ألوان

اللؤلؤ العربي الأصيل يسطع في إمارة رأس الخيمة

نوع من اللؤلؤ المستزرع

نوع من اللؤلؤ المستزرع

لكبيرة التونسي (رأس الخيمة)

استطاع عبد الله راشد السويدي بإصراره وعزيمته، أن يعيد أمجاد اللؤلؤ العربي الذي ذاع صيته في العالم، مرة أخرى، من خلال مزرعته «لآلئ السويدي»، بعد أن نجح في استزراع اللؤلؤ الطبيعي بمدينة الرمس في إمارة رأس الخيمة، كأحد مشاريع ريادة الأعمال الوطنية المتميزة بالإمارة، مساهماً في تطوير علامة تجارية ذات سمعة إقليمية وعالمية، فبعد أن سافر إلى اليابان من أجل جلب خبرات عالمية، وخاض تجارب كبيرة وصرف أموالاً طائلة، استطاع أن ينقل ويوطن أحدث التقنيات والتكنولوجيات المتبعة في صناعة استزراع اللؤلؤ الطبيعي بجميع الأحجام والألوان، حيث تخطى السويدي بمزرعته العديد من الدول الرائدة في هذا المجال، موفراً خيارات متعددة لأصحاب العلامات التجارية الكبيرة من صناع المجوهرات في العالم، فكانت النتيجة، مشروع إبداعي لإنتاج أجود وأرقى أنواع اللؤلؤ الطبيعي، سيضع الإمارات على قائمة الدول المصدرة عالمياً، وهو ما جعله يطمح إلى التوسع في مشروعه وتأسيس مشاريع أخرى مشابهه حول العالم، بحسب ما كشف لـ(الاتحاد) الذي زارته في مزرعة اللؤلؤ.

خدمة التراث

يتجاوز مشروع «لآلئ السويدي» إنتاج أجود الأنواع الطبيعية من اللؤلؤ العربي، إلى خدمة السياحة والحفاظ على التراث وخدمة البيئة والتعليم، حيث يعد مشروعه من المشاريع الرائدة على مستوى رأس الخيمة والإمارات والعالم، وتتطلع مزرعته المتواجدة بخور الرمس إلى لعب دور كبير في الحفاظ على موروث الأجداد، وإعادة إحيائه وربط الأجيال بالماضي العريق للدولة والمنطقة، إلى جانب المساهمة في التنمية المحلية. والسويدي الذي بلغ حجم مشروعه اليوم ملايين الدراهم الإماراتية، ينتج حالياً نحو 40 ألف محارة سنوياً، بمزرعته التي تبلغ مساحتها 4000 متر مربع، بينما كان قد أنتج منذ 2004 إلى اليوم، نحو 100 ألف لؤلؤة مستزرعة بالمحار، ويتطلع إلى زيادة الإنتاج خلال السنوات الخمس المقبلة إلى 250 ألف محار. كما يعمل على تأسيس 13 مزرعة حول العالم.

وتنتج «مزرعة أبناء السويدي لاستزراع اللؤلؤ ذات المسؤولية المحدودة برأس الخيمة» لآلئ بجودة عالية جداً وبألوان وأحجام مختلفة، ومعظم اللآلئ المستنبتة من محار اللؤلؤ بمزرعة لآلئ الســويـدي، هــي عبـارة عـن دانـــات ذات حجم لا يقل عن 6 ملليميترات ولا تزيد أكبرها على 13 ملليمتراً. كما تنتج المزرعة 13 لوناً مختلفاً من الأبيض الفاتح، مروراً بالأصفر والذهبي «النباتي» و«المشير» المشرب بحمرة و«السنقباسي» الداكن اللون، كما تنتج المزرعة أندر الأنواع ومنها «الباروك» وهو نوع غير دائري، وهي من الأنواع التي تحظى باهتمام بالغ من طرف صناع المجوهرات وعشاق اللؤلؤ.

