الملحق الثقافي

مؤسس بنما وفاتح البيرو عرَبيّ من قُريش

تقوم بعض دول أميركا اللاتينية هذه الأيام بالنبش في تاريخ سلالاتها البشرية المقيمة والوافدة منذ قرون طويلة؛ وخصوصاً من بينها تلك الجماعات المورسكية (المورسكيون هم العرب والمسلمون الذين بقوا في إسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط الممالك العربية والإسلامية فيها) التي تركت إسبانيا مرغمة إلى أفريقيا ثم إلى أميركا اللاتينية بلغة اليوم، ولاسيما في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وبعض المورسكيين كان قد ارتحل بإرادته مع كريستوف كولومبس في أثناء عبوره «بحر الظلمات» إلى القارة الجديدة.

يتولّى هذه التأرخة المستجدّة مؤرخون مختصّون ثقاة من البلاد نفسها، وعلى رأسهم المؤرخ البيروي الشهير «انطونيو ديل بوستو»، الذي ذهب في واحد من مباحثه التاريخية إلى أن «فرنسيسكو بيزارو» (1478 -1541م) الشهير بفتحه لبلاد البيرو، يحمل دماً عربياً، وإنه من سلالة عريقة قديمة يمكن على الأرجح أن ترتبط بالمحيط العائلي للرسول العربي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم).

والهدف من هذا النبش التاريخي التوثيقي هو إعادة بلورة الحقائق التاريخية التي غيّبتها السياسات الاستعمارية المنحازة، سواء في البلدان/المراكز الخاصة بهذه السياسات الاستعمارية السابقة نفسها أم في أطرافها أو مستعمراتها على السواء.

ولهذا الغرض، التقينا د. ناديا ظافر شعبان، وهي شاعرة ومترجمة وباحثة باللغة الإسبانية وخبيرة بشؤون التاريخ الفكري والثقافي والأدبي للعالم الناطق بالإسبانية، كانت أصدرت حديثاً في بيروت كتاباً جديداً تحت عنوان: «الرحالة الأندلسيون.. كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية»، أهم ما قالت فيه إن «كولومبس لم يكتشف أميركا اللاتينية، بل إن المسلمين والأفارقة هم من اكتشفها قبله بخمسمائة سنة».

كما تشتغل د. شعبان هذه الأيام على كتاب جديد عن الشاعر الإسباني - العالمي الكبير فيديريكو غارسيا لوركا، تقرأ فيه درامياً تجربة لوركا مع سقوط غرناطة التي كان يرى فيها «حضارة عظيمة يقضي عليها الزمن رويداً رويداً»، وعلى الأرجح سيكون عنوان الكتاب الاستثنائي المنتظر: «لوركا وغرناطة المسلمة التي راحت»... هنا نص الحوار:

* تبحث بعض دول أميركا اللاتينية حالياً في الأصول الحقيقية لسلالات شعوبها، ومن بينها الجماعات الموريسكية الوافدة من إسبانيا، وخصوصاً منذ فترة ما بات يُسمّى «مرحلة اكتشاف كولومبوس لأميركا».. كيف تقرئين هذه الظاهرة المستجدّة ودواعيها؟

** أبدأ بالقول إننا لا يمكن أن نفصل بين ما حدث في إسبانيا في الربع الأخير من القرن الفائت، وبين ما يحدث في أميركا اللاتينية اليوم من اهتمام وثيق وجدّي بالوجود الموريسكي التاريخي فيها وبكل ما يرتبط بهذا الوجود حياتياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً.

وأعني هنا عودة الملكية الدستورية إلى إسبانيا في العام 1978، بعد حقبة حكم الديكتاتور فرانكو، وبداية تحرّر بلدان أميركا اللاتينية من الاستعمار في نهاية القرن الماضي؛ فالحدثان يتقاطعان ويمهّدان لتصحيح معارف ومفاهيم خاطئة عن مرحلة الحكم الإسلامي في إسبانيا، وإلقاء الضوء على التأثير الوجودي والثقافي الحيوي للموريسكيين، أي المسلمين الذين ظلّوا مقيمين في إسبانيا بعد سقوط غرناطة، وأُجبروا على التنصّر، والانخراط النهائي في نسيج كينونة أميركا اللاتينية الديمغرافية؛ وهي كينونة، كما نعرف، نشأت بفعل احتلال وصدام عنيف بين ثقافات، وتمازج أعراق، بين السكان الأصليين من جهة وبين الوافدين الموريسكيين بقيادة الغزاة أو المستعمرين الإسبان أنفسهم.

