صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

التعددية الثقافية.. تنوّع يأبى الطَمس

الأيادي محنّاة لكن لكل منها نقشتها الخاصة.. تنوع يأبى الطمس (أرشيفية)

الأيادي محنّاة لكن لكل منها نقشتها الخاصة.. تنوع يأبى الطمس (أرشيفية)

انتقد جمعٌ من علماء الاجتماع الأمريكان حالات التحكم السائدة في أوروبا، باسم الوصاية على الذاكرة الجماعية، وادعاء التمثيل الأصيل في مقابل الوافد الدخيل. نذكر على سبيل المثال انتقادات علماء الاجتماع دارن شِرْكات وكريستوفر إلّيسون ورودناي ستارك ولورانس إياناكوني.
تعدّدية تجابه الاحتكار
الحقيقة أن التعددية الثقافية في أوروبا بقدر ما تغري وتغوي تبعث على الخشية أيضا لدى بعض الأطراف نظرا لتبعاتها المتنوعة. ليس لأن حمولة التعددية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا، في الحد من احتكار الرأسمال الرمزي من قبل أطراف نافذة تتحكم بالسوق الثقافية، كَنَسية ويمينية وشوفينية. كان عالم الإناسة البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov)، قد صاغ في مؤلف بعنوان «غزو أميركا»، تصورا نبيها عن عقلية الأوروبيين الغزاة لقارة أميركا، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. لا يزال هذا التصور مجديا في الإحاطة بالوقائع الأوروبية، في تعاملها مع الآخر القادم من العالم الثالث في تاريخنا الراهن.
وفي أوروبا المعاصرة أتى التعاطي مع المهاجرين القادمين من الدول المستعمَرة سابقا وحتى من غير المستعمرة، تقريبا وفق المقاربتين المذكورتين. فعلى سبيل المثال اعتمد الفرنسيون التذويب، وطغى على مجمل سياسات الهجرة ضربٌ من اليقين، مفاده أن الوافِد سوف ينصهر ويتلاشى في ذلك المدى الجارف، وشُبِّه للكثيرين أن الجموع المهاجرة، التي غدت في الحقيقة مستوطنة، سائرة في نسق من الذوبان لا مناص منه. ففي مرحلة سابقة برّر الاستعمار الفرنسي تواجده في إفريقيا عامة وفي الجزائر خاصة، بهدف «تحضير» الشعوب المتدنّية، أي نقلها من طور حضاري سافل إلى طور آخر راق. وقد بقي هذا المعطى المركزي ثابتا في عمليات الاستيعاب للمهاجر من خلال ما يعرف بخيار (L’assimilation)، الذي يعتمد التذويب والصهر في بوتقة الحضارة الفرنسية المعتدّة بماضيها وحاضرها والمؤمنة بمستقبلها. ففي التشريع الفرنسي ليس هناك مراعاة لخصوصيات الأقليات، بل هناك توجه عام لصهرها في بوتقة واحدة. ولا يعترف نموذج الدمج القسري (لا الاندماج الطوعي) للمرء بحقوقه إلاّ متى تخلص من ارتباطاته الإثنية والرمزية والثقافية. فهو نظامٌ مضاد للتجمعات الثقافية وباحث عن الصهر الإلزامي، وبالتالي لا ينطبق عليه مفهوم «المولتيكولتوراليزم»، بصفته لا يعترف أصلا بالمكونات الثقافية وإسهاماتها.
في حين ومن جانب آخر، رفض الألمان، في البداية، الاعتراف بظاهرة الهجرة على أراضيهم، وحذت هولندا حذو ألمانيا في تلك السياسة، معتبرين القادمين للعمل ضيوفا وقتيين، حتى لمن قُدّر لهم المولد في تلك الربوع، ضمن ما كان يُعرَف بـ«العمّال الضيوف» (Gastarbeiter). يسكنون في أحياء خاصة بهم ومعزولون في غيتواتهم، قرب المصانع التي استقدموا ليشغلوا آلاتها، ليتبين فشل تلك السياسة الإقصائية لاحقا. كان المهاجرون حاضرين بملامحهم وسواعدهم دون أرواحهم. بصفة القادمين هم من تركيا والمغرب وتونس حينها. وحين تُرحَّل توابيت بعض العمّال الأتراك أو المغاربة إلى أوطانهم، يُكتشف حينها أن الشخص من أتباع الديانة الإسلامية، وأنّه آثر أن يدفن في وطنه لا أن يُواري جثمانه الثرى في أرض أجنبية، على حد تعبير الكاتبة الألمانية جيرديان جونكر.
لكن تلك السياسة الألمانية تطلبت مراجعات عميقة لتلك الخيارات، التي تبيّنَ بالفعل لا واقعيتها وتخلّفها. فالتنوع القادم نحو ألمانيا في التاريخ المعاصر، والمتمثّل في جموع الأتراك والإيطاليين والصرب والتونسيين وسكان المغرب الأقصى، والمتراكم فوق القديم ليس نشازا تاريخيا وليس إسهاما اجتماعيا خارجا عن المألوف. فقد تواجدت في ألمانيا مكونات أخرى أقدم عهدا، انضمت إلى النسيج الأهلي منذ قرون عدة، (الدنماركيون قرابة خمسين ألفاً؛ الفريزونيون قرابة عشرة آلاف؛ السينتيون والغجر يقاربون سبعين ألفا، وغيرها من الأقليات الحاضرة منذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وعشية هيمنة النازية تم تجميع ما يناهز 500 ألف من السينتيين والغجر في محتشدات.
