الملحق الثقافي

فوزية أبو خالد.. المخطوفة ليلة العرس

1
عند كتابها الأول، وبعنوانه الفاتن، استطاعت فوزية أبو خالد أن تخطف أنفاسنا، نحن فتية السبعينات، وهي تكتب خطواتها الأولى في فضاء التفلّت الفني النادر الجديد. وقتها كانت الكتابة خارج تابوت الالتزام ضرباً من التابو الذي تلوّح به منظومة الواقعيات الاشتراكية. فوجدنا في ذلك العنوان إشارة دالة تشدّ أزر القتلى في معارك غير متكافئة، بين أوهام الموتى وأحلام الجرحى.

2
الاندفاقة الروحية المبكرة في نصوص كتابها الأول، كانت تشي بأن فوزية أبو خالد على درجة من وعي الحرية، بحيث يمكننا، (الآن بوضوح أكثر) ملاحظة التلازم الفني، بالغ العفوية، بين نزعة التعبير الذاتي في واقع موضوعي مكبوح، وشكل متحرر من جاهزية شرطٍ مسبقٍ كانت الكتابة العربية ترفل في أذياله.
وفي ذلك كانت تكمن خصوصية التجربة الفتية التي اقترحتها فوزية أبو خالد على ملابسات تلك اللحظة الأدبية في منطقتنا.
وقتها، لم تكن الشاعرة للحروب ولا المبارزات. كانت تتنفس حرية الطفولة فحسب. وعيها كان قلبياً، وليس قبلياً.
لم تنظر وتتأمل، كانت ترى، تريد أن ترى وتشغف. وظني أن الشعر هو رؤية القلب.

3
كانت في بيروت للدراسة، يوم التقينا للمرة الأولى. بداية السبعينات. نناقش، بحرية الحماس المتأجج، القضايا الأدبية التي كانت تتعثر بها خطوات التجربة الشعرية المحدثة. تلك السبعينات التي حكمت حيويتها الثقافية منظورات الالتزام ومعطيات الفعاليات الأيديولوجية، نضالاً وأساليب حياة وكتابة. وكأننا نأتي من الكوكب الغريب، بما يشبه شهوة المنتقمين، رافضين سؤال لمن تكتب، في مسألة مفادها: كلما بالغتَ في الاكتراث بما يريد القارئ، خسرتَ حرية ما يريد الكاتب.
وأظن أن فوزية أبو خالد بدتْ، وقتها، كمن قطع شوطاً مؤسساً في ذلك الطريق. وهي تخطف أنفاسنا بعنوان كتابها الأول: «إلى متى يختطفونك ليلة العرس».

4
تيسر لفوزية آنذاك، بتلك الاندفاعة العاطفية الفذة، تفادي سلطة الذهنية التي أوشكتْ أن تسيطر على معظم معطيات مشهد الشعرية العربية. فالتفتتْ لصوتها، مبكراً، التجربةُ الجديدة، لترى فيه إشارة قوية على جدية وأصالة الكتابة في هذه المنطقة. الأمر الذي ساهم في اجتراح المفهوم الذي تتطلبه حركة الكتابة الشعرية، ويؤثث الطريق بجرأة تلك الخطوات. ويتذكر الكثيرون الآن كيف كانت نصوص فوزية تسهم في الحوار الأدبي العربي بثقة تناسب الوقت ولا تتأخر عنه.

5
ومثلما اكتسبت فوزية خبرة المعرفة، نالت قصيدتها خبرة الحياة، ليتحول النص لديها استجابة حيوية لتبلور الوعي، وتنال الموهبة حاجتها وحقها في المعرفة.
وسنحتاج قدراً أكثر من تأمل التحولات الفنية في كتابة فوزية أبو خالد، وهي ترى إلى أرشيف الصمت العربي من جهة، وتفجراتها الروحية في تجربة الفقد والوجع والانهيارات التي لا يمكن تفاديها من جهة أخرى.
فليس مثل تجربة الحياة مطهراً يجعلنا أكثر قدرة على إدراك ما لا تدركه النصوص.

6
أحب أن أرى في المسافة الدلالية بين الانفجار الذاتي في عنوان الكتاب الأول، والامتثالات الناجمة عن التحديق في الواقع الموضوعي من خلال الذات الشعرية (هل هذا هو التعبير الأنسب لما أذهب إليه؟!) لعناوين الكتب اللاحقة، أحب أن أرى الاختزال غير المخلّ لتجربة جيل كامل من البحث والارتباك ومحاولات الإفلات من ضياع ماثل في حقل التعبير الشعري، ضياعٌ لم تتمكن فوزية أبو خالد تفاديه كثيراً. ثمة الذهن الحاضر المهيمن الفعّال الذي استغرق الكتابة الشعرية، قد استغرق فوزية أبو خالد أيضاً، فيما هي تنهمك في مشاغيل الهاجس المعرفي، علمياً، وأعتقد أن ذلك مزاحمٌ نوعيٌ للفعالية الشعرية لكتابتها، يهزمه الشعر.

7
يبقى أن سعي الشاعرة الحثيث نحو انتقال عالمها، في مسافة ضوئية، من الماضي إلى المستقبل، شعرياً، هو عدم الامتثال للحاضر، لكن دون الغفلة عنه.
................................................
النساء
فوزية أبو خالد
أيُّ فردوسٍ انسَلَّت منه النساء
وسكبنَ السَّرابَ
على....
سُبات السابلة؟
نُهرِّب ماءَ السماء في سواد المساء
نُقطِّر شمساً نحاسيّةً على شحوبِ الصحراء
نشكّ الأصابعَ بماسِ العسيب
أيّ نعاسٍ يغالب صحوَ الصبايا؟
نستمطر القلبَ أشواقاً حييّةً ورحيقاً يفور
نستمطر الوقتَ عمراً وصبراً جميلاً
نستمطر الطرقاتِ..
وطناً
يبدّد الوحشةَ المشتركَة
أيُّ رياح تُخاطف الأشرعة؟
نُمازج الطوفانَ بأطياف تطير
ونُؤلِّف من كل زوجين اثنين
مَهْراً للمُهرة الهاربة
أيُّ قمر علَّقتْه شهرزادُ على ليل اللقاء؟
قلنا اقتربْ
قلنا عصافيرُ تحترق
قامةٌ تُورق
قلنا زرقاءُ تقرأ إشارات المَحاق
غابةُ سِدْر تُشْجِر مُكعَّبات الفراغ
قلنا..
هيّأنا الأَهلَّة للعيدِ
الأكفَّ للحنّاء هيّأْنا
هيّأْنا
عرساً لبلاد
آخيْنا بين القمح والمستحيل
الجرحَ بالملح وَضّأْنا
وهبنا خميرةَ الروح لأجنّة المطلَق
ونقضْنا في الصباح غَزْلَ المساء
أيُّ حُلم تبتدئ منه المليحة..؟