شغف وتصميم

بذل عبد الله راشد السويدي الكثير من الجهد والمال حتى تحقق حلمه، وبات صاحب أول مشروع لاستزراع وإنتاج اللؤلؤ في الشرق الأوسط، اختبر العديد من التجارب ومر بالكثير من المراحل من النجاح والفشل، إلى أن وصلت مزرعته إلى هذا القدر من الإشعاع والنجاح وذاع صيتها في مختلف أرجاء العالم، حيث أصبح يتعامل مع أكبر العلامات التجارية في تصميم المجوهرات، كما يتعامل مع أرقى مصممات المجوهرات الإماراتيات في خطوة لدعم المنتجين المحليين، ورغم أن السويدي دارس للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، فإن شغفه بهذا المجال وارتباطه العاطفي به، جعله يصرف من ماله الخاص الكثير ليصل إلى ما وصلت إليه المزرعة، ومع ذلك لا يزال سقف طموحه يتجاوز تأسيس العديد من المزارع داخل الدولة وخارجها، حيث يقوم اليوم بعدة دراسات لإمكانية تأسيس مزارع حول العالم، إذ يتطلب الموضوع بيئة خاصة ومواصفات مدروسة.

تجريب واختبار

يبين عبد الله راشد السويدي، أنه أسس المزرعة للمرة الأولى في العام 2003، ومنذ ذلك الوقت، كان تركيزه منصباً على البحوث والدراسات والتجارب العلمية من خلال الملاحظة لحساسية التنوع الطبيعي الذي وهبه الله للخليج العربي وكنوزه، أما الانتقال إلى التسويق التجاري فكان من خلال تصنيع المجوهرات وفتح المزرعة للسياح، مضيفاً: «اقترن تاريخ الكثير من الأسر الإماراتية بتاريخ الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في الخليج، حيث تعود العلاقة إلى أزمنة مضت تزيد على سبعمئة عام، كان خلالها الأجيال يتوارثون عشق اللؤلؤ جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى حضارة جلفار العريقة، ولقد كان العمل بالغوص على اللؤلؤ بالماضي مغروساً في ثقافة الحياة اليومية وتقاليدها لكل من سكان منطقة جلفار».

لؤلؤ الخليج العربي

يؤكد السويدي أن تأسيس مزرعة لؤلؤ نموذجية مصغرة يتطلب استثماراً لا يقل عن مليون دولار، لذلك كانت رؤيته تتمثل في تطوير صناعة لؤلؤ الخليج الجديدة، كي تصل إلى الأجيال القادمة كحلقة وصل بين الماضي والمستقبل، ويطمح بإطلاق علامة تجارية عالمية للؤلؤ الخليج العربي، التي من شأنها أن تعتلي أجود أنواع اللؤلؤ المنتج عالمياً، مشيراً أنه يعكف حالياً على ابتكار تقنية حديثة جديدة وللمرة الأولى في تاريخ اللؤلؤ المستزرع، بهدف الحصول على أعلى جودة من اللؤلؤ، حيث سيتم توجيه هذه اللآلئ إلى بعض من أفضل مصممي المجوهرات المعروفين في العالم، ولدى عبد الله العديد من المبادرات والعلاقات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص لإعادة مركز دولة الإمارات العربية المتحدة كمركز مهم ليس فقط لتجارة اللؤلؤ، بل أيضاً إنتاجه كما كان قبل أكثر من مئة عام.