ومن المهم أن نوضح هنا أن عودة الملكيّة الدستوريّة إلى إسبانيا الحديثة مع الملك خوان كارلوس، واختيار الشعب الديمقراطي للحكم الاشتراكي خلالها (رئاسة الحكومات الإسبانية)، جسّدت تغييراً مهماً في سياق التاريخ الإسباني؛ إذ واجهت البلاد بصدق وشفافية تاريخها، وعملت على إظهار الحقائق التي تعترف بأن المرحلة الإسلامية، هي جزء لا يتجزأ من تاريخها القومي، الذي ينبغي أن يُدرس بعناية وبمنهجية علمية قارّة، لأنه، أولاً وأخيراً، تاريخها ويشكّل كل عناصر الفخار لها.

وفي ضوء إعادة التقييم العلمي لذلك التاريخ، لم يعد الموريسكي هو العدو.. أصبح هو المواطن الذي ظُلم واضطهد وهاجر إلى دنيا الله الواسعة، واستقرّ مثلاً في أفريقيا (وتحديدا في ما يعرف اليوم بالمغرب وتونس والجزائر وموريتنيا)، ثم رحل إلى أبعد مكان عن وطنه، إلى أميركا اللاتينية. وأصبح بالتالي هو «الإسباني المنفي» قسراُ من بلده؛ ففي العام 2010 أُقيم، مثلاً، معرض رسوم في مدينة بلد الوليد (نسبة إلى الخليفة الأموي ابن الوليد) عاصمة مقاطعة كاستيل وليون ذات الحكم الذاتي في إسبانيا اليوم عنوانه: «الموريسكيون.. إسبانيون منفيّون».

من جهة أخرى، بدأنا نقرأ اليوم عن باحثين إسبان مختصّين بتاريخ تلك المرحلة وتسجيل حقائقها كما هي.. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: (ميكاييل دي ايبالزا) و(لويس بونس) و(أنطونيو برييتو) وغيرهم. وميدانهم نبش تاريخ تلك المرحلة وتقديمه بموضوعية وواقعية دامغة بعيداً عن أي تسييس.

والحق يقال إنه في عهد الملكية الدستورية الإسبانية الحديثة، أُطلقت الحريات السياسية والدينية، فاسترجعت الأندلس ذاتها وتواصلت مجدّداً بقوة وعمق مع جذورها الإسلامية، التي ظلّت دفينة في الأرض في نهاية حروب الاسترداد العبثية.

وفي إسبانيا نفسها، صدرت مئات الكتب وآلاف الدراسات والمقالات عن المدن والبلدات الإسبانية - الإسلامية، وعن تفوّق الحضارة الأندلسية في زمنها وتأثيرها بالتالي في أزمنة لاحقة. وصدرت بالتحديد، حوالى سبعمائة دراسة عن الموريسكيين، شملت فيما شملت هجرتهم إلى العالم الجديد، الذي كان تأثيرهم الوجودي والحضاري فيه مهماً للغاية.

كل ذلك حدث ويحدث في مرحلة كانت فيها بلدان أميركا اللاتينية تتحرّر من قبضة الاستعمار، لتسترجع ذاتها وتتواصل مع حقائق تاريخها وهوية كينونتها، والتي كان الأندلسيون والأفارقة المسلمون، وبالتالي الموريسكيون، جزءاً لا يتجزأ من نسيجها وإرثها الثقافي الأندلسي التليد. يورد الباحث المكسيكي «مانويل أوروزكو اي بيرا» (1816- 1881) في كتاب له من أربعة أجزاء عنوانه: «التاريخ القديم لغزو مكسيكو» أن أميركا الوسطى، والبرازيل بخاصة، كانتا مستعمرتين لشعوب زنجية قادمة من أفريقيا، وانتشرت انطلاقاً من أميركا الوسطى في جنوب القارة وشمالها. ومن خلال سعيها لاسترجاع ذاتها الأصيلة، اهتمت أميركا اللاتينية بالوجود الزنجي المسلم والموريسكي في تاريخها. تستوقفنا في هذا المجال مئات البحوث والدراسات التي وقّعها بحاثة إسبانيون وأميركيون لاتينيون؛ وأشير من بينها إلى أبحاث تتشارك في وضعها وتوقيعها المرأة مع الرجل، وتبرز من خلالها أسماء:»الفيرا سغارزازو» و»شمس الدين إيليا» و»لولولا هرنانديز»و»أنطونيو ديل بوستو» البيروي الذي قام ببحث عن أصل سلالة فرنسيسكو بيزارو، القائد الذي كان من أوائل الذين غزوا البيرو، فتبيّن له أنه من أصول عربية تعود إلى الجزيرة العربية نفسها، وحتى إلى قبيلة قريش الشهيرة والعريقة.

