الملحق الثقافي

«الفانتاستك» في روايات إماراتية

سارة الجروان

سارة الجروان

وثمة إشارة إلى الوثاق المكين بين السرد والعجائبي أو الغرائبي أو الخارق.
وما يدلل على ذلك نجده في المثال الأكبر: ألف ليلة وليلة، وفي السرديات الصوفية وسرديات الجن وشبهها، وما أكثره في التراث الرسمي وفي التراث الشعبي.
عذراء وولي وساحر
تقدم رواية (عذراء وولي وساحر) لسارة الجروان الكعبي أنموذجا لحضور الفانتاستيك في الرواية، ويتعلق الفانتاستيك هنا بالصوفي، ابتداءً من عتبة الرواية المقبوسة من جلال الدين الرومي.
وقد جاء الفصل الأول من الرواية انثيالاً ليسرد لجوء أم تناهيد إلى مولاي شَكَر، نشداناً لشفاء تناهيد من العين التي أصابت منها مقتلاً.
وإذْ رأى مولاي شَكَر – صاحب أعظم قصر في البلاد – المريضة، عاد أدراجه إلى كرسيه «يجتر هوى طوّحه هباءً منثوراً وأفلته رهبنةً ونذورا»، فتمتم بتراتيل سريانية، وتحول إلى شكل آخر.
كما هو السجع في المقبوس السابق، سيظل يلوّن لغة الرواية، ويوفّر لها إيقاعاتها، ويعلن نسبها التراثي، حتى لو كان ذلك على حساب مقتضيات الشخصية الروائية.
ومن أمثلة ذلك الوفيرة هو ذا لسان الطفل يضاهي لسان الشيخ فصاحةً وتسجيعاً.
منذ الفصل الثاني سيتوازى ويشتبك في الرواية خط تناهيد وخط عمر ابتداءً من طفولته، حين يأخذه أبوه إلى بلاد (لاهود) حيث مولانا خادم عز الجلال، وذلك كي يبعد الأب ابنه عن عمه شاكيل.
ولنرَ هذه العجائب: يوصي الشيخ الطفل بأن يحاول تثبيت سبع حصيات من مجرى النهر فوق صفحة الماء، في خط مستقيم، وكذلك هذه العجيبة تلو العجيبة: يكلم الشيخ كلبه متواح، وبقايا الطعام تعود إلى تمامها، والعم شاكيل يظهر للصبي الذي يرتب الحصى، ويخفق، ومولاي شَكَر يزفر نفساً أمام عراء تناهيد، فينفث ريحاً في كفه، ويلقمها جهة أميرته تناهيد، فإذا بثيابها تكسوها كما كانت قبل أن يتقاسم معها الجسد والوجد.
ولأن تناهيد ترفض مضاجعة زوجها الذي ينتظر أبوه الحاكم وأمه أن ينجب ولياً للعهد، فقد جاء بها زوجها وأمها إلى مولاي شَكَر الذي نفخ على منضدة المرضى، فاستحالت سريراً وثيراً، وجاء بتناهيد، فنفث نفثة طيرت أدثرتها.
حين يستوي عمر فتى، ويعتمر عمامة بيضاء، سيكون عمه شاكيل قد علمه ما أن يتلفظ به، حتى يكون طوع يمينه خدم وأتباع، بل والحجارة أيضاً، كما سيتنبأ العم بزمن سيأتي، وتشد فيه الرحال إلى عمر، ولكي تجمع الرواية بين عمر وتناهيد، يكون موت مولانا خادم عز الجلال الذي يورث عمراً كتاباً فيحمله ويمضي.
وفي الطريق يختطفه من يبيعانه في مدينة، وتسلمه أقداره إلى قمة جبل قهب ليعمل في بستان تملكه تناهيد بنت السلطان قارون وولية عهده، المشغولة بركوب الخيل وقراءة كتب الأساطير، بينما أبوها يرسل من ينقب عن تلك الكتب، ليكون لها آخر ما تم تأليفه، أو ما بلغته علوم الأسلاف.
