دنيا

الرضاعة الطبيعية.. «همزة وصل» فطرية تقوي العلاقة بين الأمهات والأبناء

الرضاعة الطبيعية جرعة متكاملة من الغذاء والحنان من الأم لطفلها (أرشيفية)

الرضاعة الطبيعية جرعة متكاملة من الغذاء والحنان من الأم لطفلها (أرشيفية)

تبدي سلمي محمد 37 سنة، وهي أم لبنت في الثالثة عشرة من عمرها، وولد في السادسة، ندمها على وقفها إرضاعهما بشكل طبيعي قبل أن يتما ستة أشهر، ولفت إلى أن الدافع من وراء ذلك هو اعتقادها بأنه سيجنبها الإرهاق والضعف في جسدها، وهم الآن بصحة جيدة، غير أن ابنتها التي تمر بمرحلة مراهقة، تتصرف معها بشكل لا يخلو من الشدة والعنف. هذا السلوك من جانب ابنتها، جعلها تبحث عن الأسباب من خلال مصادر علمية، فوجدت أن عدم إرضاعها طبيعياً قد يتسبب في فقدان الطفل لكثير من مشاعر الأمان والحنان التي يحتاجها الرضيع في هذه السن، ولا يستشعرها إلا باحتضان الأم له، وهو ما يكون بشكل دائم خلال عملية الرضاعة، وهي تخشى الآن أن يسير سلوك ابنها في الاتجاه ذاته.

