صحيفة الاتحاد

الإمارات

سيـح السديرة موطن البذرة الأولى تمهيداً لقيام الاتحاد

سيح السديرة وغدير السديرة (من المصدر)

سيح السديرة وغدير السديرة (من المصدر)

ناصر الجابري (أبوظبي)

تقع منطقة سيح السديرة بين إمارتي أبوظبي ودبي، حيث شهدت الاجتماع التاريخي الذي جمع المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأخاه المغفور له، بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، للإعلان عن قيام اتحاد يجمع إمارتي أبوظبي ودبي بعد مشاورات عدة، ليكون بالتالي النواة الأولى لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويؤكد مؤرخون أن الاجتماع تم بعرقوب السديرة تحديداً في 18 فبراير عام 1968، وهي تلة رملية، ومرتفع يتوسط أبوظبي ودبي، وليس في منطقة السميح، كما كان شائعاً لدى البعض، مشيرين إلى أن هذا الاجتماع يمثل نقطة تحول رئيسة في تاريخ دولة الإمارات المعاصر، لما له نتائج إيجابية ساهمت في عقد عدد من الاجتماعات الأخرى، تكللت بإعلان اتحاد دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر لعام 1971.
وشهد اجتماع السديرة التاريخي إعلان كل من الشيخ زايد والشيخ راشد، طيب الله ثراهما، قيام الاتحاد الثنائي، وإبقاء الباب مفتوحاً لجميع الإمارات الأخرى للانضمام إلى الاتحاد، وهو ما تم بالفعل بعد سنوات قليلة من هذا الاجتماع التاريخي الذي يعد أحد أهم محطات تكوين الدولة.
ونصت الاتفاقية الموقعة في سيح السديرة على نقاط عدة تتمثل في تكوين اتحاد ثنائي يكون له علم واحد، ويعنى الاتحاد بالشؤون الخارجية، والدفاع والأمن الداخلي في حالة الضرورة، والتعليم والصحة، والجنسية والهجرة، إضافة إلى السلطة التشريعية في الشؤون الموكلة للاتحاد بموجب هذا الاتفاق، فيما أشارت الاتفاقية إلى أن الشؤون التي لم توكل للاتحاد، تظل كما كانت من اختصاص كل إمارة.
وتعكس الاتفاقية الموقعة من قبل حاكمي أبوظبي ودبي على مشتركات عدة، أهمها التلاقي في الرؤى المشتركة بين الشيخ زايد، والشيخ راشد، رحمهما الله، هذه الرؤية الوحدوية التي جمعت القبائل تحت علم واحد، وساهمت في تعزيز أواصر التعاون الوثيق بين الإمارتين، بينما تؤكد أيضاً أن المشروع الوحدوي هو نتاج اجتماعات عدة، ومشاورات ترسخت مع الإيمان المطلق بضرورة مواجهة التحديات التي تعترض الإمارات المتفرقة، والتعامل مع المتغيرات الجديدة مع الخروج البريطاني الوشيك من المنطقة، إضافة إلى أن أسس العمل المشترك تمتعت بأرضية خصبة نظراً للتاريخ المشترك، واللغة، والدين، والتجاور التي جمعت ما بين كل إمارة وأخرى.
ويروى عن الاجتماع أن الشيخ زايد وأخيه الشيخ راشد جلسا في خيمة، سُميت بالخيمة الشمالية خصصت لكلا منهما، بينما خصصت الخيمة الجنوبية لإعداد الطعام والتحضير، بعد وصولهما عن طريق سيارتين للعرقوب، حيث ضم كل وفد 3 أشخاص، وقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، القهوة لكونه الأصغر سناً إبانها، ما أتاح له سماع جزء من الحوار الذي اشتمل على جمل عدة، منها قول الشيخ زايد طيب الله ثراه «على بركة الله وضعنا حجر الأساس، وبنينا الجدار إن شاء الله»، ليعقب الشيخ راشد طيب الله ثراه بالقول «على بركة الله، وأنت الرئيس».
وانتهى اجتماع سيح السديرة بالمصافحة التاريخية بين الشيخ زايد، والشيخ راشد، التي جاءت تأكيداً لنجاح الاجتماع في التوصل لرؤية موحدة نحو بناء مستقبل مشرق يجمع أبوظبي، ودبي، ويفتح المجال نحو توسيع رؤية الاتحاد، ودلالة على اشتراك أيادي العطاء في رسم حدود الوطن بعد توحده، كما أن نهاية الاجتماع مثلت بداية أخرى لفصول جديدة في حكاية الاتحاد ما بين الإمارات التي تبلورت مع تلاحق الاجتماعات لتأسيس مفاهيم شكل الاتحاد الجامع، وتوثيق قواعد الأرضية المشتركة ما بين إمارات الدولة، وصولاً إلى رفع العلم عالياً لأول مرة بعدها بـنحو 3 أعوام ونصف العام تقريباً.
وقال حسين البادي، مدير مركز الإمارات للثقافة والتاريخ والتراث لـ«الاتحاد»: «إن منطقة سيح سديرة تعود تسميتها إلى شجرة سدر صغيرة، وبالقرب منها غدير ماء يسمى غدير السديرة، والذي تتجمع فيه مياه الأمطار الجارية في سيوح السميح، والسمحة»، موضحاً: «السديرة جزء من عرق السديرة، والعرق كثبان رملية متصلة ببعضها بعضاً بشكل عرق، ويطل هذا الموضع على منطقة منخفضة، وممتدة تسمى سيح السديرة، والسديرة هي شجرة السدر الصغيرة، وكانت الوحيدة النابتة في هذا الموضع، والتي لا تكبر بسبب أكل الجمال لأوراقها، وأفنانها، وغصونها الجديدة، وفي نهاية سيح السديرة تتجمع مياه الأمطار، وتمتد من هذا الموقع إلى موقع طوي السميح بطول 4 كيلومترات تقريباً، وتبقى المياه في هذا الموضع لشهور طويلة، وتتجمع بقربه القبائل».
وأضاف البادي: «وفقاً لعدد من كبار السن في مناطق السميح، والسمحة، وما حولها من مناطق، أمر الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بنصب المخيم في أعلى عرقوب السديرة، وأمر بإحضار نوقه للحلب، وأمر بإعداد الطعام لأبناء القبائل جميعاً، وبقي في المكان أياماً عدة، كما وفد عليه أبناء القبائل للسلام والتحية، وتمت إقامة سباقات الهجن، وتوزيع الجوائز القيمة للفائزين، بينما تناقلت القبائل الخبر بابتهاج فور زف خبر الاتحاد الثنائي».