بيزارو.. دم عربي خالص:

* تقصدين فرنسيسكو بيزارو (1478- 1541) مؤسّس مدينة بنما أيضاًً.. وفاتح بلاد البيرو في جنوب قارة أميركا اللاتينية (بالتسمية الحالية)، هل هو فعلاً من أصول عربيّة تعود إلى شبه الجزيرة العربية وإلى السلالة القرشية الشهيرة عينها؟

** بلى، نعم هو.. وهناك العديد، بل الكثير غيره من القادة المسلمين المبيّضي الأسماء التي تنمّ بعفوية عن أصولها الأندلسية المسلمة. يذهب المؤرخ البيروي الشهير»انطونيو ديل بوستو» في بحث موثّق له عن أصول القائد «فرنسيسكو بيزارو» إلى أبعد من حدود الأندلس، وذلك في كتابه المرجع: «الأثر الموري في النيابة الملكية في البيرو»، والذي يذكر فيه إن «بيزارو» كان يحمل دماً عربياً، وإنه من سلالة عريقة وقديمة؛ ويمكن على الأرجح أن ترتبط بعائلة الرسول العربي الكريم محمد (ص). ويضيف أن بيزارو هو من سلالة Albohali (يمكن أن يكون الاسم أبو علي)، زعيم موري في البرتغال، وكان من سلالة نبيلة، ما يحضّ على الاعتقاد بأنه من سلالة العباسيين في بغداد، وما يعني أيضاً.. وأيضاً أنه من سلالة Abd al Muttalib جدّ رسول الله سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم).

وهنا، أنا أكتفي بعرض لما أورده المؤرخ الشهير وصاحب الثقة العلمية في ما يبحث وفي ما يستنتج، وأضيف إن بحّاثة آخرين، مثل البروفسور «شمس الدين إيليا»، أشار في تقديمه «للغاوتشي» الموريسكي- الجندي الذي فرّ إلى السهوب الأرجنتينية هرباً من ظلم السلطات - «أنه يجب ان نأخذ بعين الاعتبار أصل البداوة العربية لأجداده الذين عاشوا في صحراء شمال أفريقيا وأورثوه هذا الميل الفطري للترحال».

هكذا، نستنتج أن المؤرخين والباحثين الإسبان والأميركيين اللاتينيين في أصول المسلمين المتنصّرين أوالموريسكيين اليوم، بدأوا يتجاوزون الأصل الأندلسي ويعودون إلى الجذور الأولى، أي إلى جزيرة العرب.

* وما الذي تتوقعينه بعد جرّاء ذلك؟

** مزيداً من كشف الحقائق التاريخية الموضوعية التي كانت مغيّبة أو شبه مغيّبة. ثم إنّ اهتمام الباحثين بكل ما هو موريسكي، أو سلالات موريسكية، أظهر ما كان لهذه الجماعات من تأثير وجودي وثقافي مهم في حياة القارة الجديدة، ولا يمكن بالتالي بعد الآن تهميش مثل هذا التاريخ أو على الأقل التعريف الدراساتي به؛ وهو تعريف يقود بالضرورة إلى جوهر الكينونة أو الهوية الجماعية والفردية لأبناء الوطن الواحد. ونستطرد فنقول إن تأثير الوافدين الموريسكيين في القارة الأميركية اللاتينية، والذي كان قد بدأ في نهاية القرن الخامس عشر وطوال القرن السادس عشر، كان إرثاً أندلسياً خالصاً؛ وهو لفرط قوته، أصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع القاريّ الواحد، وتمتد تقاليده، حتى إلى يومنا هذا. والمثال على ذلك، إن عدم تناول لحم الخنزير، وهو شأن يحرّمه الإسلام كما نعرف، لا يزال سارياً في أوساط ساكني الشمال الشرقي من دولة الأرجنتين حتى اليوم، وذلك بخلاف المناطق الأخرى التي استوطنها وافدون أوروبيون في البلد نفسه، فلحم الخنزير، مثلاً، لا يباع في أسواق تلك المنطقة، والناس هناك باتت تتجنّبه طوعاً من خلال موروثها الشعبي المتداول، جيلاً عن جيل.

الأندلسيون اكتشفوا أميركا:

* تخلصين في كتابك الأخير: «الرحالة الأندلسيون.. كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية» إلى أن كولومبوس لم يكتشف أميركا، فلقد سبقه إليها رحالة أندلسيون وأفارقة بخمسة قرون، وعبروا «بحر الظلمات»... ما جديدك أنتِ في هذا الأمر، الذي أشار إليه أيضاً بحّاثة ومؤرخون آخرون؟.