تقنيات عالية الدقة

وعن تقنيات الاستزراع التي تتم داخل المزرعة، عن طريق خبراء يابانيين، أشار السويدي أنه يتم تلقيح 200 محارة يومياً، وتتم العملية ووسط المزرعة بالبحر وداخل منصة عائمة ومثبته بقاع البحر تتكون من طابقين، حيث تدور عملية فتح المحار وتلقيحه عن طريق خبيرين يابانيين بسرعة فائقة، وبتقنيات عالية للحصول على أفضل النتائج والمحافظة على حياة المحار، حيث يلتقط الخبير ناكاياما المحارة من وعاء فيه ماء ويفتحها عن طريق ملقط بعناية فائقة، ثم يثبت في الفتحة ملقط بلاستيكي آخر، وفي هذه الأثناء تنتقل المحارة ليد الخبير الآخر ايواكي الذي يعمل في هذا المجال لمدة فاقت 40 سنة، لتبدأ عملية التلقيح التي يجب أن تتم خلال 30 ثانية فقط. وتعليقاً على تقنية استزراع اللؤلؤ قال السويدي: «قمنا بتطوير عملية توليد المحار بشكل طبيعي من أمهات المحار، باستخدام الحبال المصنوعة طبيعياً من ألياف الأشجار، والتي تعد عضويه وطبيعية، ويعتمد الأمر على الأجيال من المحار من خلال عملية التوليد لبيوض ويرقات المحار، وعند مرور عامين من تكون المحارة تصبح جاهزة للاستنبات وتكون بحجم مناسب، نقوم بوضع المحار بصناديق سوداء، وذلك كي يدخل بمرحلة الاسترخاء التام قبل عملية الاستنبات لمدة 30 يومياً، وصباح يوم عملية الاستنبات، تستخرج الصناديق ليتم تجهيزها بكل لطف، ويقوم الخبير بإجراء عملية شق لجيب الصدف المتواجد بداخل جسم المحارة ووضع قطعة 1 ملليميتر من الخلايا المكونة للصدف من محاره أخرى، يتبعها بوضع خرزة دائرية الشكل مصنوعه من صدف المحار، لتبقى داخل جسم المحارة لمدة عام، لتتكون عليها الطبقات الكريستالية البلورية من كربونات الكالسيوم «الأورجانايت». وبعد مرور عام نقوم باستخراج اللؤلؤة من المحارة وغسلها بالماء العذب وفركها بالملح البحري الطبيعي لإزالة الشوائب عنها، وحينها تكون جاهزة للتسويق». وشدد السويدي على عدم بقاء المحارة في الصندوق أكثر من عام بعد الإخصاب، والسبب أنه في حال تعدت المدة، فمن الممكن أن تكبر حبة اللؤلؤ، وتشكل تهديداً لحياة المحارة لكبر حجمها. وعن نسبة نجاح إخصاب المحار أكد السويدي أن من بين 100 محارة مستزرعة، تنجح عادة 60 محارة، تشكل نسبة 10% منها أعلى درجة من الجودة، وهو النوع المطلوب في صناعة المجوهرات. كما لفت السويدي النظر، أنهم يقومون بإيقاف عمليات التلقيح والاستنبات خلال فترة الصيف، بسبب ارتفاع درجة حرارة الجو والمياه والتي من الممكن أن ترهق محار اللؤلؤ وتهددها. أما الأدوات المستخدمة في استزراع اللؤلؤ، فهي «حسب السويدي»، أدوات خبير الاستنبات وتتكون من مشرط ومفلق، شباك دائرية وذات شكل مربع ومستطيل ترمز إلى مراحل مختلفة من نمو المحارة.

تفوق بشهادة عالمية

تفوقت «لآلئ السويدي» على الاستزراع الياباني بشهادة اليابانيين أنفسهم، وقال السويدي : نسبة إطلاق عرق اللؤلؤ لمحار لؤلؤ الخليج العربي، يتجاوز أضعاف ما يطلقه المحار الياباني، لذلك يخضع اللؤلؤ الياباني لعمليات صقل وتلميع كيميائي لإضافة بريق اللؤلؤ الياباني، وفي المقابل فإن لؤلؤ الخليج العربي لا يستدعي أية عملية صقل وتلميع وبريقه إلهي رباني. وأشار السويدي أن مزرعته نجحت في إنتاج أجود أنواع اللؤلؤ في العالم، مؤكداً أن المزرعة أنتجت أنواع نادرة من اللآلئ أيضاً، كما أنتجت أحجاماً نادرة، بحيث تم تصنيع سبحة تتكون من 33 حبة لؤلؤ من نفس الحجم استغرق جمعها 4 سنوات حصاداً.

حلي ومجوهرات

يعيش زوار المزرعة من السياح وعشاق المجوهرات، تجربة تمزج فيه المعلومة والمتعة، ويسمح للزوار بالتقاط محارة من داخل حوض زجاجي كبير يحاكي بيئة المحار بقاع البحر، ويضم الحوض العديد من المحارات التي قارب زراعتها العام، وفتحها والبحث عن اللؤلؤ التي توجد بداخلها، وأخذها وتركيبها بسلسال ذهب بعد دفع ثمنها، وهي العملية التي تتم في نفس المكان من خلال ورشة صناعة الحلي.

حارس ثقافة اللؤلؤ

يرتبط عبد الله راشد السويدي بثقافة اللؤلؤ، بجينات وراثية ويعتبر نفسه حارساً لثقافة اللؤلؤ، حيث يتمثل ذلك بعشقه للؤلؤ والشغف باستزراعه وإنتاجه، حيث كان جده محمد بن عبد لله السويدي واحداً من بين الكوكبة الأخيرة من غواصي اللؤلؤ، وهذا الجد الطاعن في محبّة اللؤلؤ ترك من خلفه الإرث، وأورثه الحفيد، حتى أصبحت علاقة الحفيد عبد الله مع اللؤلؤ تكاملية، واللؤلؤ يرمز إلى الحكمة. ويعتقد عبد الله السويدي أنّ هذه الأحجار الكريمة العضوية هي موضوع العديد من الأساطير، وأنّ اللؤلؤ هو الكنز الذي يمثل النقاء، والكرم، والنزاهة، والولاء بين الناس.