تحاول سلمى محمد الآن تعويض ابنها عن عدم اتمام رضاعته بمزيد من الحنان، والاقتراب منه ومصادقته واللعب معه فترات طويلة، علّ ذلك يخفف من آثار عدم استمتاعه بالقرب منها خلال سن الرضاعة.
وحالة سلمى تنطبق على أمهات كثر، فعلى الرغم من التسليم بهذا الحق للطفل، إلا أن نسبة ليست صغيرة من الأمهات تعتمد على الحليب الصناعي في تغذية أطفالهن، ويتحججن بكثير من المبررات سواء المتعلقة بالعمل وضيق الوقت أو رغبتهن في الحفاظ على مظهرهن الخارجي من آثار الحمل والرضاعة، وهو مفهوم خاطئ وشائع بين كثير من الأمهات اللواتي لا يدركن المنافع العظيمة التي يتحصلن عليها ومن ثم الأبناء من خلال الرضاعة الطبيعية.
وعلى الرغم من أن كثيراً من الأمهات هذه الأيام ازدادت لديهن مشاغل الحياة، نتيجة الجمع بين العمل وشؤون الأسرة، إلا أن تمسكهن بمنح الطفل حقه الطبيعي في الرضاعة، يجب أن يأتي في مقدمة أولوياتهن لما فيه من صحة نفسية وبدنية للطفل والأم على حد سواء.
أنظمة العمل
بينما تقول داليا الشقيري 30 سنة، وتعمل موظفة إدارية بإحدى شركات القطاع الخاص، إن لديها طفلاً واحداً، عمره عام، وتحرص باستمرار على إرضاعه طبيعياً، ولا تلجأ إلى الحليب الصناعي إلا في أضيق الحالات، حيث تعمل إلى ملء عبوة بالحليب الطبيعي وتركها مع مشرفة الحضانة التي ألحقت ابنها بها، حيث يتناول الرضيع هذا القدر من الحليب حين يشعر بالجوع في غياب الأم.
وتوضح أن أنظمة العمل تساعدها على قيامها بارضاع ابنها طبيعياً، حيث انخفضت ساعات عملها من ثماني ساعات إلى سبع، كون هذه النظم، تجبر الشركات والمؤسسات على منح ساعة رضاعة للأم، وهو جهد مشكور، من منطلق توفير أفضل أجواء العمل والظروف المناسبة، التي تساعد على التركيز في الأداء، بما لا يؤثر على حقوق أبناء المرأة العاملة، وفي مقدمتها حق الرضاعة.
زميلتها عائشة حمدان 41 سنة، وهي أم لولدين، مروان 7 سنوات، وعبد الرحمن 11 سنة، ذكرت من جانبها أنها لم تستخدم الحليب الصناعي أبداً في إرضاع أبنائها، كونها لا تعمل في فترة الحمل والرضاعة، وكل تركيزها في رعاية أبنائها وإرضاعهن بشكل طبيعي كما أمرنا الله، لأن هذه حق من حقوقهم ولا ينبغي لأي أم أن تقصر فيه، فالأم أمينة على غذاء الطفل في هذه المرحلة الحساسة من عمره، ويجب عليها توصيل هذه الأمانة حتى يكافئها الله سبحانه وتعالى على ذلك، ويشب أبناؤها صالحين، جسدياً وعقلياً، وناجحين اجتماعياً.
أعباء الرضاعة
ولفت إلى أن كثيراً من الفتيات هذه الأيام يعتمدن بشكل كبير على الحليب الصناعي، ظناً منهن أن ذلك يريحهن من أعباء الرضاعة وحمل أبنائهن، لاسيما أن العمل يأخذ الكثير من وقتهن، وهو ما ترفضه عائشة حمدان بالمرة، موضحة أن تربية أبنائها وإعطائهم حقوقهم كافة بشكل سليم يأتي في مقدمة واجبات أي أم قبل العمل وتحصيل المال، لأن تربية الطفل إذا ما أحسناها تكفل لنا عيشة سعيدة بعيدة عن المشكلات والمنغصات الكبيرة، خاصة في سن المراهقة والشباب، وهي المرحلة التي تعانيها كثير من الأسر، من مشكلات ناتجة عن سوء التنشئة في مراحل عمرية سابقة.
في السياق ذاته تشرح علياء المهيلمي، وهي أم لأربعة أبناء أسباب اعتمادها بشكل رئيسي على الرضاعة الطبيعية، موضحة أن حليب الأم يحمل معه الخير الكثير للأبناء، خاصة في الفترات الأولى من الرضاعة، حيث يحمل حليب الأم كثيراً من أساليب المناعة ومقاومة الأمراض، خاصة في الأسبوع الأول من الرضاعة، وهو ما يطلق البعض عليه «لبن السرسوب»، حيث يزيد من مناعة الطفل ويقيه الكثير من الأمراض، وهو لا يزال في أيامه الأولى من الحياة، وعرضة للإصابة بكثير من الأمراض المعدية أو نتيجة التعامل الخاطئ معه من جانب الأمهات اللواتي يواجهن تجربة الإنجاب والرضاعة للمرة الأولى.
نقل المناعة
من ناحيتها تقول اختصاصية طب الأطفال في أحد المراكز الطبية بأبوظبي، الدكتور غادة الكثيري العدل، إن أهمية الرضاعة الطبيعية للطفل تتمثل في أن حليب الأم هو الذي خلقه الله للطفل، وبالتالي هو الأنسب له وأكثر فائدة للنمو والتطور العضلي والذهني، وحليب الأم ينقل المناعة التي اكتسبتها الأم طوال حياتها للطفل، يحتوي على البروتين المناسب للطفل والقادر على هضمه والاستفادة منه، يحتوي على الدهون الأولية التي يحتاجها الطفل لنمو المخ والابصار، مجرد رضاعة الطفل من الأم بشكل كامل يقلل نسبة الإصابة بالنزلات المعوية ونسبة الإصابة بالإسهال، وكلما زادت نسبة الرضاعة الطبيعية قلت نسب الحساسيات المختلفة مثل الصدر والجلد.
وأضافت: الرضاعة الطبيعية تقلل نسب الإصابة بأمراض العدوى التنفسية، وتساهم في ارتفاع الوظائف الذهنية للأطفال في عمر 5 سنوات وما فوق، ترفع من ارتباطه بالأم، وهذا يؤهله لاستقرار نفسي، وهو ما يفسر سبب حالة جفاف مشاعر بعض الأبناء نحو أمهاتهم، حيث يحتوي حليب الأم على مستوى طاقة متوازٍ يتحكم فيه الطفل حسب احتياجه، بخلاف الحليب الصناعي الذي قد يؤدي إلى السمنة أو الضعف، كما يسبب أمراض السكر والضغط وأمراض القلب مع التقدم في العمر بالنسبة لمن اعتمدوا على الحليب الصناعي في سن الرضاعة.
تشفيط الحليب
وحول الكيفية التي تمكن المرأة العاملة من أن ترضع ابنها تقول: من السهل على المرأة التي ترضع لمدة ثلاثة أشهر أن تحافظ على الرضاعة، وذلك بأن تقوم بتشفيط الحليب كل 3 ساعات أثناء العمل لمدة 10 دقائق، وهذا يساعد على الإدرار، وتضمن لابنها مقدار الحليب الذي يحتاجه ولا تضطر لشراء الحليب الصناعي، ويمكن حفظ حليب الأم لمدة 6 ساعات داخل حرارة الغرفة العادية التي تبلغ 25 درجة مئوية، في الثلاجة لمدة 5 أيام، والفريزر لمدة 4 أشهر، في الديب فريزر 6 أشهر. وتنصح الأمهات العاملات بحفظ الحليب في مؤخرة الثلاجة حتى لا يتأثر بفتح وإغلاق باب الثلاجة، ولاستخدام الحليب المجمد يكون بتمرير الماء الدافئ على العبوة، ويجب ألا نتركه يذوب في حرارة الجو، ولا يجب غليانه أو وضعه في الميكروويف، والحليب المذاب يمكن الاحتفاظ به لمدة 24 ساعة داخل الثلاجة، ولا يمكن إعادة تجميده.
وفائدة الرضاعة الطبيعية للأم أنها تساعدها على التخلص من الدهون التي تراكمت في جسدها وقت الحمل، واستعادة رشاقتها ووزنها قبل الحمل بسرعة، وتزيد من ارتباط الأم بالابن، وبالتالي تعلي استجابة الأطفل، ذوي الرضاعة الطبيعية، للأم خلال عملية التربية، وتقلل نسب الإصابة بسرطان الثدي للأمهات اللواتي اعتمدن على الرضاعة الطبيعية.
وعن كيفية التغذية السليمة خلال الرضاعة، أن النظام الغذائي يجب أن يحتوي على المواد الغذائية الرئيسة كافة، ويجب أن تكون منتجات الألبان قليلة الدسم، ولكون الأم لديها احتياجات أعلى للفيتامينات والأملاح والسعرات الحرارية، هذا يدفعنا لتزويد نسبة الأخيرة بمقدار 10%، وتعتمد نسبة هذه الزيادة على إذابة الدهون التي تكونت أثناء الحمل، كما يرتبط بالتكوين الجسماني للأم ومدى ممارستها للنشاط الرياضي.


