الإمارات

نجاح زراعة 5 كلى من متبرعين متوفين في «خليفة الطبية»

الفريق الطبي في مدينة الشيخ خليفة الطبية أثناء عملية زراعة كلية (من المصدر)

الفريق الطبي في مدينة الشيخ خليفة الطبية أثناء عملية زراعة كلية (من المصدر)

منى الحمودي (أبوظبي)

كشفت مدينة الشيخ خليفة الطبية، التابعة لشركة أبوظبي للخدمات الصحية، «صحة»، عن نجاح خمس عمليات زراعة كلى من مُتبرعين متوفين، أولاها في عام 2013 من متبرع متوفى من السعودية، وأربع عمليات بعد صدور قانون رئيس الدولة بشأن تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية في سبتمبر من عام 2016.

وقال الدكتور محمد بدر الزمان استشاري جراحة ورئيس قسم زراعة الكلى: إن قانون التبرع بالأعضاء جدد الأمل لدى المرضى الذين يعانون فشلاص في عمل الأعضاء، والذين يحتاجون لزراعة الأعضاء ليعيشوا حياتهم بصورة طبيعية، مضيفاً: «مع وجود أكثر من 1100 مريض حالياً ممن يغسلون الكلى في المنشآت التابعة لشركة (صحة)، تتم إضافة 200 مريض جديد كل عام إلى تلك القائمة، فإن برنامج التبرع بالكلى سيوفر عدداً من المتبرعين، ويقلل من الوقت الطويل في قوائم الانتظار لإيجاد متبرعين».

وتوقع إجراء عمليات زراعة لأعضاء أخرى هذا العام، موضحاً أن التبرع من شخص متوف واحد يمكن أن ينقذ ثمانية أشخاص لمختلف الأعضاء المُتبرع بها، من أبرزها: القلب، والرئة، والعظام، والجلد، الكبد، والبنكرياس، والكلى والقرنية.

وذكر أن زراعة الكلى تعد أهم الحلول لعلاج الأشخاص الذين فقدوا قدرة الكلية على القيام بوظائفها، وأن الفائدة من زراعة الكلى لها أبعاد صحية واقتصادية، حيث توفر زراعة الكلى ميزانية كبيرة يتم صرفها على علاج الكلى بالغسيل الكلوي، وأن زراعة الكلى تعادل تكلفة علاج بالغسيل الكلوي لمدة سنة كاملة، مبيناً أن متابعة المريض بعد زراعة الكلى تكلف ما يقارب 37 ألف درهم سنوياً، بينما في الغسيل الكلوي يتضاعف المبلغ بكثير ويستمر طوال الحياة.

وبين أن برنامج الزراعة يشمل جميع الجنسيات للمرضى في قائمة الانتظار الذين يحتاجون لعمليات زراعة الكلى، وهناك ملاحظة خلال العامين الماضيين بوجود ارتفاع بعدد الإماراتيين الراغبين في عمليات الزراعة، ففي السابق وقبل صدور قانون زراعة الأعضاء في عام 2016، اقتصرت عمليات زراعة الأعضاء على المرضى الذين يتوافر لديهم متبرعون.

وأشار إلى أنه قبل صدور القانون الذي يسمح بالتبرع بالأعضاء من المتبرعين المتوفين، يكون أغلب المرضى توفوا، أو لجأوا للسفر خارج الدولة لعمليات زرع أعضاء غير قانونية، والتي يتم إجراؤها في ظروف غير صحية، وعلى يد غير مختصين، والكثير من هؤلاء المرضى عادوا مع مضاعفات شديدة أدت إلى موتهم أو أمراض بسبب رفض الجسد لهذه الزراعة.

وأفاد أن عملية زراعة الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية تشمل عدة مراحل لضمان نجاح عملية زراعة الكلى دون أي مضاعفات للمُتلقي، منها التشخيص الدقيق للحالة، وسلسلة من الفحوص والأشعة للمريض والمتبرع وتجهيزهم. وفحوص للدم والالتهابات والقلب وتطابق الأنسجة.

وقال: إن هناك عدداً لا يستهان به من المرضى بانتظار زراعة الكلى، والذين لا يوجد لديهم متبرع من أفراد أسرتهم.