رحلات ومعلومات

على بعد نحو 100 متر من المزرعة ومن على الشاطئ بميناء الخور بمنطقة الرمس، يقف قارب الجالبوت الخشبي الذي كان يستخدم في الماضي في رحلات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، في استقبال الزوار ويقوده صالح حنبلوه الخبير التراثي، بينما تتكفل سارة محمد المدير التنفيذي للمشروع، باستقبال الزوار بابتسامة عريضة وترحيب كبير، مصغية لأسئلتهم ومبادرة بتعريفهم على كل مواقع المزرعة.

وتوجد المزرعة بخور مدينة الرمس الساحلية، التي يحتضنها الجبل ويحرسها أبناء الرمس المتآخين من الصيادين أصحاب النخوة والمروة، حيث يشكل المشروع لهم مصدر فخر واعتزاز لإعادة الموروث القديم من التاريخ الأصيل، ويشرف عليها 10 عمال فنياً وإدارياً.

تاريخ وتراث وسياحة وتعليم

يعد مشروع «لآلئ السويدي» من بين أبرز الوجهات التي تستقطب السياح في إمارة رأس الخيمة، للاطلاع على جزء من تاريخ التجارة في المنطقة منذ آلاف السنين، نظراً لما لها من أبعاد اقتصادية وسياحية وبيئية وتاريخية، في ظل الارتباط الوثيق للؤلؤ بتاريخ المجتمع الإماراتي. وللمزرعة أبعاد تراثية وتثقيفية أيضاً، حيث تقوم باستقبال وفود سياحية محلية وإقليمية وعالمية يومياً، لاطلاعهم على مهنة الغوص على اللؤلؤ، والأدوات المستعملة فيها عن طريق خبير التراث صالح حنبلوه، كما يستفيد الزوار من خبرات الخبراء الذين يقومون بعملية إخصاب المحار أمامهم ويحظون بشرح كافٍ عن أنواع اللآلئ ومقاساتها عن طريق محافظ اللؤلؤ عثمان البلوشي. مما يجعل الزائر يغادر المزرعة بمعلومات وافية عن اللؤلؤ الطبيعي العربي، وكيفية عملية الاستزراع وحماية التراث والاستدامة.

استدامة

يولي السويدي عناية فائقة لجميع تفاصيل مزرعة «لآلئ السويدي» من ناحية الإنتاج والاستدامة والتراث، مضيفاً: «لا يتوقف الأمر على استخراج اللؤلؤ فقط من المحار، فهناك خطة الاستفادة من كل شيء، حيث يستخدم المحار بعد استنفاده، في صناعة المجوهرات والتذكارات وأعمال الديكور، أما باقي محتويات المحار بعد استخراج اللؤلؤ، فله استخدامات أخرى أيضاً، بحيث يتم التخلص من أي نفايات وإبعاد أية ملوثات عن المزرعة، كما أن المحار يتغذى على أحياء بحرية دقيقة وبالتالي لا نستخدم أي مواد تحفيزية أو أعلاف، فنحن حريصون على أن تحافظ مزرعة اللؤلؤ على البيئة». وعن خطة الاستفادة من مخلفات المحار بعد استخراج اللؤلؤ، قال السويدي: «يتم الاستفادة من جميع مكونات المحارة وهي اللؤلؤة وهي العنصر الرئيسي وتستخدم للمجوهرات. صدف المحارة ويستخدم للإكسسوارات. عضلة المحارة وتستخدم للأكل. باقي أعضاء المحارة تجفف وتستخدم كسماد عضوي».وتعد المزرعة مؤشراً طبيعياً لسلامة البيئة البحرية، نظراً للقوانين وللسياسات البيئية التي وضعتها حكومة دولة الإمارات، وقامت بتطبيقها الصارم وما زال هناك مجالاً لإجراءات الحفاظ على البيئة البحرية بمشاركة اجتماعية، حيث لا يمكن للمحار أن يبقى على قيد الحياة أو إنتاج لؤلؤ ذي جودة عالية، في حال تلوث البيئة، كما هو حال الخلجان اليابانية التي تلوثت بمخلفات المصانع في سبعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى تراجع إنتاج اللؤلؤ وبالأطنان عاماً بعد عام.