تستدعي تناهيد التي يشفيها عمر من لدغة الأفعى، كلَّ من يقص «قصصاً غرائبية» لم تسمعها من قبل، وهكذا يحضر تسعة رجال وخمس نساء، يدعون أنهم حكاؤون لقصص «لم يتطرق راوٍ لها في صفوف مجالس ولا في مداد قرطاس تدفق من هاجس».وفي احتفالية (ليلة الأساطير الكبرى)، بالأحرى، ليلة السرديات الفانتاستيكية الكبرى، يروي كلّ راوٍ قصته، فتصرفه تناهيد، إلى أن جاء الأخير الذي يطوف في البلدان حاملاً قصصاً وحكايات يجمعها في تجواله، ويحدث الناس بها، ويجمع للعشاق من القفار الأعشاب التي تهب الحياة: إنه (شلعم) الذي يعاين عمراً المريض، ويروي قصة الولي حسان ومليكة زوجة صديقه التاجر، فكأنما تحضر شهرزاد ولياليها، إذ يصمت شلعم قبل بزوغ الفجر، بينما من حوله يتحرقون على تتمة الحكاية، وهكذا، ليلة بعد ليلة، بينما يُكافأ شلعم بتعيينه بين كبار مستشاري تناهيد.
وبعد أن يكمل الحكاية، يصير مستشار السلطان، وشيخ طريقة دينية، وتصير تناهيد من أتباعه، فتتحجب، ويطلبها زوجاً له، لكن عمر يدرك حقيقة شلغم المراوغة، فيوقع الأخير به، ويحكم عليه بالموت صلباً، وإذا بدخان أبيض ذي رائحة عطرة نفاثة، يظهر، ليختفي عمر من على المقصلة، ويحل في جوف الجبل حيث كان مع عز الجلال.
ولتبلغ الخوارق أقصاها تروي رواية سارة الجروان الكعبي أن بمقدور عمر معرفة كل ما يدور في أنحاء الأرض بفضل ما أوتي من الكرامات، في طيّ صدر الرواية على عجزها، تعود إلى ما ابتدأت به في الحمّام.
وسوف يغري مولاي شَكَر زوج تناهيد بالطلاق، فتناهيد حبلى، وقد فارقها زوجها عذراء رافضة له، ولسوف تعتزل الدنيا وتقضي الوقت صوماً وعبادة، بينما ينطوي سرّ ما فعل بها مولاي شَكَر، من دون أن تنتهي عجائبية الرواية، إذ لايزال فيها مطرح لحفيد السلطان قارون، الساحر المتمرس بالهرطقة والشعوذة والكهانة... كونار وهذه هي رواية هند سيف البار (كونار) التي يتعلق فيها الفانتاستيك بعالم الجن، فالرواية تنفتح على طلب الجدة من رقية أن تنظف القبو، وثمة تستذكر الفتاة حادث السيارة الذي أودى بأبويها، بينما نجت هي بمعجزة.
وفي القبو، يتصاعد دخان كثيف من الفانوس على شكل طيف، فحسبته رقية مارداً، لكنه خاطبها نافياً أن يكون مارداً، وأنه ليس هنا لتحقيق أحلام البشر الغبية، بل هو جني عاهد نفسه على أن يجعل من يحرره خادماً له، وأمرها بتوقيع العقد على ذلك.
من بعد يحضر الجني، ويحمل رقية آمراً بأن تحكي له قصة كل يوم قبل النوم، فتهلّ شهرزاد على الرواية محفوفة بشهريار، وتترجّع العبارة – المفتاح لألف ليلة وليلة: «يُحكى أيها الجني السعيد».ويعلن كونار – وهذا هو اسم الجني الذي تعنونت به الرواية – أنه من نبلاء الجن، وأنه سيكون مع رقية على هيئته البشرية، لأن شكله الحقيقي مرعب.
وكما هو مألوف حكايات الجن العجائبية، يحذر كونار الفتاة الإنسية من أن تدخل غرفة بعينها من قصره، ولسوف تؤنسن رقية الأشياء في القصر، فتخاطب المكنسة وأدوات التنظيف الأخرى التي تراقبها في يومها الأول، ثم تساعدها في اليوم التالي جزاء على إخلاصها.