الأنواع الصناعية مكملات غذائية فقط

فيما يخص الجانب الصيدلاني باعتباره الجهة التي تحصل من خلالها الأمهات على الحليب الصناعي، يقول الدكتور لؤي محمد عيسى من واقع خبرته التي قاربت الخمسة عشر عاماً في مجال الصيدلة والتعامل مع جمهور الأمهات المرضعات من الفئات العمرية والشرائح المجتمعية كافة، إن جميع أنواع الحليب الصناعي المتوافرة بالصيدليات هي مكملات غذائية فقط، لمساعدة الأم أثناء فترة الرضاعة الطبيعية، وهي بذلك تغاير مفهوماً شائعاً لدى كثير من النساء بأن الحليب الصناعي قد يغني عن الرضاعة الطبيعية من دون أن يترك تأثيراً سيئاً على أبنائهم، وهذا مخالف للحقائق العلمية التي أثبتت أن حليب الأم لا يضاهيه أي من منتجات الألبان التي توصل إليها العلم حتى الآن. وبالنسبة للإقبال المتزايد من جانب بعض الأمهات على استعمال الحليب الصناعي، يوضح أن ذلك يرجع بشكل رئيس للنقص المتزايد في إدرار الأمهات للحليب، وهذا ينجم عن مجموعة من العوامل، في مقدمتها سوء التغذية والتوتر والاجهاد النفسي التي قد تواجهه بعض السيدات العاملات، ومن الأسباب الأخرى التي تدفع النساء إلى استخدام الحليب الصناعي، حرص الأم على رشاقتها واعتقادها الخاطئ أن الرضاعة الطبيعية تؤثر على مظهرها الخارجي بالسلب.


نقل العناصر الوقائية من جسم الأم إلى طفلها

أثبتت دراسات علمية أعلنت نتائجها في ألمانيا مؤخراً، أن حليب الأم لا يعد مجرد وسيلة غذائية لإطعام الطفل فحسب، إنما يعمل على نقل العناصر الوقائية من جسم الأم إلى طفلها، لذا يُمكن للأطفال الذين يرضعون طبيعياً من أمهاتهم، التصدي للجراثيم المهاجمة لأجسادهم على نحو أفضل من غيرهم، كما ينخفض لديهم خطر الإصابة بالحساسية، نظراً لقلة المواد الغريبة التي تصل إلى أجسامهم. وأكدت الأبحاث أن الرضاعة الطبيعية تتمتع بفائدة كبيرة في وقاية الطفل خلال هذه المرحلة، كما تساعد على انخفاض زيادة وزن الطفل، حيث ينخفض خطر البدانة لدى الأطفال الذين يرضعون طبيعياً عن غيرهم، لكن لا يعني ذلك عدم اكتساب الطفل كيلوغرامات زائدة في المستقبل، كما تتمتع الرضاعة الطبيعية بأهمية كبيرة أيضاً في كوّنها تدعم العلاقة بين الأم وطفلها، وتوجد العديد من الأسباب الأخرى التي تُؤكد أهمية حليب الأم، من بينها مثلاً أن تكوينه ودرجة حرارته يتناسبان مع الطفل، فضلاً عن أنه متاح دائماً له.