الاقتصادي

استثمارات ضخمة تنتظر تجارة التجزئة في السوق المصري

متسوقون داخل محلات كارفور في القاهرة (الاتحاد)

متسوقون داخل محلات كارفور في القاهرة (الاتحاد)

محمود عبدالعظيم (القاهرة) - انتهى جهاز تنمية التجارة الداخلية في مصر من إعداد استراتيجية جديدة تستهدف تطوير قطاع التجارة الداخلية أو ما يعرف بتجارة التجزئة الذي يتجاوز حجمها 200 مليار جنيه سنوياً، بعد التشوهات العديدة التي تعرض لها القطاع على مدار العامين الماضيين، بسبب الانفلات الأمني وتضخم ظاهرة الباعة الجائلين.
وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة جهاز تنمية التجارة الداخلية في الإسراع بتطوير القطاع، استعداداً لاستقبال استثمارات أجنبية وخليجية على وجه الخصوص، تعتزم دخول هذا المجال خلال المرحلة المقبلة، ومنها مجموعة “الفطيم” المالكة للعلامة التجارية “كارفور” في الشرق الأوسط والتي اعلنت عن توسيع حضورها في السوق المصري، من خلال استثمار 10مليارات جنيه في مجال تجارة التجزئة خلال السنوات الثلاث القادمة.
وجاء إعلان “الفطيم” بعدما تسربت أنباء حول مفاوضات تجريها المجموعة مع مجموعة “منصور” لشراء سلاسل محلات “مترو كاش أند كاري” و”خير زمان” في صفقة تقدرها مصادر السوق بنحو 400 مليون دولار (2.7 مليار جنيه) وستخصص الفطيم بقية مبلغ المليارات العشرة لتنفيذ خطة توسع جغرافي لسلسلة محلات “كارفور” واستكمال الجوانب الترفيهية ومحال التجزئة في مشروع “كايرو فستيفال سيتي” الذي تنفذه المجموعة في منطقة القاهرة الجديدة، وتستعد لافتتاح المرحلة الأولى منه خلال العام الجاري.
ويتزامن مع إعلان مجموعة الفطيم اعتزام مجموعة “ماكرو” الألمانية ضخ نحو 300 مليون دولار، كاستثمارات جديدة لافتتاح فرعين جديدين في مصر بين عامي 2013و 2014 بعد النجاح الذي أحرزته المجموعة في مصر منذ دخولها السوق في العام 2008.
محاور الاستراتيجية الجديدة
وتمارس الغرف التجارية ومنظمات الأعمال ضغوطاً على الحكومة المصرية لتنشيط خطة تطوير التجارة الداخلية، بسبب الخسائر التي تعرضت لها الشركات العاملة في هذا المجال في الشهور الأخيرة، وتعثر مشروع إنشاء المجمعات التجارية في المحافظات بسبب مشكلات تتعلق بتوفير الأراضي أو نقص التمويل.
وحسب معلومات حصلت عليها “الاتحاد” فإن الاستراتيجية الجديدة لتطوير قطاع التجارة الداخلية في مصر، تتضمن مجموعة من المحاور الرئيسية التي تستهدف تنظيم السوق، ومحاصرة الأنشطة غير الشرعية فيه والتصدي لعمليات التهريب للسلع القادمة من الخارج، ودمج جزء من الأنشطة غير الرسمية بهذا المجال في بنية الاقتصاد الرسمي وإخضاعها للقوانين.
ويتمثل المحور الأول من الاستراتيجية الجديدة، تعزيز صلاحيات جهات الرقابة والتفتيش وضبط الجودة والمواصفات الخاصة بالسلع المتداولة في السوق، وتعزيز صلاحيات جهاز حماية المستهلك وجهاز مكافحة الإغراق ومنع الممارسات الاحتكارية، ومنح الجهازين سلطة تحريك الدعاوى الجنائية مباشرة ضد المخالفين لقوانين المنافسة وحماية المستهلك من دون انتظار تلقي بلاغات المتضررين، مع تشديد عقوبات اختراق هذه القوانين وتطوير آليات عمل هذه الأجهزة ومنح حق التعويض للمستهلك حال حصوله على سلع معيبة أو مجهولة المصدر أو من دون الحصول على فواتير تحدد قيمة السلعة من الشركات أو المحال التي تبيع هذه السلع أو تمتنع عن إصدار الفواتير التي تحفظ حقوق البائع والمشتري.
ويتمثل المحور الثاني في توفير نحو مليار جنيه كتمويل إضافي لمشروعات المجمعات التجارية في المحافظات، بهدف التصدي لظاهرة الباعة الجائلين وذلك من الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد 2013 – 2014 حيث سيتم استخدام هذا المبلغ في شراء الأراضي لإقامة المجمعات، وإزالة التعديات على بعض الأراضي الخاصة بالمجمعات في المحافظات خلال العامين الماضيين.
