ثقافة

«أيام الزغنبوت» لمريم الغفلي.. التاريخ السردي لزمن الرق

غلاف الرواية (أرشيفية)

غلاف الرواية (أرشيفية)

عصام أبو القاسم (الشارقة)

تقدم الكاتبة مريم الغفلي في روايتها الجديدة «أيام الزغنبوت» لمحة مكثفة على مشهد اجتماعي واقتصادي عرفته منطقة الخليج في حقبة أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، واتسم بالقحط ونقص الموارد وعم الجوع وزاد ضعف الناس وتغيّروا، خلقاً وأخلاقاً، وتعرض أضعفهم إلى أشكال متعددة من القهر والاستعباد، وتسلط الرواية الضوء على ذلك الزمن الموحش ولكنها أيضاً تبرز ظله الثقيل على الحاضر.
وتستهل الرواية بمشهد في غرفة بمشفى، حيث نرى «موزة» التي طالت مجالستها لوالدة زوجها «صنعا»، وامتدت لشهور عدة، ومع ذلك ظلت حريصة على أن تعتني بها وتتفانى في خدمتها. لا أحد من العائلة يحب «صنعا»، التي برغم تداعي جسدها واحتضارها لم تكف عن إيذاء من هم حولها، وخصوصاً «موزة» التي تأذت منها أكثر من أي أحد.
لا تكشف وقائع الرواية الكثير لفهم نزعة الشر لدى «صنعا»، التي سنعرف مع التقدم في قراءة الرواية أنها قتلت من قتلت وباعت من باعت من عائلتها، مبررة ذلك بأن القوت كان قليلاً في تلك الأيام.
وقبل أن تموت، في المشهد الأول من الرواية، لم تنس صنعا، التي بلغت عقدها التاسع فزاد مع عجزها مقتها وكرهها لمن هم سواها، أن تنقل السر الذي أخفته لأكثر من نصف قرن في طويتها إلى موزة، كما لو أنها أرادت أن تخلف أذية أخيرة في نفس السيدة التي ظلت تتفانى في خدمتها طيلة أيام مرضها.
وتعمد الكاتبة إلى تقنية «التعليق» وتؤجل إلى نهاية الرواية كشف السر، الذي تتلقاه موزة همساً فتنقلب حياتها رأساً على عقب، تزداد كآبة وحزن، وحين يتبين لشقيقها «مبارك» وابنتها «صالحة» أن حالتها النفسية المتردية لا علاقة لها بوفاة «صنعا» يقترحان عليها السفر إلى الحرم المكي.
في مكة، التي تبدو في الرواية كمشفى روحاني، وبعد جملة من المواقف والوقائع، يبدأ السر المكتوم في التكشف، حين تلتقي موزة مصادفة بشقيقتها «حصة»، التي فقدتها قبل أكثر من نصف قرن؛ فنعرف بعد هذا اللقاء أن «صنعا» كانت باعت هذه الشقيقة المفقودة لتاجر رقيق، كما قتلت أختها «فطيم» حين قاومتها ملقية بها من رأس الجبل.
من هنا، تفتح الرواية مدارها الحكائي، بخيال وصفي يقظ، لتسجل بعض مشاهد التعذيب والتنكيل والاستعباد التي تعرضت لها هذه العائلة وسواها من عائلات على أيام الحرب العالمية الثانية، حين كان الإنجليز يوزعون على سكان ساحل عمان بسكويت الزغنبوت، المدعم بمواد غذائية، ليبقوا أحياء.
وعبر ثلاثة أمكنة تمحورت عوالم الرواية، «الحرم المكي» الذي ظهر كمكان أنيس ومصدر للطمأنينة والتطهر، وثمة «الصحراء» التي بدت كفضاء للقسوة والخوف والجوع والاسترقاق، فيما ظهرت «المدينة» خطفاً، وكمحطة وسطى بين المكانين.ووظفت الكاتبة تقنيات سردية عدة لتمرير عالم روايتها، مثل: الراوي العليم بكل شيء، والمونولوج، والاقتباسات، والرسائل، وهو ما زاد من دينامية الرواية وحيويتها، كما أغنى بعدها الدرامي.