الأمل

m قال الدكتور محمد يحيى الصيعري طبيب استشاري لأمراض الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية: إن أرقام المرضى المصابين بالفشل الكلوي ليس بالقليل وبارتفاع، ويقع على عاتقنا إعطاء هؤلاء المصابين الأمل حول وجود خيار آخر للشفاء، وهو وجود متبرع للكلى، مشيراً إلى أن مدينة الشيخ خليفة الطبية لديها أكبر برنامج لزراعة الأعضاء في الدولة، حيث بلغ عدد عمليات زراعة الأعضاء 226 عملية منذ عام 2009، خمس عمليات منها من متبرعين متوفين. وذلك بوجود مركز يعد من المراكز الطبية المتطورة والمجهزة بأحدث الأجهزة، والتقنيات الحديثة، تحت إشراف فريق طبي وفني وإداري مؤهل تأهيلاً عالياً، ويمتلك خبرات واسعة في مجال عمله، كما يعد المركز الوحيد في الدولة الذي يقوم بعمليات زراعة الأعضاء للكبار والأطفال.

وأضاف: «إن عدد المرضى في قوائم الانتظار من متبرعين متوفين يرتفع بشكل مستمر، وحتى الآن يوجد نحو 250 مريضاً في قائمة الانتظار للحصول على الكلى من متبرع متوفى، والرقم قابل للزيادة، وذلك لعدم وجود تطابق مع أحد من الأقارب».

وأشار إلى وجود تغير واضح في ثقافة التبرع بالأعضاء في المجتمع الإماراتي، وأن هناك العديد من المكالمات التي يتلقاها المستشفى من أشخاص لديهم الرغبة في التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، ولكن لا يزال هناك حاجة لمزيد من الجهود لنشر هذه الثقافة، وبعض التشريعات والقوانين التي تنظم هذه العملية، مع ضرورة وجود سجل لتبادل المعلومات والأعضاء داخل الدولة وخارجها، إذ ذكر استبيان أجرته جامعة محمد بن راشد للطب، شمل أكثر من 500 شخص من الإمارات فوق سن 18 عاماً، أبدى ما يقارب 68% منهم رغبتهم في التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، كما توجد جهة أخرى قامت بنفس الاستبيان، وكانت النسبة مقاربة للتي سبقتها.

وقدم الصيعري مثالاً على والدين لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات توفي منذ وقت قريب، وما أن أعلن الأطباء وفاة ابنهم سريرياً فأنهم قرراً على الفور التبرع بأعضائه.

عمليات التبرع مفتوحة

وذكر الصيعري أن قائمة المتبرعين المتوفين مفتوحة لتسجيل للمواطنين وغير المواطنين في الإمارات، وهناك إجراءات من أجل وضع آلية تُمكن الأشخاص من التسجيل من أجل التبرع بالأعضاء في جهة موحدة على مستوى الدولة، حيث يتم الاعتماد حالياً على موظفي المستشفيات الذين تم تدريبهم يقومون بزيارة وحدات الطوارئ والعناية المركزة للتقرب والتحدث لعائلات المتوفين في العناية المركزة وقياس مدى تفاعلهم إن كانوا موافقين على التبرع بأعضاء المتوفي لديهم، وحثهم على التبرع بأعضاء المتوفِّي.

وأوضح أن الشخص المتوفي دماغياً يكون في العناية المركزة، ويتم تقييم حالته بإشراف عدة أطباء، ومن ثم يقوم فريق العمل بالحديث مع أقاربه حول إمكانية موافقتهم على التبرع بأعضاء المتوفى.

ويأتي إجماع الأطباء المتخصصين بوفاة المريض بالفعل في حالة الانفصال التام للجسم عن الدماغ، ويكون الشخص فاقدا للوظائُف الرئيسة، ولا يستطيع التحكم في أي من الأعضاء الحيوية مثل التنفس والقلب والدورة الدموية، ويعتمد اعتماداً كليا على أجهزة التنفس الصناعية. والحالة الثانية تحلل الخلايا الدماغية والعصبية الموجودة في الجهاز العصبي المركزي واستحالة عيشها حتى بوجود أي دعم أو علاج خارجي. وبالتالي يتم تشكيل لجنة من استشاريين من تخصصات مختلفة يفحص كل منهم المريض في أوقات مختلفة، بمختلف الوسائل حتى الوصول للتشخيص النهائي الصحيح للموت الدماغي للمريض.

