوصل إلى مستوى التوظف الكامل للاقتصاد المحلي، وتجنب الوقوع في مشكلة البطالة،إضافة إلى دعم مسيرة التنمية الاقتصادية، ورفع مستوى النمو الاقتصادي.

السياسة المالية والفجوات الاقتصادية
لنفترض أن خللاً ما قد واجه الاقتصاد المحلي، بحيث أصبح الطلب الكلي أكبر من العرض الكلي، فعندما نكون في وضع أقل من وضع التوظف الكامل، فإن النقص في المخزون يدفع المنتجين إلى توظيف عناصر إنتاج جديدة مثلاً من أجل زيادة مستوى الإنتاج، ومن ثم يرتفع حجم الناتج (العرض الكلي)، إلى أن يتساوى مع حجم الطلب الكلي. أما إذا كان الاقتصاد في وضع التوظف الكامل، فإن هذا يعني أن جميع عناصر الإنتاج الموجودة في الاقتصاد موظفة بشكل كامل، وبالتالي فمن غير الممكن توظيف عناصر إنتاجية جديدة. إن ارتفاع حجم الطلب الكلي في هذه الحالة، وعجز العرض الكلي عن ملاحقة الطلب الكلي ستؤدي إلى مشكلة تضخم، ولمواجهة هذه المشكلة، تقوم الحكومة بالتدخل، وهو ما يعرف بمواجهة الفجوة التضخمية وهي الفجوة الناتجة عن زيادة الطلب الكلي عن العرض الكلي، وذلك عند مستوى التوظف الكامل، وبالتالي محاولة تقليص حجم الطلب الكلي في الاقتصاد.
وبما أن الإنفاق الحكومي يعتبر عنصراً من عناصر الإنفاق الكلي، أو الطلب الكلي، فإن تقليص أو تخفيض حجم الإنفاق الحكومي سيؤدي إلى تقليل حجم الإنفاق الكلي إلى المستوى الذي يكون فيه الطلب الكلي مساوياً للعرض الكلي.
من جانب آخر، تستطيع الحكومة استخدام الأداة الثانية من أدوات السياسة المالية، وهي الضرائب. فعند فرض ضريبة على الدخل، فإن ذلك سيؤدي إلى تقليص مستوى الدخل الشخصي المتاح بقيمة الضريبة ومن ثم انخفاض مستوى الاستهلاك ومستوى الادخار. إذاً، تقوم الحكومة باتباع سياسة مالية انكماشية، والتي تتمثل في تخفيض حجم الإنفاق الحكومي، أو زيادة الضرائب من أجل مواجهة الفجوة التضخمية.
لنفترض الآن أن خللاً ما قد واجه الاقتصاد بحيث أصبح الطلب الكلي أقل من العرض الكلي، في هذه الحالة فإن كمية الطلب الكلي أقل من حجم الناتج الموجود في الاقتصاد، وتسمى هذه الحالة بالفجوة الانكماشية، فإذا كان الاقتصاد في وضع أقل من وضع التوظف الكامل، فإن الزيادة في المخزون (أي الفائض من السلع والخدمات)، ستدفع المنتجين إلى توظيف عناصر إنتاج أقل من أجل تقليل حجم الناتج، ومن ثم انخفاض العرض الكلي إلى أن يتساوى مع حجم الطلب الكلي. وفي هذه الحالة سيواجه الاقتصاد مشكلة بطالة، وذلك بسبب الاستغناء عن بعض العناصر الإنتاجية.
وتقوم الحكومة بالتدخل من أجل مواجهة الفجوة الانكماشية، من خلال محاولة زيادة حجم الطلب الكلي في الاقتصاد عن طريق إتباع سياسة مالية توسعية، وتتمثل هذه السياسة في زيادة حجم الإنفاق الحكومي، والذي سيؤدي إلى زيادة حجم الإنفاق الكلي إلى المستوى الذي يتساوى فيه كل من الطلب الكلي مع العرض الكلي.
أما عند استخدام الحكومة للأداة الثانية من أدوات السياسة المالية التوسعية وهي الضرائب، فإن مواجهة الفجوة الانكماشية تتم عن طريق تقليل حجم ضريبة الدخل، حيث سيؤدي ذلك إلى زيادة مستوى الدخل الشخصي المتاح بقيمة الضريبة ومن ثم ارتفاع مستوى الاستهلاك ومستوى الادخار، إذاً، تقوم الحكومة باتباع سياسة مالية توسعية وذلك لمواجهة الفجوة الانكماشية.
أما المحور الثالث، فيتعلق بمقدار الشفافية التي تتسم بها الموازنة، حيث أضحت الشفافية مسألة ضرورية ومهمة لكل المجتمعات. ولهذا تشترط الشفافية توفر المعلومات الدقيقة في مواقيتها، وفي هذا الإطار يرى خبراء صندوق النقد الدولي أن الشفافية هي الانفتاح على الجمهور فيما يتعلق بهيكل ووظائف القطاع الحكومي ونوايا السياسة الاقتصادية وحسابات القطاع العام التي من شأنها تعزيز المساءلة وتثبيت المصداقية وحشد تأييد قوي للسياسات الاقتصادية من جانب الجمهور الذي سيكون على علم تامٍ بمجريات الأمور.


