الملحق الثقافي

اريك زمور يشعلفرنسا!

هاشم صالح

هاشم صالح

على عكس ما أشيع فإن المؤلف لم يهاجم العرب فقط وانما هاجم اليهود أيضاً. وهذا شيء مدهش جداً اذا ما علمنا أنه هو ذاته من أصول يهودية بل وعربية جزائرية لأن عائلته من شمال أفريقيا. من هنا اسمه: زمور. وهذا ما أدهشني في الكتاب كل الدهشة لأنه نادراً ما أن يهاجم مثقف يهودي ذلك اللوبي الصهيوني الضخم الذي يصول ويجول كما يشاء ويشتهي؛ حتى ميتران اشتكى منه في أواخر حياته. لقد تحول الى «دولة داخل الدولة» كما يقول زمور.
الانتحار الفرنسي
نلاحظ أن المؤلف يتحدث كقومي فرنسي محض لا كيهودي حريص على مصالح طائفته بالدرجة الأولى. من هنا اعجابه الشديد بالجنرال ديجول على مدار الكتاب. فهو يعتبر أن عهده كان ذهبياً وأن الانحطاط ابتدأ بعد وفاته مباشرة. ويرى أن الانتحار الفرنسي ناتج عن الثورة الطلابية التحررية والتحللية الإباحية الشهيرة لمايو 1968. وهي الثورة التي كادت أن تطيح بديجول ذاته. وقد دمرت كل تراثه على مدار الأربعين سنة التي تلت وفاته: أي منذ عام 1970 وحتى اليوم. فالمجتمع الفرنسي ما انفك يسير في اتجاه التحلل من كل الحدود والقيود يوماً بعد يوم وسنة بعد أخرى حتى وصل الى ما وصل اليه اليوم. لقد اختار خط السهولة والتسيب وهدم كل ما بنته الأجيال السابقة بعرق جبينها. كل القيم التي تمجد الجهد والتضحية والتفاني وعدم الاستسلام للنزوات والرغبات والانحرافات انتهت. وهذا هو معنى الانتحار الفرنسي: فرنسا تسير نحو الهاوية في رأيه بسبب الإباحية الجنسية وتفكك العائلة الفرنسية وكل هذيانات الفكر المتطرف العدمي وهيجاناته. لم تعد هناك أي قيمة ثابتة في المجتمع لكي يعتصم بها الناس في وقت الشدة. الدين انتهى كلياً ولا أحد «يقيمه من أرضه» كما يقال. كل ما يطلبونه من البابا هو إصدار فتوى تبيح لهم الشذوذ الجنسي. وبعدئذ ينتهي دوره. فلسفة الشهوة واللذة والمتعة الحسية هي وحدها القيمة التي تعلو ولا يعلى عليها. كل ما عدا ذلك لا وجود له. هذه هي الفلسفة العظيمة التي تمخضت عنها ثورة مايو 68. وبالتالي فكل شيء أصبح مباحاً ومشروعاً بما فيها التصرفات الأكثر شذوذاً وضرراً. الحرية أصبحت تعني الفوضى العارمة. كل واحد أصبح يشكل قيمة بنفسه ويمارس حياته الجنسية كما يشاء ويشتهي بلا رقيب أو حسيب. ألم تطرح ثورة مايو الشعار الشهير: ممنوع أن تمنع! وهو شعار صبياني طفولي مراهق وخطر أيضاً. نحن نعاني من كثرة المحظورات والممنوعات والتابوهات وهم يعانون من كثرة التسيب والإباحية المطلقة. تعددت الأسباب والموت واحد! حقاً لقد هيمنت الفلسفة العدمية النسبوية على المجتمع إلى درجة أن كل شيء أصبح يساوي كل شيء وما حدا أحسن من حدا. هل أنت شاذ جنسياً أم طبيعي جنسياً لا فرق.. «كيف كيف»، كما يقول إخواننا التوانسة. لم يعد هناك شيء أفضل من شيء آخر أو قيمة ما أفضل من قيمة أخرى. كل شيء وعكسه سيان. هذا هو معنى العدمية النسبوية. وكانت النتيجة أن ظهر مرض الإيدز الذي حصد المثليين -أي الشواذ- بالمئات والألوف. ومن بينهم شخصيات كبرى كالفيلسوف ميشيل فوكو وسواه. هذه هي نتيجة انتهاك القانون الانثربولوجي الأعظم للبشرية. هذه هي نتيجة الاستخفاف بالقيم الأخلاقية التي لا حضارة انسانية بدونها. علاوة على ذلك فلم تعد هناك أي هيبة للأب على أطفاله، أو للأستاذ على