** قبل أن أجيب عن السؤال، أحبّ أن أذكر أنني اتّبعت في هذا المبحث، المنهج العلمي الذي تعلّمته من أستاذي، الذي أشرف على أطروحتي في الدكتوراه، المستعرب الإسباني الكبير «بيدرو مارتينيز مونتافيز»، والذي يقضي بأن احترم الحقيقة العلمية، أولاً وأخيراً، وأدرس بالتالي النصّ الأدبي أو الحدث التاريخي، بمعزل عن أي تأثير، وأن أضعه بداية في إطاره التاريخي الصحيح. وهنا تستوقفني تفاصيل صغيرة كاشفة لعناوين كبيرة.

أشير أولاً، إلى أن إعادة اكتشاف أميركا اللاتينية حدثت في العام 1492، أي في السنوات الأخيرة من النصف الثاني من القرن الخامس عشر، الذي كان فيه سقوط القسطنطينية بيد السلطان العثماني محمد الفاتح (مايو 1453 ). كما سقوط غرناطة بيد الملكين الكاثوليكيين «فرناندو» و»إيزابيل».. حدثان تاريخيان تركا دويّاً هائلاً في العالمين الغربي - المسيحي والإسلامي، وزادا المواجهة العنيفة بينهما حدّة.

آنذاك، بلغ الصراع الوجودي بين العالمين ذروته، وتحوّل البحر الأبيض المتوسط إلى حدود سياسية- دينية، عسكرية واقتصادية، بين الغرب المسيحي الممثل بإسبانيا والبرتغال من جهة، وبين الأتراك الممثلين للإسلام،والذين كانوا يسيطرون على الطرق التجارية التي تحتاج إسبانيا، كما البرتغال، إلى المرور بها بأمان، من جهة ثانية.

لكن، يبدو لي أن الصراع الوجودي الجيوستراتيجي المباشر بين الفريقين المتواجهين، قد تجاوز حدود المتوسط إلى جنوب القارة الأميركية: هذا هو الجديد الذي أضفته على ما قيل؛ وقد استنتجته بعد قراءتي التفصيلية لكتاب شارل جيبسون: «إسبانيا في أميركا»، حيث يشير المؤلف إلى أن ملكي إسبانيا «فرناندو» و»إيزابيل»، وبعدما انتهيا من غزو آخر أراضي المسلمين، نقلا قوّة الحروب الصليبية واندفاعها إلى أبعد من حدود غرناطة.

وهذه الجملة تفسر ما أشار إليه الباحث «أنطونيو أورتيز» تلميحاً من أن الملكين الإسبانيين، وبعدما انتصرا في حروبهما الداخلية، التفتا إلى حروبهما الخارجية؛ ولم يذكر لنا أين. لكن بعض الأحداث تفسر ذاتها بذاتها. غير ذلك، استوقفني وأنا أبحث في تاريخ الصراع بين الإسبان والبرتغاليين من جهة وبين العثمانيين من جهة أخرى، ذكر عابر لخريطتين تركيتين، كانتا من أوائل الرسوم الجغرافية عن القارة، وأدهش وجودهما الباحثين: «فيديريكو كيربوس» و»مايكل برادلي»، لأنهما (الخارطتان) تجسّدان أهم الإسهامات العلميّة الجغرافيّة في مطالع النصف الثاني من القرن السادس عشر.

رسم الخريطة الأولى في العام 1513 «بيري رييس»، ويشير «كيربوس» إلى أنها ترسم بدقة ملفتة جزءاً كبيراً من أراضي القارة، بجزرها: هايتي، بورتوريكو والأنتياس بشواطئها ومصبّات أنهارها ... الخ.

والخريطة الثانية رسمها الحج أحمد العثماني في العام 1559. ويشير «برادلي» إلى أنها اكتشفت في لبنان في العام 1860، وهي تمثل بدقة واتقان الأميركيتين، وهذا ما لم يتوصل إليه راسمو الخرائط إلّا بعد قرنين من الزمن.

واستنتجت بعد كل تلك التفاصيل التي لم يُكتب عنها الكثير، أنها توحي وإلى حد بعيد بأن الصراع بين الإسبان والبرتغاليين وبين الأتراك، لم يتوقف عند حدود المتوسط، ما يدفع للتساؤل: هل حضور العثمانيون تزامناً مع الإسبان في العالم الجديد؟ هل هناك وثائق تاريخية كثيرة ضائعة؟ هل تواصل العثمانيون الذين ساندوا الموريسكيين في حرب البشارات مع المسلمين الموجودين في جنوب القارة قبل إعادة اكتشافها؟ كيف انتهى الصراع بين الإسبان والعثمانيين في أميركا اللاتينية؟ ماذا حلّ بالأتراك بعد هزيمتهم؟

إن كل هذه المعطيات التي أوردتها، والأسئلة التي طرحتها، تفتح آفاقاً جديدة أمام البحث العلمي التاريخي، والأمر يقع على عاتق المؤرخين.