مختبر المناعة

من جهته، أكد الدكتور زين اليافعي مسؤول مختبر قسم المناعة وتطابق الأنسجة، في مدينة الشيخ خليفة الطبية، الحاصل على «البورد الأميركي» لأمراض المناعة، على أهمية الدور الذي يلعبه مختبر المناعة، وتطابق الأنسجة في عملية زراعة الأعضاء، وتمتلك مدينة الشيخ خليفة الطبية مختبراً معترفاً به دولياً، وهو الوحيد في الدولة الذي يدعم برامج زراعة الأعضاء في الدولة، وفيه كوادر مهيأة ومختصة تقوم بالعمل بكل حرفية وكفاءة.

وأوضح أن المختبر يقدم خدماته لزراعة الأعضاء من المتبرعين الأحياء أو المتوفين دماغياً، سواء لزراعة الكلية والقلب، الرئة والبنكرياس. والتي يُتبع من خلالها نفس الفحوص، ولكن تختلف طريقة العمل في حالة تبرع الحي أو المتوفي دماغياً. ففي حالة المتبرع الحي، يكون الترتيب مسبقاً، ويتم إجراء الفحوص المطلوبة بشكل كامل قبل عملية الزراعة بوقت كافٍ، لكن في حالة الزراعة من متوفين دماغياً، ولعدم وجود الوقت الكافي لاستئصال الأعضاء حتى موعد الزراعة كي لا تتعرض للتلف، وبسبب الوقت الضيق فإنه يتم تجهيز تطابق الأنسجة سواء للمتبرع دماغياً أو المريض بناءً على قائمة يتم التناقش فيها مع فريق الزراعة. ويتم اختيار هذه القائمة من المرضى، بناءً على تحديد الأكثر تطابقاً، ومن ثم يتم عمل فحص تبادل الذي يسمى «التلاؤم المتبادل»، ليتم تحديد أنسب شخص مناسب من المرضى لزراعة العضو. أي يكون أكثر تطابقاً في النسيج، وأنسب مريض ليس لديه أجسام مضادة ضد البروتينات الموجودة في المتبرع. ويجب أن تكون نتيجة اختبار «التلاؤم المتبادل» سلبية حتى يعيش العضو المزروع أكثر وقت ممكن.

وقال الدكتور اليافعي، «إن جسم الإنسان يختلف عن غيره في أدق الخلايا، وهذا الأمر الذي يتحكم في التشابه بين شخص وآخر. وتتلخص أسبابه بوجود عناصر دقيقة توجد في نواة كل خلية تسمى الوحدات الوراثية والموروثات، وهذه الموروثات يتوارثها الإنسان من الوالدين مناصفة، وهذا ما يفسر التطابق النسيجي خاصة ما بين أفراد الأسرة الواحدة».

وأضاف: «هذه الموروثات لها دور أساسي في جهاز المناعة من حيث التعرف إلى الذات (النسيج الخاص بجسم الإنسان) ولا تقوم بمهاجمته، أو التعرف إلى الفيروسات والجراثيم والبكتيريا، بحيث إنها تُفعل جهاز المناعة للقضاء على هذه الجراثيم، وعند دخول أي جسم غريب للجسد، يُفعل جهاز المناعة، وهي الطريقة التي يدافع بها الجهاز عن الجسم، مثل الأمراض والجراثيم، لافتاً إلى أن هذه هي نفس الآلية التي يُهاجم بها الجهاز المناعي الكلية أو أي عضو مزروع في حالة عدم تطابق الأنسجة، كون أنه يتعرف عليها كجسم غريب وخطر ويتعامل معه معاملة الجرثومة ويهاجمها، وهذه عملية رفض العضو المزروع، وللتقليل من هذا الرفض يتم التحكم بجهاز المناعة لتقليل أنشطته بأدوية مثبطة للمناعة.

