صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

السيارات تحرك الاقتصادات وتربط المجتمعات

انتعاش متوقع لمبيعات السيارات العام الجاري  لا سيما الأسواق الناشئة (أرشيفية)

انتعاش متوقع لمبيعات السيارات العام الجاري لا سيما الأسواق الناشئة (أرشيفية)

حسونة الطيب (أبوظبي)

رغم أنها تتسبب في موت المئات يومياً حول العالم إثر الحوادث، وتلفظ عوادمها أطناناً من الكربون الملوث للبيئة، لكنها وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها، سواء للمواصلات أو النقل ومساهم فعال في اقتصادات البلدان بتوفيرها للوظائف وجلبها للأرباح. وارتفع عدد السيارات المستخدمة في العالم، من 500 مليون في 1986 إلى 1.25 مليار في 2014، لتناهز 2 مليار بحلول 2040. وحقق إنتاج السيارات رقماً قياسياً في 2016 قدره 88.1 مليون بزيادة 4,8% عن 2015.
ومن المعتقد أن صناعة أول سيارة تعمل بالبخار، تعود لفيرديناند فيربيست، العضو الفلامنكي في البعثة الصينية نحو العام 1672 للإمبراطور الصيني، لا تسع لسوى شخص واحد فقط. أما صناعة أول سيارة تعمل ذاتياً بمساعدة الماكينة، فتعود للفرنسي نيكولاس جوزيف في 1769.
ويمكن القول إن أول سيارة حقيقية، قدمها أميدي بولي للسوق الفرنسية في 1873، تسع لنحو 12 شخصاً، وتتجاوز سرعتها 40 كيلو متراً في الساعة. وبدأ إنتاج أول سلسلة سيارات في العالم، في العام 1891 من قبل بنهارد وليسفور، تبعه أرماند بيجو الذي أسس شركته في ذات العام.
وفي العام 1908، أطلقت شركة فورد الأميركية «موديل تي» كواحدة من بين أول السيارات المتاحة للجمهور، إلا أن العام 1886، هو مولد السيارة الحديثة التي اخترعها الألماني كارل بنز. وفي العام 1897، صنع المهندس الألماني رودولف ديزل، أول محرك يعمل بالديزل.

نقطة الانطلاق
وبالنسبة لصناعة السيارات من حيث العدد خلال القرن العشرين، تمثل فرنسا، نقطة الانطلاق الحقيقية، حيث بلغ العدد نحو 30 ألفاً خلال العام 1903، ما يعادل نحو 49% من الإنتاج العالمي عند ذلك الوقت. وأنتجت أميركا في نفس العام نحو 11 ألف سيارة، بينما المملكة المتحدة 9400 سيارة وألمانيا نحو 7 آلاف. وبلغ عدد شركات صناعة السيارات بحلول العام 1900، نحو 57 شركة، ليناهز العدد 155 بحلول 1914.
وبإنتاج 10 آلاف سيارة من نموذج «فولكس فاجن بيتل» في ألمانيا في 1946 ، ونحو 500 ألف من سيارة «رينو سي في 4» في فرنسا، بدأ عهد جديد لصناعة السيارات، ليتجه العالم بأكمله لاستخدام السيارات بدلاً من اقتصارها على الطبقات الغنية فقط.
وفي خمسينيات القرن الماضي، ساعد النمو الاقتصادي الكبير، في وفرة السيارات، ما أدى لتراجع أسعارها نسبياً. وارتفع عدد إنتاج السيارات في أميركا بأرقام غير مسبوقة بنحو 3.5 مليون في 1947 ونحو 5 ملايين في 1949 وما قارب 8 ملايين في 1955.

أزمة كبيرة
وعانى قطاع صناعة السيارات من أزمة كبيرة في 1956 عند ارتفاع أسعار الوقود، ما حدا بالشركات التوجه نحو صناعة سيارات أصغر حجماً في 1959 مثل «شيفروليه كروفير» و«كرايسلر فاليانت»، و«أوستن ميني» وغيرها.
ونجم عن هذه الأزمة، تكوين «اتحاد منتجو السيارات» وبيع بعض شركات السيارات الكبيرة، لينخفض العدد في الفترة بين 1960 إلى 1980. وفي غضون ذلك، باعت «سيتروين» شركة «بنهارد» في 1965 و«مايزراتي» في 1968 وإنشاء مجموعة «بيجو – سيتروين»، في حين استحوذت «رينو» على إدارة «أميركان موتورز»، التي تم بيعها فيما بعد لشركة «كرايسلر». وبينما انضمت «ساب» لشركة «جنرال موتورز» دخلت «فولفو» لمجموعة «فورد» وقامت «فيات» ببيع «ألفا روميو» و«فيراري» في العام 1969.
وتطورت السيارة على مر العقود من مميزاتها الأساسية لتصبح أكثر تعقيداً بإضافة مثلاً، الكاميرات الخلفية وأنظمة التكييف والملاحة والترفيه وغيرها. وتعتمد معظم محركات سيارات العقد الحالي في عملها على، الاحتراق الداخلي للوقود الأحفوري، ما ينتج عنه انبعاثات كربونية تتسبب في تلوث الهواء والإضرار بالبيئة، لكن بدأ في غضون ذلك، انتشار استخدام السيارات التي تعمل بالوقود البديل والغاز الطبيعي، في حين أصبح استخدام السيارات التي تعمل بالكهرباء متاحاً من الناحية التجارية في 2008.