أما ورود الحديقة فتستكن فيها الجنيات، ومنهن ميكو التي اختفت لأنها لا تقدم فائدة، وعلى اختفائها يعلق كونار: «الحقيقة التي جهلتها ميكو أن كل كائن لابد من حكمة تقف خلف وجوده»، في مثل هذا الجو العجائبي، يحق للأحجار الكريمة أن تحضر.
وها هي بين مقتنيات كونار الذي ينبئ رقية باسمه، ويأمرها بألا تناديه به، لأنها ليست من الجن،
وتهوى رقية كونار الذي يهديها خاتم (عين الهر)، وهو الحجر الكريم الذي عنون رواية شهلا العجيلي (عين الهر) وكان مما قامت عليه، وسيدعو كونار إلى قصره صديقيه أمير وشهاب.
والأخير يساعد رقية في تنظيف القصر، إذ يحسبها جنية، ويحدثها أنه أحب بشرية تعمل في مكتبة، والبشرية أحبته، لكنها رفضت أن ترافقه إلى أرض الجن.
ولأنه لا يفهم البشريات البارعات في سلب القلوب وتحطيمها، ولأنه كغيره من الجن، يعتقد أن البشر متوحشون، لما سمعه عن قسوتهم، فهو يكرههم، وينصح شهاب رقية بألا تثق بكونار، وبأن تبتعد عنه، لكن رقية ترافق كونار إلى قاع البحر، حيث قصره الزجاجي ومكانه السري، وإليه ينتقلان باستخدام قسوة الألماس.
وهناك تصارح رقية بعشقها، فيصدها كونار: لا يوجد ولا يجب أن يوجد حب بيننا.
من بكاء العاشقة الخائبة يلتقط كونار دمعة تلتمع وتتكور وتتحول إلى لؤلؤة ناصعة.
وكونار يحاول أن يكوّن شيئاً، تنقصه الدمعة، وينقصه الندى الأحمر الذي تنفرد به هدى (سيدة الندى)، وله طاقة هائلة، ويستخدمه ملك الجان لإنتاج الطاقة في جميع أراضي الجن، ويحرم على أي جني الحصول عليه لأي غرض.
ولسوف تبلغ رقية بستان الورود الذي ينتج الندى الأحمر، حين تنسل من الحفل في قلعة هدى، وتخاطبها المرآة: أنا ممر سري إلى البستان.
ويتتوج هذا الفانتاستيك بتمزيق شهاب لعقد رقية مع كونار، فتعود إلى سريرها، لترى جدتها، وتكتشف أن كل ما مضى من العجائب والغرائب والخوارق قد كان في ساعتين من النوم.
وفي هذا الختام يكشف كونار أنه كان يخطط لقتل جميع الجن، حتى لا يأتي اليوم الذي يقاتل فيه أحدهم الآخر، كالبشر، وتلك هي رسالة رواية هند سيف البار، وتبشيرية كونار الذي يتساءل عما إن كان البشر أغبياء حقاً، وعما يعنيه قتلهم لبعضهم بلا رحمة، بل إن كونار يرسم للبشر السبيل في مساعدة الأغنياء جداً للفقراء جداً، كي يستوي الجميع في مستوى واحد، بلا طمع ولا أنانية.
وفي هذا الختام أيضاً تكرس الرواية الحب كقيمة أولى، حتى بين الإنس والجن، فرقية تصادف بائع خواتم، وترفض أن تبتاع منه، فيهديها خاتماً ليذهب بأحزانها، والخاتم من حجر عين الهر، وليس البائع غير كونار الذي تمكن الحب منه ومن رقية.
سلطنة هرمز للفانتاستيك حضور أدنى في رواية ريم الكمالي (سلطنة هرمز)، ولكن بالعنوان نفسه: الجن.
ويبدأ ذلك الحضور منذ عنوان الرواية، حيث نقرأ على غلافها الخلفي أن المشتري أكبر الكواكب، يستشري في مسيرته من دون انكسار، ولأنه جالب للحظ سمّاه الرومان: جوبيتر، ولأنه سريع الدوران، مغير للأقدار، متحكم ونشيط، فقد سماه الفرس: هرمز، وجعلوا الاسم لملكهم تعظيماً.
تنتسب رواية (سلطنة هرمز) إلى ما يُسمى بالرواية التاريخية.