ثلاثة فحوص

وذكر الدكتور اليافعي أن الوظيفة الأساسية في المختبر هي تحديد مخاطر جهاز المناعة والتي تتم عن طريق ثلاثة فحوص أساسية: الأول: فحص تطابق الأنسجة، ويتم فيه أخذ عينة دم من المريض وعينة دم من المتبرع، سواء متبرع حي أو متوفى دماغياً، ومن ثم يتم فحص تركيبة بروتينية موجودة على سطح الخلية، التي يتعرف إليها جهاز المناعة إذا كانت مطابقة أو غير مطابقة، ومن ثم يأتي دور الفحص الثاني وهو قياس مستوى الأجسام المضادة التي يكونها المريض، فيتم قياس مستوى الأجسام المضادة عند مستقبل الكلية أو المريض، كون أنها تهاجم التركيبة البروتينية إذا كانت غير مطابقة للموجودة في عضو المتبرع، والتي من أسبابها عمليات نقل الدم، الحمل أو زراعة أعضاء في السابق، فإن كانت نسبة الأجسام المضادة عالية، وتطابق الأنسجة مختلفاً فإن في هذه الحالة، من الممكن بدرجة كبيرة أن تهاجم الأجسام المضادة التركيبة البروتينية الموجودة على العضو وتسبب رفضها.

أما الفحص الثالث وهو من الفحوص الضرورية والأساسية، وهو اختبار «التلاؤم المتبادل» وهو الذي يحدد إمكانية قبول المتبرع من عدمه للعضو. وذلك عن طريق عينة دم من المتبرع والتركيز على كريات الدم البيضاء. بالإضافة لأخذ مصل الدم من المريض، فإذا كانت النتيجة بعد عملية المزج إيجابية في هذه الحالة ممكن حدوث عملية رفض حاد للكلية ويتم التدمير خلال أيام من الزراعة، أما إذا كانت عملية اختبار التلاؤم سلبية، فإن هنا تكون خطورة جهاز المناعة قليلة وتتم عملية الزراعة بأمان.

قيس.. معاناة نهايتها سعيدة

في مثال لعملية زراعة ناجحة من متبرع متوفى، أجريت في مدينة الشيخ خليفة الطبية خلال الأسابيع الماضية، زراعة للطفل الأردني قيس عمر الحتاملة، حيث تم تشخيص حالته منذ أن كان يبلغ من العمر عاماً واحداً بالفشل الكلوي.

وأوضحت أُلفت الحتاملة (والدة قيس)، أن الأطباء اضطروا لإزالة كلية قيس اليمنى منذ الصغر، وللمحافظة على حياته، كان عليه يومياً تناول عشرة أنواع مختلفة من الأدوية وأخذ حقنة في الفخذ.

وقالت: كان قيس يبكي في كل مرة يأخذ بها الأدوية والحقنة، ويسأل إذا كان سيعيش بقية حياته بهذه الطريقة، مضيفة: «الخوف الأكبر الذي كان لديّ هو أن تتطلب حالة قيس الغسيل الكلوي، لذلك عملنا على متابعته بشكل مستمر مع الأطباء والتأكد من نوعية الطعام الذي يتناوله، والاستمرار في تناول الأدوية حتى يتم تأخير عملية الغسيل بأكبر قدر مستطاع». وأشارت إلى أنهم كانوا ينتظرون في قائمة الانتظار الخاصة بالمتبرعين بالكلى، كون أن لم يتطابق أحد من أفراد الأسرة مع أنسجة قيس، وبالتالي أصبحت عملية زراعة الكلى صعبة للغاية عليه لعدم وجود متبرع من العائلة.

وقالت «تحققت أكبر مخاوفي وأصبح على قيس بدء الغسيل الكلوي، وفي اليوم التالي وبفضل من الله، اتصل الطبيب المشرف على حالته ليبلغنا بوجود متبرع متوفى، وكانت مشاعري مختلطة ما بين فرح وحزن، كون أنه حصل على متبرع، والحزن بأن يرفض جسمه الكلى. واستغرقت ست ساعات وتكللت لله الحمد بالنجاح».