نقص البنزين
أوشكت السيارات على الاختفاء تقريباً أثناء الحرب العالمية الثانية في أوروبا وحلّت مكانها الدراجات وسيارات الأجرة. ولم يستطع أصحاب السيارات خلال هذه الفترة، الخروج من المرآب بسبب نقص البنزين. وظهر أيضاً خلال تلك الفترة محركات سيارات تعمل بالغاز بدلاً من محرك البنزين.
ويصاحب استخدام السيارة، تكاليف وفوائد. وعن التكلفة، فهي تشمل، امتلاك السيارة ودفع الفوائد في حالة الشراء عن طريق التمويل، فضلاً عن تكاليف الصيانة والتصليح والوقود والإهلاك ورسوم المواقف والضريبة والتأمين وغيرها. وتتضمن التكاليف الاجتماعية أيضاً، صيانة الطرق واستخدام الأراضي وازدحام الطرقات وتلوث الهواء والصحة العامة والرعاية الصحية والتخلص من السيارة نفسها عند عدم صلاحيتها للاستخدام. وحوادث المرور، هي أكبر الأسباب التي تؤدي للموت جراء الجروح.
أما عن الفوائد فتشمل، توفر المواصلات عند الطلب وسهولة التنقل واستقلالية وسيلة النقل وتوفير الراحة. وتتضمن الفوائد الاجتماعية، فوائد اقتصادية مثل، توفير فرص العمل والعائدات المالية من قطاع المركبات والضرائب.

مبيعات العام الماضي
وناهزت مبيعات العالم من السيارات في العام الماضي، 93.5 مليون سيارة بنمو قدره 1.5% بالمقارنة مع 2016، وتعتبر أميركا بجانب الصين، من بين أكبر أسواق السيارات في العالم، سواء من حيث المبيعات أو الإنتاج. وتربعت كل من تويوتا وفولكس فاجن وديملر، على رأس القائمة من حيث العائدات في 2016، بينما هيمنت «بوش» و«كونتننتال»، و«دينسو» و«ماجنا»، على قطاع التوريد للسيارات.
ومن المتوقع، انتعاش مبيعات السيارات خلال العام الجاري، خاصة في الأسواق الناشئة وفي روسيا، التي يشهد اقتصادها نوعاً من التحسن. وربما يعاني نمو الصين القوي بعض البطء، في حين تتسارع وتيرة النمو في اليابان ويراقب خبراء القطاع نتيجة المحادثات التي تجري بين أميركا والمكسيك وكندا حول اتفاقية «نافتا» التجارية. ووفقاً لمؤسسة «بي أم آي» البحثية، من المتوقع ارتفاع عدد مبيعات السيارات خلال هذا العام بنسبة قدرها 3.6% من واقع 3.3% في السنة الماضية، يجيء معظمها من الأسواق الناشئة، في حين يتراجع النمو نسبياً في أوروبا وأميركا.
ومن المرجح، استمرار الصين في المحافظة على موقعها كأكبر سوق للسيارات في العالم خلال العام الحالي، مدعومة بسياسة الاسترداد التي تنتهجها. وفي أميركا، تباطأت وتيرة النمو في السنة الماضية ومن الصعب وضوح الرؤية المستقبلية في ظل الإدارة الجديدة.
وبعد سنة حافلة بالنمو في غرب أوروبا في 2016، نجم عن عوامل مثل خروج بريطانيا عن منظومة الاتحاد وتخوفات البنوك والانتخابات، فقدان السوق شيء من الزخم في السنة الماضية. وفي روسيا وفي أعقاب أربع سنوات من التراجع المستمر، يبدو أن سوق السيارات قد سلكت سكة النمو بنسبة وصلت إلى 8.25% في العام الماضي.
وفي دول جنوب آسيا، تعافى النمو خلال العام الماضي، حيث سجلت المبيعات نسبة تجاوزت 5.5%، في ظل استمرار موجة التعافي باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية. أما منطقة الشرق الأوسط، فقد شهدت نوعاً من استقرار النمو، مدعومة بالتعافي النسبي في أسعار النفط.

انخفاض الأرباح
انخفض متوسط أرباح قطاع السيارات العالمي، من 20% في عشرينيات القرن الماضي، إلى 5% في الوقت الحالي، حيث بدأت العديد من الشركات الدخول في نفق الخسائر. ورغم حجمه الضخم، إلا أن قطاع السيارات يشكل 1.6% فقط من سوق الأسهم في أوروبا ونسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.6% في أميركا. مدفوعة بالمبادرات العالمية مثل، اتفاقية باريس للمناخ، فرضت العديد من الدول حول العالم، ضوابط مشددة على الانبعاثات الكربونية في موديلات السيارات الجديدة.