كما تسعى الخطة إلى تخصيص جزء من مبلغ المليار جنيه لتطوير البنية التحتية لهذه المجمعات من طرق وكهرباء ومياه وصرف، لضمان نجاح التجربة خصوصاً في ظل مقاومة تبديها جماعات المصالح الرافضة للمشروع.
ويتمثل المحور الثالث في إنشاء منظومة إلكترونية متكاملة عبر نظام “الباركود” لضبط حركة تداول السلع داخل الأسواق المحلية، وإلزام المستوردين من أول عام 2014 بعدم استيراد سلع من دون أن تكون مسجلة ضمن نظام “الباركود” العالمي المسلسل، لمعرفة مصدر كل منتج يباع في السوق والجهة التي استوردته والتصدي للسلع المغشوشة أو المصنعة في مصانع “بير السلم” ومعظمها غير مطابق للمواصفات. ويسعى المحور الأخير من الاستراتيجية، إلى تحفيز الاستثمارات الخليجية والتركية على تعزيز وجودها في قطاع تجارة التجزئة، عبر تقديم التيسيرات وإغراء سوق يتجاوز حجمها 90 مليون مستهلك وتواصل النمو، حيث سيقوم الجهاز بجولة ترويجية تشمل اطلاع متاجر التجزئة العالمية خاصة المتواجدة في بلدان أوروبا على خطط تطوير القطاع، ودمجه مع المنظومة العالمية في مجال تجارة التجزئة وتحديث القوانين المنظمة.
ضبط حركة الأسواق
ويرى خبراء اقتصاديون، أن استراتيجية تطوير قطاع التجارة الداخلية أصبحت ضرورة تمليها الظروف الاقتصادية الراهنة، وحالة التشوه الكبيرة التي يشهدها القطاع خصوصاً وأن دمج القطاع غير المنظم في القطاع الرسمي يوفر حصيلة ضريبية إضافية للخزانة العامة في حدود 50 مليار جنيه سنوياً، ويستلزم تحويل ضريبة المبيعات إلى ضريبة القيمة المضافة، المشروع الذي يعد جزءاً من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تقدمت به الحكومة إلي صندوق النقد الدولي، إحكام الرقابة على السوق الداخلي، والحد من حالة الفوضى التي تهيمن عليه حالياً، على صعيد التسعير أو المواصفات أو شبكات التوزيع وإتاحة السلع في المنافذ في توقيتات مناسبة لكسر حلقات الاحتكار.
ويؤكد الخبراء أن الضغوط التي تمارسها الغرف التجارية، تستهدف ضبط حركة السوق بعد أن وصلت إلى مرحلة ضارة بالاقتصاد الكلي، في ظل النمو الكبير الذي يشهده قطاع تجارة التجزئة في مصر والذي قفز من 100 إلى 200 مليار جنيه في السنوات الأربع الأخيرة فقط، ومرشح للوصول إلى 300 مليار جنيه بحلول العام 2016 ، مما يمثل مصدرا كبيرا للحصيلة الضريبية حال نجاح الحكومة في إحكام سيطرتها على حلقات التداول والتوزيع في هذه السوق الضخمة.
وذكر أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أن تطوير منظومة التجارة الداخلية لا يعد مطلباً فئوياً خاصاً بالتجار، بل وسيلة ضرورية لتحديث القطاع الاقتصادي في مجمله، ومحاربة العشوائيات التي سيطرت على العملية التجارية في مصر مؤخراً، وبالتالي فإن إعادة تنشيط خطة التحديث والتطوير سوف يستفيد منها كل الأطراف وفي مقدمتها المستهلك الفرد.
وقال الوكيل إن نجاح محاولات جذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاع يتوقف على نجاح منظومة التطوير، مضيفا :” لا يعقل أن تـأتي سلاسل عالمية لكي تعمل في سوق عشوائية غير منضبطة وقانونها الحاكم هو غش المستهلك وبيعه سلعة رديئة غير مطابقة للمواصفات أو مهربة بأسعار مبالغ فيها”.
وأوضح أن مجموعة إعلان “الفطيم” وغيرها عن ضخ استثمارات جديدة في مجال تجارة التجزئة في مصر خلال الفترة المقبلة يعكس الجاذبية الاستثمارية لللقطاع والفرص المتاحة فيه مستقبلاً، على ضوء النمو المتواصل بفضل تزايد عدد السكان.