غير ذلك، أريد أن أذكر إنني أشرت إلى أن إبحار كولومبوس من المرافئ الثلاثة التي كان قد أبحر منها الرحّالة الأندلسيون لم يكن مصادفة؛ فلقد انطلق كولومبوس في رحلته الأولى من مرفأ «بالوس دي لافرونيترا» (3 أغسطس 1492) الذي كان اسمه في العهد الإسلامي: مرفأ ديلبا في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة، والذي يشير المسعودي إلى أن القرطبي الخشخاش بن سعيد بن أسود، هو أول من غامر مع بعض رفاقه في العام 889 م.، منطلقاً من ديلبا ليستكشف بحر الظلمات ووصل إلى الأرض المجهولة.

في الرحلة الثانية (24 سبتمبر 1493) أبحر كولومبوس من مرفأ قادس الجنوبية، أي من المكان ذاته الذي انطلق منه بعد قرن، الغرناطي ابن فروخ في العام 999م.

من مرفأ سان لوكار دي برميدا في قادس، أبحر كولومبوس في 30 مايو في العام 1498 وهبط إلى اليابسة في الشاطئ الفنزويلي.

ان الإبحار من تلك المرافئ بالذات، لم يكن مصادفة؛ وقد ذكر الباحث «إيلين وودورد» إن العرب كانوا في القرون الوسطى سادة البحار بامتياز، وإن إرثهم المعرفي الجغرافي كان مترجماً في البرتغال، ولا شك في أن كولومبوس اطّلع عليه عندما كان في ذلك البلد.

* يقال إن كولومبوس ذاته قدّم دليلاً على وجود المسلمين قبله في «القارة الجديدة» حين سجّل في مذكراته الشخصية إنه رأى مسجداً جميلاً لدى محاذاة سفينته الشاطئ الشمالي الشرقي لكوبا اليوم؟.. ما تعليقك؟

** إن ذكر ذاك المسجد الذي كان قائماً، ولم يكن مهدّماً، ليس الدليل الوحيد على أسبقية وجود المسلمين قبل كولومبوس في جنوب القارة، والذي يقدمه البحار الجَنَوي الذي يذكر انه لدى رسوّ سفنه في الرحلة الثالثة في شواطئ ترينيداد، شاهد السكان الأصليين يغطّون رؤوسهم بقطعة نسيج قطني؛ وان النساء كنّ يزيّن رؤوسهن بقماش مماثل لنسيج المناديل والتنانير الذي كان يستعمل في غينيا، وسمّى هذه الزينة Almayza أي المئزر، الذي كان يستعمله مورسكيّو الأندلس وشمال أفريقيا.

تجدر الإشارة إلى أنّ الاطّلاع على مذكرات ابنه فرناندو، وعلى التقارير الرسمية التي بعث بها فاتح المكسيك «هرنان كورتيس» (يرجّح أنه من أصل موريسكي) إلى ملوك الإسبان، توضح الكثير في هذا الموضوع.

أثر الموريسكيين:

* وأي تأثيرات ثقافية تركها الأندلسيون في وسط القارة الأميركية وجنوبها، قبل مجيء كولومبوس؟.

** ثمة أدلّة عديدة على ذلك، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أن مؤرّخ الفن الألماني «ألكسندر فون ووتينو» استنتج لدى دراسته المنحوتات التي تجسّد وجوه الأفراد في تلك البلاد، أن المسلمين كانوا في القارة الأميركية ما بين القرنين العاشر والسادس عشر.

وتشير دوقة ميدرينا سيدونيا التي كانت تملك أهم أرشيف تاريخي عن الأندلس وعلاقتها بأميركا اللاتينية إلى أن «فرنانديز دي أوفييدو»، حاكم قشتالة الذهبية (كولومبيا اليوم) ذكر في العام 1525 أن سكان هذا البلد يستخدمون في أحاديثهم كلمات عربية ويُصلّون في مساجد. وتذكر الدوقة أيضاً إن وجود بعض أسماء مدن وعائلات عربية اندلسية ومراكشية في أميركا اللاتينية، يثبت أنّ المسلمين كانوا هناك قبل كولومبوس.

في المكسيك، هناك ثلاثة أمكنة مسلمة الأسماء، مثل Matamoros، أي»قاتل الموريين». Cadica Mallorca ومايوركا وكاديكا ( تحريف لاسم قادش) وMaroco.