وهو ما أفضل عليه القول بالحفر الروائي في التاريخ.
فالكاتبة، وبما يذكر بقوة بالمعلوفية – نسبة إلى أمين معلوف – تؤثث الفضاء الروائي والمشاهد بثراء ينمّ على مكنةٍ من المادة التاريخية التي أعادت الرواية تشكيلها، فسرّدت المعلومة غالباً ببراعة.
وقد ابتدأت الرواية بالرحلة الأسبوعية للفتاة بدرة بنت عبد الرحمن الحجازي وزميلاتها إلى الجبل، حيث يحكين حكايات قصيرة ممزوجة بالأساطير «إلى أن يقع دبيب الذعر في أفئدتنا، فنقهقه ملء أشداقنا».ترمي بدرة عاشقها مالك بالجنون.
ويروي العاشق أن صديقه البدوي الجبلي من بني عامر قد ذكر كثيراً الجنيات الجميلات في سيح الجبل، فهناك امرأة تتعامل مع الجن، وتلبي مطالب العشاق والباحثين عن الراحة والأمل مستخدمة الحرز والسحر والحجاب: «أدواتها قوية قوة الصخر، وسريعة سرع الريح»، وبصحبة القبطان الصغير والكاتب أنطونيو كامبو، تمضي بدرة إلى الجبل، حيث يسمعان أنيناً يرجّ المكان برهبته، فتقدر بدرة أنه قد يكون أنين الجن.
ويدهش قولها كامبو: «تقولين وكأنهم رفقاؤك»،ويسأل عما إن كانت تراهم الآن، فتنفي أن تكون قد رأتهم البتة، لكنها تقرأ سوراً من القرآن «كيلا يتمكنوا من الالتباس بنا، وكي لا نلتبس بهم».وفي هذه الحدود الدنيا يظل حضور الفانتاستيك في رواية ريم الكمالي (سلطنة هرمز)، إذ الحضور الأكبر هو للشخصيات التاريخية – وعلى رأسها أحمد بن ماجد – وللأحداث التاريخية العاصفة والدامية، ومما طلع بها البحر على الجبل.
نداء الأماكن خزينة تروي رواية مريم الغفلي (نداء الأماكن – خزينة) مما يقال عن بناء جن النبي سليمان في مدين العين للأفلاج والقنوات التي تنقل المياه من سفوح الجبال إلى الواحات.
وفي الرواية أن بطلها غانم يلمح في واحة المعترض ظلاً لرجل بملابس بيضاء شفافة، ويخال أن الطيف ذا الوجه المضيء المتلألئ بأنوار لا يُعلم لها حقيقة، يناديه. لكن الطيف يتسلل مبتعداً كأنه غيمة شفيفة، فيدرك غانم أن من رآه هو من حراس المكان: روح من أرواح أجداد جدته خزينة التي أوصت سارة - زوجته - عندما رأتها تحمل بقايا فخاريات مكسرة: «الأموات يحرسون قبورهم»، وقد أعادت سارة تلك اللقى، نشداناً للأمان.
إنها حركة ثانوية من حركات الرواية، ولكن لها من النبض الصاخب في الروايات السابقة، نصيب.
فالفانتاستيك مكين في الحنايا وفي اللاشعور.
وثمة، في تلك العتمات والمكنونات التي تزخر بها ثقافتنا الشعبية وثقافتنا العالمة، ترمح السرود والحكايات والخرافات والقصص والأساطير، فيحضر الجن مثلاً إلى الروايات، مما رأينا في الروايات السابقة، ليكون للمخيلة لعبها، ويكون لواحدنا توقه إلى المجهول.
بعض المشاهد في الروايات مستوحاة من خيال عجائبي
فيما يعادل الفانتاستيك (الفانتازيا) بالعربية، يشتبك العجائبي بالغرائبي بالخارق، كما تشتبك كل مفردة من هاته المفردات الثلاث بالأخرى، وفي كل اشتباك بينها و/ أو بين الفانتاستيك، افتراق، أو على الأقل تمايز.
وللمزيد في كل ذلك، ربما تكفي العودة إلى المفاتيح الاصطلاحية التي وضعها الروائي والناقد التونسي محمد الباردي في كتابه المهم (الرواية العربية والحداثة).