مشاتي أهل أبوظبي ودبي
لفت حسين البادي إلى أن هذه المنطقة، وما حولها من مناطق تعد مشاتي لأهل أبوظبي، ودبي، والعين، وكان حاكما أبوظبي ودبي يقصدانها للقنص والصيد، وتوجد الكثير من المواضع الجغرافية المرتبطة بهم مثل بدوع خليفة، وهي مجموعة من الآبار أمر وتكفل بحفرها الشيخ خليفة بن زايد الأول، وأيضاً بدع حمدان الذي حفره الشيخ حمدان بن زايد الأول حاكم أبوظبي آنذاك، وبدع سلطان الذي حفره الشيخ سلطان بن زايد الأول حاكم أبوظبي، وكذلك غافة مكتوم التي كان يبني تحتها الشيخ مكتوم بن حشر حاكم دبي معسكره ومقناصه، ويوجد أيضاً عود ابن حريز والتي تنسب إلى سيف بن عويد بن حريز الفلاسي أحد أعيان أهل دبي، وهناك العشرات من مثل هذه المواقع الجغرافية المرتبطة بشخصيات وأحداث تخص أهل أبوظبي ودبي.
وأشار البادي إلى أنه تم توثيق مسمى سيح السديرة في معجم أسماء المواضع، والأمكنة في دولة الإمارات، لما للمنطقة من أهمية، باعتبارها مولد البذرة الأولى التي شكلت ملامح الاتحاد قبل 50 عاماً، ومرجعاً مهماً للباحثين في استكشاف تفاصيل القصة التاريخية، خاصة أن بعض الآثار القديمة باقية في موقع الاجتماع، مثل الأفاثي والحصا التي أعد عليها الطعام وحضرت فيها القهوة.