وقد اعترفت منظمة اليونيسكو بالتأثير الإسلامي السابق لوصول كولومبوس إلى القارة، انطلاقاً من وجود تلك الأسماء.

* وماذا تقولين عن تأثيرات الثقافة الموريسكية في أميركا الجنوبية بخصوص الفن المهجّن، الذي اعتبره «فيديريكو مايور»، المدير العام الأسبق لليونيسكو، تأويلاً عميقاً لمظاهر حياة وثقافة مسيحية- إسلامية صيغت في بوتقة واحدة في شبه الجزيرة الإيبيرية؟

** لكي نُظهر البعد الحقيقي لتأثير الثقافة الموريسكية في أميركا اللاتينية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ثمانية قرون من الحكم الإسلامي لشبه الجزيرة قد دمغت الإيبيريين، وأن ثمانين بالمئة من الذين وصلوا إلى جنوب القارة (كما يذكر الأرجنتيني كارلوس ماسيي)، كانوا يحملون دماً موريسكياً، وثقافتهم الإسلامية - المسيحية التي يمثلها الفن المدجّن، والذي انطلقت عناصره من مرفأ إشبيلية إلى جنوب القارة لتنصهر في بوتقة تدجين جديد، سيغني تجارب الحرفيين الهنود المحليّة بصيغ خاصة.

إلى هذا الواقع، تشير الباحثة «ماريا فرنانديز» التي ترى أن تطوّر الهندسة المعمارية، كما الصناعات في لاس اندياس، يجب أن يُدرس في ضوء وصول المدجّنين إلى القارة، وفي ضوء الحاجة الماسّة لبناء كاتدرائيات وكنائس وأديرة في القرن السادس عشر، حيث استعانت الكنيسة الكاثوليكية لبنائها بالمدجّنين المختصّين.

إن بناء المصلّى الملكي في تشولولا المكسيكية (أصبح اسمها بويبلا) يذكّر بالأروقة العديدة لمسجد قرطبة؛ إضافة إلى الإفريز الذي يذكّر بالقوس العربي والعقد العربي وينحني في لحظة ما، فهو سمة مألوفة في أبواب أديرة المكسيك في القرن السادس عشر.

في جنوب القارة الأميركية، بنى مهندسون وحرفيون مهجّنون بيوتاً، مبانٍ عامة، كنائس وقصوراً، بدءاً من كوبا وفنزويلا، وصولاً إلى شمال الأرجنتين، مروراً بالبيرو. ان مبانٍ كثيرة في ليما وهافانا وغواتيمالا القديمة وكيتو الإكوادورية، ما زالت تعكس البصمات المميزة للفن الإسباني- الإسلامي.

وقد بدأ تأثير هذا الفن في القارة يثير اهتمام الباحثين منذ ستينيات القرن الماضي.

رواية المنتصرين:

* مع أن العديد من المؤرخين والمختصّين الأميركيين، الفرنسيين والإسبان، يقرّون بأسبقية وجود المسلمين الأندلسيين في الأميركيتين، فهذا الاكتشاف يظل مرتبطاً بقوة باسم كريستوف كولومبوس.. لماذا يا ترى؟ وما هو تفسيرك لهذه المسألة المغلوطة السائدة؟

** من المعروف أن التاريخ يكتبه المنتصرون، ولذلك إن الكثير مما كتب من أبحاث عن تاريخ العالم، خصوصاً بعد الحروب والعهود الديكتاتورية وفي أزمنة الاستعمار، يبقى عُرضة للنقد والمساءلة عن حقيقة ما جرى.

وتلك المعرفة تنسحب أيضاً على فعل «اكتشاف كولومبوس» لأميركا اللاتينية، فكل الأبحاث التي كتبت آنذاك، وطوال قرون عدّة، كانت موجّهة لإلغاء حقيقة الوجود الإسلامي والدور الذي قام به الموريسكيون في تكوين نسيج ثقافة أميركا اللاتينية المهجّنة بعد الاحتلال الإسباني، وعلى التقليل من تأثير الثقافة الإسلامية الأندلسية في القارة بعامة.

ولعل تلك المسألة لم تكن لتتكشّف، لولا تحوّل الحكم في إسبانيا من الدكتاتورية إلى نظام الملكية الدستورية، ووصول الإشتراكيين إلى الحكم في العام 1981.. ولولا تحرّر بلدان أميركا اللاتينية، ووصول قادة وطنيون إلى الحكم أيضا فيها. إن الاستعمار، كما المتواطئين معه من الحكام، يسعى أول ما يسعى إلى تغيير الشخصية الأصلية للشعوب، وتجهيلها بتاريخها، واختراق كينونتها المجتمعية والثقافية، ليقولبها في قوالبه الخاصة، خدمة لمصالحه.