تلامذته. إنهم يناقشونه على قدم المساواة ويخاطبونه من موقع الند للند وأحياناً بدون أي احترام. كل هذا من نتائج ثورة مايو 68 التي أطاحت بديجول وكل القيم التي أسسها. ولهذا السبب فان اريك زمور يقول بأن فرنسا أصبحت الرجل المريض لأوروبا. فبدلا من أن يصبح الاتحاد الأوروبي «فرنسا مكبّرة» أصبح «فرنسا مصغّرة» وألمانيا مكبرة. ألمانيا هي الآن زعيمة الاتحاد الأوروبي لا فرنسا. يضاف الى ذلك تدهور المدرسة الفرنسية والثقافة الفرنسية وحتى اللغة الفرنسية! أصبحت الشخصيات الفرنسية تتحدث بالإنجليزية في الخارج. في إحدى المرات التقى جاك شيراك بكلود شيسون في أحد المحافل الأوروبية . فأخذ شيسون- وزير خارجية فرنسا آنذاك - يخاطبه بالإنجليزية! وعندئذ حملق فيه شيراك حملقة مرعبة زعزعته تماماً وأخجلته من نفسه. لقد ذهب العهد الذي كانت فيه أوروبا المثقفة تتحدث بالفرنسية. كان ذلك في القرن الثامن عشر إبان عصر التنوير، عصر فولتير وروسو ومونتسكيو والموسوعيين. والجامعات الفرنسية أصبحت في المؤخرة تقريباً بعد أن كانت في المقدمة.
هل كل ما يقوله اريك زمور هنا صحيح يا ترى؟ بالطبع لا. فالصح عنده يختلط بالكثير من المبالغات والتهويلات. ففرنسا لا تزال القوة الخامسة في العالم على الرغم من كل شيء. لا ريب في أن لغتها تراجعت كثيراً بالقياس الى الإنجليزية. ولكنها لا تزال منتشرة في بلجيكا وسويسرا واللكسمبورغ وكندا (كيبيك مونتريال) هذا ناهيك عن المغرب العربي وافريقيا السوداء ولبنان وكل البلدان المنضوية داخل إطار منظمة الفرانكوفونية. و يا ليت أن العرب يقتدون بها ويدافعون عن اللغة العربية مثلما تدافع هي عن اللغة الفرنسية.
تخرصّات
هل فرنسا على شفا حرب أهلية؟
هذا ما يعتقده المؤلف ليس فقط في كتابه وانما أيضا في تصريحاته التي تلت ظهور الكتاب. من المعروف أن فرنسا شهدت حرباً مذهبية ضارية بين البروتستانتيين والكاثوليكيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر ولا تزال تعض على أصابعها ندماً بسبب ما فعلته بنفسها إبان تلك المجزرة. ولذلك فهي لا تريد أن تعود الى الوراء. لا تريد لكوابيس الماضي أن تقض مضجعها مرة أخرى. ولكن زمور يعتقد أن ذلك قادم لا محالة. وهذه المرة ستكون الحرب الأهلية الفرنسية بين العرب المسلمين من جهة/ واليهود وبقية المجتمع الفرنسي من جهة أخرى. هذه هي تخرصاته. ينبغي العلم بأن فرنسا تحتوي على أكبر جالية عربية وأكبر جالية يهودية في كل أنحاء أوروبا. فعدد العرب لا يقل عن خمسة ملايين وعدد اليهود لا يقل عن سبعمائة ألف شخص. والاحتكاكات بين الطرفين أصبحت مكهربة أكثر من اللزوم. ولذلك فإن القادة الفرنسيين يخشون من احتدام المعركة بين الطرفين وبخاصة كلما اشتعلت الأوضاع في فلسطين كما حصل في العدوان الأخير على غزة. من هذه الناحية فإن فرنسا تحولت الى بلد عربي تقريباً أو شرق أوسطي.أصبح الصراع العربي الإسرائيلي مشكلة داخلية فرنسية بالكامل.ما الحل؟ ما العمل؟ هل يكمن في تفريغ فرنسا من جالياتها الإسلامية عن طريق إعادتهم الى بلدانهم الأصلية: أي الجزائر والمغرب وتونس أساساً؟ ولكنه حل سريالي جهنمي لا أحد يصدقه. بل وحتى زمور نفسه تراجع عنه بعد الضجة العنيفة التي أثارتها تصريحاته الى جريدة إيطالية. فاستدرك قائلا بأنه لا يمكن إطلاقاً طردهم لسبب بسيط هو أنهم في أغلبيتهم يحملون الجنسية الفرنسية. ولكن مجرد طرح الأمور على هذا النحو دليل على مدى خطورة هذه المشكلة في فرنسا. يرى الفيلسوف المحترم باسكال بروكنر أستاذ الجامعات الفرنسية والأميركية أن زمور مصاب بنفس أعراض المرض الذي يشكو منه. انه لا يثق بنفسه مثلما لا بفرنسا وقدرتها على استيعاب المهاجرين بفضل ديناميكيتها وعبقريتها الخلاقة. ففرنسا في رأيه دولة قوية وليست ضعيفة الى الحد الذي يصوره زمور. والواقع أنه شخص استفزازي تحريضي ويحمل صورة كارثية قيامية سوداوية عن المستقبل. وربما كان يتقصد الأسوأ لكي نستبق عليه ونتحاشاه قبل أن يحصل. اذا كان الأمر كذلك فتشخيصه محمود ولا غبار عليه. أين يكمن خطأ زمور في تشخيص المشكل الفرنسي؟ انه مخطئ اذ يحكم على المسلمين في كليتهم بهذا الشكل السلبي. فالمسلمون كالمسيحيين ليسوا كتلة واحدة متجانسة على عكس ما يتوهم زمور. انهم مشكلون من حساسيات وتيارات مختلفة، فيهم الرجعي وفيهم التقدمي، فيهم الظلامي وفيهم المستنير. ليسوا كلهم البغدادي ولا بن لادن على عكس ما يتخوف زمور. وبالتالي فوضعهم كلهم هكذا في سلة واحدة دليل على الغباء الفكري وقصر النظر ليس الا. ويرى الفيلسوف بروكنر أن دمج المسلمين في فرنسا نجح الى حد كبير أو هو في طريق النجاح والتحقق. ففيهم الآن أطباء ومهندسون وصيادلة وكوادر عليا بل ونواب ووزراء ومثقفون كبار وأساتذة جامعات.. وبالتالي فالعرب قادمون وسوف يدهشون المجتمع الفرنسي بطاقاتهم الابداعية الخلاقة. انهم ليسوا عالة على المجتمع الفرنسي وانما دعامة كبيرة له ومصدر قوة. يضاف الى ذلك أنهم يشكلون جسرا حضاريا رائعا بين العالم العربي وأوروبا. وفرنسا بحاجة ماسة لهم. هكذا نلاحظ أن الفلاسفة الحقيقيين هم وحدهم القادرون على نقد زمور وتفنيد بعض أطروحاته الخاطئة. وهنا تكمن أهمية الفلسفة والفلاسفة. الفيلسوف يذهب الى عمق الأشياء وهو وحده القادر على اضاءة المسائل العويصة.
لا تزال تفاعلات هذا الكتاب تتوالى فصولا في الساحة الباريسية والفرنسية كلها. فهل أصاب عصباً حساساً لكي يثير كل هذا الاهتمام ويحظى بأرقام مبيعات قياسية؟ ربما. على أي حال فان اريك زمور لم يعد يخشى على رزقه ورزق أطفاله من الآن وحتى نهاية الأزمان. فالكتاب أمّن له مليون يورو على الأقل، والحبل على الجرار.. هنا الكاتب اذا ما نجح يصبح مليونيراً بين عشية وضحاها على عكس العالم العربي حيث لا يعرف الكاتب رقم مبيعاته ولا ينال إلا الفتات.. لكن دعونا من هذه الاعتبارات الشكلانية ولندخل في صلب الموضوع.


الإسلاموفوبيا
يعرف البروفيسور باسكال بروكنر أنه توجد في الجالية أقلية كبيرة تابعة للأصوليين المتطرفين. ولذا ينصح بتنوير الجالية العربية الإسلامية عن طريق التعليم والتثقيف والتدريس الحديث للدين وإحلاله محل التدريس الإخواني السلفي القديم. ويرى أن هؤلاء اخترعوا مصطلح «الإسلاموفوبيا» لمنعنا من تطبيق النقد التاريخي على التراث الإسلامي كما طبقناه على التراث المسيحي واليهودي والبوذي. وبالتالي فهي كلمة حق أريد بها باطل. اذا كان المقصود «بالاسلاموفوبيا» محاربة التمييز العنصري ضد العرب والمسلمين فأهلاً وسهلاً بها. أما اذا كان المقصود بها قطع الطريق على تجديد فهم الاسلام وتنويره من الداخل كما فعلنا مع المسيحية سابقا فإننا نرفضها. هكذا وضع باسكال بروكنر النقاط على الحروف.