كفاءة إدارة المال العام
ترتبط كفاءة إدارة المال العام بثلاثة محاور رئيسية يتصدرها محور فعالية السياسة المالية، إذ تتمحور الأهداف الرئيسية للمالية العامة أساساً حول تعزيز النمو الاقتصادي، وتشجيع استخدام الموارد بكفاءة وفعالية، والمساهمة في إحداث التغييرات الهيكلية المطلوبة في الاقتصاد وتدعيم القواعد الإنتاجية، وإزالة المعوقات التي تحول دون تفعيل عمل الأدوات الاقتصادية، مع مراعاة الفئات الاجتماعية الضعيفة. وبالتالي يتمثل التحدي الذي يواجهها في ضمان مستوى من الإنفاق العام يتسق مع الاستقرار الاقتصادي الكلي، ثم تجرى بعد ذلك هيكلة الإنفاق كجزء من الإجراءات التنفيذية للسياسة المالية، الأمر الذي يعني أن هيكل الإنفاق العام لا حجمه هو المهم في هذا المجال.
وبالتالي فالحكم على كفاءة السياسة المالية يتعلق بمدى ما تحقق من هذه المبادئ، وكذلك السياسات المزمع تنفيذها ومدى قدرتها على التعامل مع الواقع الاقتصادي المعيش. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ثورة المالية العامة في الدول الصناعية الكبرى قد استهدفت أساساً علاج مشكلات الدورة الاقتصادية، بينما ثورة المالية العامة في الدول النامية كانت ذات طابع مختلف، لأنها استهدفت الارتقاء بمستوى المعيشة وتحقيق الأهداف التنموية. كما أن تحديد خطورة العجز من عدمه ترتبط بالأساس بالحالة الاقتصادية للبلاد، سواء في الأجل القصير والمتوسط أو الطويل، فإذا كانت الدولة في حالة كساد فإن السعي نحو تحقيق التوازن المحاسبي في الموازنة يعتبر هدفاً غير سليم من المنظور المجتمعي؛ إذ يسهم في المزيد من التباطؤ الاقتصادي.
أما المحور الثاني فيتعلق بمدى سلامة المالية العامة:
تركز الكتابات الحديثة في المالية العامة على فكرة الاقتدار المالي، وهي تشير ببساطة إلى إن السياسة المالية تصبح غير قابلة للاستمرار إذا أدت إلى تراكم الدين العام بشكل يفوق قدرة الحكومة على خدمة هذا الدين على المديين المتوسط والطويل. لذا فإن تقييم هذه الأوضاع على أنها غير قابلة للاستمرار في المستقبل قد يشير إلى ضرورة إجراء تغييرات في السياسة الراهنة. وبمعنى آخر يجب أن تسعى الدولة دائماً إلى التأكد من قدرة اقتصادها على تحمل مستوى الدين العام ومعدل نموه، ومن إمكانية خدمة هذا الدين في كل الظروف والاحتمالات المختلفة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الأدبيات لم تنبئنا بنسبة معينة من الدين العام إلى الناتج يمكن اللجوء إليها، بحيث يصبح تجاوزها يهدد الاستقرار الاقتصادي الكلي. وإن كان البعض قد لجأ إلى النسبة التي تم التوصل إليها في إطار اتفاقية ماسترخت للوحدة الأوروبية وهي 22%، فإن هذه النسبة يؤخذ عليها عدة أمور أولها أن هذه النسبة وضعت في إطار الاتفاق على التوحيد النقدي أي إنشاء عملة أوروبية موحدة وهو أمر يختلف تماماً عن تقييم السياسة المالية في حد ذاتها. ثانياً أن هذه البلدان تختلف اختلافاً كبيراً من حيث مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي بها، وبالتالي لا يجوز اللجوء إليها باعتبارها المرجعية الأساسية في هذا المجال. وبالتالي فإن تحديد مستوى معين للدين العام يتوقف على طبيعة كل دولة على حدة ومدى التطور الاقتصادي والاجتماعي والظروف المحيطة بها والاحتمالات المستقبلية للنمو...إلخ من العوامل الأساسية.
عموماً فإن ازدياد الدين العام إلى الحد الذي يتعذر معه ببساطة الاستمرار في تحمل أعبائه على المدى البعيد يشير إلى ضعف المالية العامة. وبمعنى آخر فإن القدرة على تحمل الدين تتوقف على سعر الفائدة ومعدل النمو الاقتصادي ونسبة الرصيد الأساسي للموازنة)، أي العجز الأولي للموازنة، وهو عبارة عن العجز الكلي مطروحاً منه مدفوعات الفائدة (إلى إجمالي الناتج. وطالما أن سعر الفائدة على الدين العام يتجاوز المعدل الأسمى للنمو الاقتصادي، فإن الدين العام سيميل إلى النمو بوتيرة أسرع من إجمالي الناتج المحلي، إلا إذا كان لدى البلد فائض أساسي في الموازنة. وكلما اتسعت الفجوة بين سعر الفائدة ومعدل النمو الاسمي، كبر حجم الفائض الأساسي المطلوب للحفاظ على نسبة الدين إلى الناتج.
وهكذا يؤثر معدل النمو الحقيقي، على أوضاع الدين الحكومي، فنمو الاقتصاد بخطوات أبطأ من سعر الفائدة الحقيقي يترتب عليه نمو الدين بخطوات أسرع من قدرة الحكومة على سداده، وبالتالي فإن استهداف سقف محدد لنسبة الدين يتطلب سياسة اقتصادية تحقق نمواً اقتصادياً أعلى من سعر الفائدة، وفي الوقت نفسه تحقق عجزاً أساسياً لا تزيد نسبته على مقدار محدد.