كتاب جديد عن لوركا:

* أنت مختصّة، تقريباّ، بالشاعر فريدريكو غارسيا لوركا، وقد سبق لك وترجمت أشعاره إلى العربيّة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد اعتبرالبعض ترجمتك هذه من أفضل الترجمات بلغة الضاد لهذا الشاعر الإسباني العملاق... بماذا تعلقين؟

** أحرف لوركا وكلماته، هي الرئة التي أتنفس بها. إنه هاجسي منذ أن بدأت أدرس اللغة الإسبانية؛ وقد ترجمت مع مختارات شعرية كثيرة له، نثره الأول الذي يعبّر فيه عن توحّده مع التاريخ الإسلامي لغرناطة. وشعرياً اخترت له القصائد التي ترتبط بهذا التاريخ. وقد قدّم لكتابي هذا، رائد الاستعراب الإسباني الكبير (بيدرو مارتينيز مونتافيز)، الذي أورد هنا بعض ما كتبه لأوضح كم كانت ترجمتي هي من أفضل الترجمات، من وجهة نظره طبعاً.

يبيّن بيدرو، إن حياتي في إسبانيا طبعت شخصيتي بطابع خاص، وأن اللحظات الإسبانية والأندلسية، أصبحت جزءاً «لا يمكن أن نفصله عن كيانها، عن طريقتها الخاصة في كونها امرأة، وعن وجودها. والأندلس مختلفة، متفاعلة مع غيرها وغريبة، عميقة وغامضة، وهي نبع وبئر للآثار اللوركيّة... وربما أن الرقة الأنثوية، هي المؤهّلة بنوع خاص، للتوغل بنجاح في هذا العالم الكثيف والنابض بإيماءات وإشارات، هذا العالم الذي هو شعر لوركا. شعر يبحث دائماً عن المنشأ والرحم؛ ولذلك يمكن أن تجعله أمرأة معروفاً ومشهوراً، وتقدمه قرباناً بسيطاً وطبيعياً، مليئاً بالحب والأمل، وهذا ما أعتقد ان ناديا ظافر شعبان تقوم به».

وكذلك أشار إلى ترجمتي لمختارات من لوركا الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي، واعتبرها من أفضل الترجمات الشعرية للوركا إلى اللغة العربية.* علمنا انك تقومين بتأليف كتاب عن «لوركا وغرناطة المسلمة التي راحت»، فماذا عن قصة هذا الكتاب ومضمونه؟

** تكاد لا تحصى الكتب والأبحاث التي صدرت عن لوركا؛ لكن موضوع غرناطة كبداية ونهاية في حياته، لم يتناوله أحد من قبل على ما أظن. وأنا أخوض في البحث انطلاقاً من جملة قرأتها في كتاب أخيه فرنسيسكو: «فيديريكو وعالمه» يوضح فيها إن «مشعوذ الأندلس»، كان يرى في غرناطة حضارة عظيمة يقضي عليها الزمن رويداً رويداً، وقد كانت هذه الفكرة مصدراً ثرّاً لإلهامه في كثير من قصائده، وعليها أنا أبني بحثي استطراداً من هنا.. من هذا المدار اللوركوي الموجع والخصوصي الذي مضى، وقد مضيت شوطاً لا بأس به في هذا الكتاب المنتظر.

الأندلس تسترجع ذاتها:

في عهد الملكية الدستورية الإسبانية الحديثة، أُطلقت الحريات السياسية والدينية ومُنحت المقاطعات حكماً ذاتياً، مع بقائها مرتبطة، طبعاً، بحكومة مدريد المركزية، فاسترجعت الأندلس ذاتها وتواصلت مجدّداً بقوة وعمق مع جذورها الإسلامية، التي ظلّت دفينة في الأرض في نهاية حروب الاسترداد العبثية.

وفي إسبانيا نفسها، صدرت مئات الكتب وآلاف الدراسات والمقالات عن المدن والبلدات الإسبانية - الإسلامية، وعن تفوّق الحضارة الأندلسية في زمنها وتأثيرها بالتالي في أزمنة لاحقة. وصدرت بالتحديد، وحتى الآن، حوالى سبعمائة دراسة عن الموريسكيين، شملت فيما شملت هجرتهم إلى العالم الجديد، الذي كان تأثيرهم الوجودي والحضاري فيه مهماً للغاية.

أثر العرب على أميركا اللاتينية:

إن بناء المصلّى الملكي في تشولولا المكسيكية (أصبح اسمها بويبلا) يذكّر بالأروقة العديدة لمسجد قرطبة؛ إضافة إلى الإفريز الذي يذكّر بالقوس العربي والعقد العربي وينحني في لحظة ما، فهو سمة مألوفة في أبواب أديرة المكسيك في القرن السادس عشر.

