تقارير

«الكذب النبيل» في «دير الزور»!

إذا ما كنتم تستمعون لمصادر البنتاجون والكرملين فقط، فقد لا تعرفون أن روسيا هاجمت القوات الأميركية وحلفاءها في سوريا الأسبوع الماضي، وتعرضت لخسائر كبيرة. لكن جميع الأطراف، تعترف بوقوع حادث في قاعدة أميركية في «دير الزور»، شاركت فيه عناصر من النظام السوري والميليشيات الشيعية. كما يعترف البنتاجون والكرملين كذلك بأن «مرتزقة» روساً قد شاركوا أيضاً في هذا الهجوم، لكن الكذبة السائدة الآن هي أن هؤلاء المتعهدين قد خرجوا عن زمام السيطرة الروسية، وأن الكرملين لا يعرف شيئاً عما حدث.
وعندما سأل الصحفيون وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس عن الحادث، وصف الأمر كله بأنه «محير»، وقال: «ليست لدي أي فكرة عما دعاهم للهجوم هناك. فهم كانوا يعرفون أن قوات أميركية موجودة في ذلك المكان». وأضاف ماتيس: «لقد كنا نعلم دائماً أن هناك عناصر في ساحة هذه المعركة بالغة التعقيد، لا يمتلك الروس سيطرة عليها».
وما ينبغي علينا قوله الآن هو أن ماتيس رجل شديد الذكاء، وأن «حيرته» المدَّعاة في هذه الحالة هي على الأرجح ما كان أفلاطون يطلق عليه «كذبة نبيلة»، أي الكذبة التي ينطق بها قائد ما لتحقيق هدف أسمى. فلو كان ماتيس قد اعترف بشكل واضح أن الكرملين قد سمح بشن هجوم مباشر على قاعدة تشرف عليها الولايات المتحدة من قبل أفراد غير نظاميين، لكان قد خاطر بالدخول في دوامة من التصعيد في سوريا. والوضع الأفضل في هذه الحالة هو إبداء الحيرة، ومنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة للتراجع، ونفي مسؤوليته عما وقع، وهو ما فعله بوتين في نهاية المطاف.
من المؤكد أن الهجوم المذكور لم يكن حادثاً، وخاصة بالنسبة للمقاول المعني «شركة فاجنر». فأحد قيادات هذه الشركة هو ديمتري أوتكين، المقدم السابق في وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (جي آر يو)، الذي يرتبط هو والشركة ارتباطاً وثيقاً بالثري النخبوي «يفجيني بريجوزين» المعروف باسم «كبير طهاة بوتين»، لامتلاكه للشركات التي تورد الأطعمة والمأكولات إلى الكرملين.
والمتعهدون مثل «فاجنر»، كما هو معروف، يشكلون جزءاً أساسياً من استراتيجية روسيا الأوسع نطاقاً المعروفة باستراتيجية «الحرب الهجينة»، وهي مزيج من جهد حركي وإعلامي، لتعزيز المصالح الروسية، يتجسد في أشكال عديدة مثل نشر مقاتلين لا يرتدون زياً رسمياً، وهؤلاء هم الذين ساعدوا في الاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014.
وفي الأخير، هناك الحجة الاستراتيجية بشأن تبرير المشاركة الروسية في هجوم دير الزور. وحقيقة الأمر أن سياسة الولايات المتحدة في الوقت الراهن مربكة بعض الشيء. فعندما يتحدث ماتيس ومسؤولون أميركيون آخرون علناً عن المهمة الأميركية في سوريا، فهم يقولون فقط إنها تتمثل في محاربة تنظيم «داعش». ولكن حتى الآن لا توجد سياسة رسمية حول ما إذا كان دور الجيش الأميركي يتضمن مواجهة الجهود الروسية الإيرانية لمساعدة نظام بشار الأسد على استعادة الأراضي التي فقدها في الحرب الأهلية.
وتضاف إلى هذا الرسائل المختلطة التي أرسلتها الولايات المتحدة الشهر الماضي، عندما فشلت في منع تركيا من قصف مدينة عفرين الخاضعة لسيطرة الأكراد الذين يعتبرون شركاء رئيسيين لها في الحملة ضد «داعش»، الأمر الذي دفع المقاتلين الأكراد المتمركزين في دير الزور للتوجه نحو عفرين للمشاركة في الدفاع عنها مما جعلها -دير الزور- هدفاً أكثر جاذبية للتحالف الروسي الإيراني في سوريا.
أما فيما يتعلق ببوتين، الذي قصفت قواته الجوية الجيوب الأخرى التي يتمركز فيها المعارضون المدعومون من الولايات المتحدة في سوريا، فإن عجز الولايات المتحدة عن منع تركيا، وهي عضو في حلف «الناتو»، من مهاجمة حليف آخر في عفرين، كان يمثل علامة على الضعف. وكان الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي على دير الزور بواسطة المرتزقة الروس، فرصة لجس نبض الاستجابة الأميركية.
والخبر السار هنا هو أن استجابة الولايات المتحدة كانت سريعة وقوية. وفي حين لا توجد أرقام دقيقة عن الخسائر فإن بعض وسائل الإعلام الروسية أفادت أن أكثر من 200 من المرتزقة الروس قد قتلوا في الغارة الأميركية.
ويعيدنا هذا إلى ماتيس، وسبب رفضه توجيه اللوم مباشرة إلى روسيا عن الحادث. يقول مراقب للأوضاع: «تخميني بشأن سبب قوله إنه كان محتاراً، أنه كان يرسل بقوله هذا إشارة إلى الروس مؤداها: أنا مستعد لإعطائكم القليل من الوقت للتوقف عن هذه الأعمال، وعدم تكرارها مرة أخرى».
وهناك جانب سلبي بالنسبة لهذا النوع من «الكذب النبيل». فبالنظر إلى أن متعهدين مثل «فاجنر» يشكلون جزءاً أساسياً من استراتيجية وتكتيكات روسيا الأوسع نطاقاً، فمن المهم أيضاً أن تحرم الولايات المتحدة موسكو من فرصة تقديم مبررات مقنعة لإنكار دورها في مثل هذه الهجمات، وأن تقول لها بصراحة إن الهجوم الذي يقوم به مرتزقتكم سيجري التعامل معه على أنه هجوم من قبل القوات المسلحة الروسية.

*كاتب أميركي متخصص في شؤون الأمن القومي والاستخبارات
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»