وهناك مبان كثيرة في ليما وهافانا وغواتيمالا القديمة وكيتو الإكوادورية، ما زالت تعكس البصمات المميزة للفن الإسباني- الإسلامي مثل: استعمال الزليج لتزيين الينابيع، والجدران، والقباب، ووجود الفناء، الصوان Zaguan والمشربيّة والبركة والجبّ.

ناهيك عن استعمال الكلمات العربية التي بقيت منها خمسة آلاف كلمة في لغة الأميركيين اللاتينيين الإسبانية. والتأثير الموسيقي الذي تدلّ عليه تسميات عربية لآلات موسيقية، مثل guitarra قيثارة، laud العود، albogue البوق، adufe الدفّ.. إلخ.

جديد القول:

إعادة اكتشاف أميركا اللاتينية حدثت في العام 1492، أي في السنوات الأخيرة من النصف الثاني من القرن الخامس عشر، الذي كان فيه سقوط القسطنطينية بيد السلطان العثماني محمد الفاتح (مايو 1453). كما سقوط غرناطة بيد الملكين الكاثوليكيين «فرناندو» و»إيزابيل».. حدثان تاريخيان تركا دويّاً هائلاً في العالمين الغربي-المسيحي والإسلامي، وزادا المواجهة العنيفة بينهما حدّة.

آنذاك بلغ الصراع الوجودي بين العالمين ذروته، وتحوّل البحر الأبيض المتوسط إلى حدود سياسية- دينية، عسكرية واقتصادية، بين الغرب المسيحي الممثل بإسبانيا والبرتغال من جهة، وبين الأتراك الممثلين للإسلام، لكن، يبدو لي أن الصراع الوجودي الجيوستراتيجي المباشر بين الفريقين المتواجهين، قد تجاوز حدود المتوسط إلى جنوب القارة الأميركية: هذا هو الجديد الذي أضفته على ما قيل.

اعتراف اليونسكو:

مؤرّخ الفن الألماني «ألكسندر فون ووتينو» استنتج لدى دراسته المنحوتات التي تجسّد وجوه الأفراد في تلك البلاد، أن المسلمين كانوا في القارة الأميركية ما بين القرنين العاشر والسادس عشر.

وتشير دوقة ميدرينا سيدونيا التي كانت تملك أهم أرشيف تاريخي عن الأندلس وعلاقتها بأميركا اللاتينية إلى أن «فرنانديز دي أوفييدو»، حاكم قشتالة الذهبية (كولومبيا اليوم) ذكر في العام 1525 أن سكان هذا البلد يستخدمون في أحاديثهم كلمات عربية ويُصلّون في مساجد. وتذكر الدوقة أيضاً إن وجود بعض أسماء مدن وعائلات عربية اندلسية ومراكشية في أميركا اللاتينية، يثبت أنّ المسلمين كانوا هناك قبل كولومبوس.

في المكسيك، هناك ثلاثة أمكنة مسلمة الأسماء، مثل Matamoros، أي»قاتل الموريين». Cadica Mallorca ومايوركا وكاديكا ( تحريف لاسم قادش) وMaroco.

وقد اعترفت منظمة اليونيسكو بالتأثير الإسلامي السابق لوصول كولومبوس إلى القارة، انطلاقاً من وجود تلك الأسماء.

خرائط بيري والحج أحمد:

استوقفني وأنا أبحث في تاريخ الصراع بين الإسبان والبرتغاليين من جهة وبين العثمانيين من جهة أخرى، ذكر عابر لخريطتين تركيتين، كانتا من أوائل الرسوم الجغرافية عن القارة، وأدهش وجودهما الباحثين: «فيديريكو كيربوس» و»مايكل برادلي»، لأنهما (الخارطتان) تجسّدان أهم الإسهامات العلميّة الجغرافيّة في مطالع النصف الثاني من القرن السادس عشر.

رسم الخريطة الأولى في العام 1513 «بيري رييس»، ويشير «كيربوس» إلى أنها ترسم بدقة ملفتة جزءاً كبيراً من أراضي القارة، بجزرها: هايتي، بورتوريكو والأنتياس بشواطئها ومصبّات أنهارها ... الخ.

والخريطة الثانية رسمها الحج أحمد العثماني في العام 1559. ويشير «برادلي» إلى أنها اكتشفت في لبنان في العام 1860، وهي تمثل بدقة واتقان الأميركيتين، وهذا ما لم يتوصل إليه راسمو الخرائط إلّا بعد قرنين من الزمن.