ولكن التعددية الثقافية ليست دائما حدثا متأتيا من الخارج، بل تكون أحيانا أمرا واقعا، ويمكن أن تشير إلى التعايش بين جماعات لغوية وثقافية ودينية متواجدة فوق الإقليم الترابي ذاته. ففي شمال إيطاليا ناحية الشرق، نجد مجموعات عرقية متنوعة: السلوفينية، والفرويليانية، والشيمبرو، واللادينو، والتيرولوزي، والبروفينسالي، والأوشيتانو، إلخ... كما نجد أقليات الأربريش، في كالابريا وصقلية وبازيليكاتا، وعادة ما تبرز هذه التعددية العرقية بشكل أوضح على التخوم. فالحدود الترابية الثابتة توازيها حدود ثقافية مائعة. وفي ما يتعلق بالتعددية الدينية نجد حضورا قديما للتقاليد الدينية العبرية والمسيحية الأرثوذكسية، في منطقتي البندقية وترياست، والبروتستانتية اللوثرية في منطقة ألتو آديجي، والفالدية في بييمونتي، فضلا عن الحضور المتنامي لشهود يهوه.
وبالتالي ليست التعددية الثقافية نتاج المهاجر قريب العهد، العائد إلى العقود الأخيرة، بل هي إضافة لما هو موجود ومتراكم. وربما المهاجر الإفريقي والآسيوي والعربي يجعل ذلك التعدد جليا أكثر. وبالتالي ثمة طبقات عدة من التعددية الثقافية بما يضاهي «التراصف الطبقي» الذي يتحدث عنه علماء الآثار.
وبعيدا عن الحديث السطحي عن اللائكية، لا يزال الدين حاضرا في المجال العمومي في الكثير من البلدان الأوروبية: ففي إيطاليا على سبيل المثال ما فتئت الروزنامة المدرسية مخترقة طولا وعرضا بمحطات الأعياد والاحتفالات الدينية، وعادة ما يكون افتتاح العام الدراسي بإقامة قداس، وأثناء حفلات «بطارنة» المدن، أي بما يقابل الأولياء في المخيال الشعبي العربي، لا تبقى المحلات التجارية فحسب مغلقة، بل المؤسسات العمومية أيضا. هذا إن لم نتحدث عن التشريعات المتعلقة بالطلاق والإجهاض والإخصاب الاصطناعي، التي لا تزال محكومة بسطوة الميراث الديني.
تصلّب الهوية الوطنية
جاء بروز فلسفة الاختلاف مع جاك دريدا ضمن توجه عام يسعى إلى ترسيخ حقوق الأقليات، ويتطلع إلى وضعها على قدم المساواة مع الأغلبية المهيمنة، دون احتكار للفضاء الثقافي العام من قبل القوى التقليدية التي تزعم الوصاية على الذاكرة الجماعية. فالعرض المتساوي لأنماط العيش في وسائل الإعلام وفي الفضاء العمومي، حقٌّ يُفترَض أن تضمنه الدولة بقصد مساعدة عادلة لكافة الأطراف في الحضور داخل النسيج الاجتماعي. لا أن تُختَزل التعددية الثقافية في مهرجانات المطاعم الإثنية، أو في الرقص والغناء العائد لتلك الجماعات، ولا يُقبل بحضورها أو إسهامها في جوهر البناء القانوني. فأحيانا هناك قبول فولكلوري للتعددية الثقافية متأت من شغف إيزوتيكي، يقابله رفض إداري ومؤسساتي. وبالتالي قد تخفي التعددية الثقافية الخادعة ما يسود من هوية واحدة متصلبة وثقافة مهيمنة.
فعلى سبيل المثال تختزل قضايا التعددية الثقافية، لا سيما منها مع الطرف العربي المهاجر والمستوطن، في مسائل لحم الحلال والفولار والصومعة. والحال أن التعددية هي بحث عن ديمقراطية اجتماعية فعلية. إذ نرصد حيفاً اجتماعياً، قوامه العزل المقصود في الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ، لشبيبة من أصول عربية وليدة الغرب. ولعل أخطر مستويات عدم تبني مفهوم التعددية الثقافية، حين تكون صادرة من أعلى ومدعومة بقرار مؤسساتي. تتحدث الباحثة جوسلين شزاري عن الصلة بين الأصول العرقية والدين والفقر، وهي معادلة في منتهى الخطورة في حالة المهاجرين المغاربة في فرنسا وإيطاليا.
ويورد الباحثان عبداللالي حجات ومروان محمد الفرنسيان في مؤلّف «الإسلاموفوبيا: النخبة الفرنسية وصناعة مشكلة الإسلام»، الصادر في باريس سنة 2013 عن دار لاديكوفارت. أنه أثناء الإضرابات التي شنها عمال شركتي سيتروان وتالبو الفرنسيتين سنة 1982، جرى اتهام المحتجين من قبل تحالف الأعراف والساسة والإعلام بالأصولية، لأن شقا واسعا من المحتجين كانوا مغاربة، أدرجوا ضمن قائمة المطالب إقامة بيت صلاة. خلّفت الاحتجاجات حينها ترحيل العديد خارج فرنسا، واختزال القضية في مبررات دينية، بعد وصْف الإضرابات بأنها «شيعية» خصوصا وأن الفترة كانت قريبة عهد بالثورة الإيرانية.
ما يحرج اليوم أن تتحول التعددية الثقافية في أوروبا، مع بعض الساسة، من مطلب اجتماعي إلى برنامج صراعي. يغدو الآخر ليس ثراء بل تهديد، ليس إضافة بل نهب. لكن ذلك ينبغي ألا ينسينا تحول التعددية الثقافية أحيانا إلى نقمة بعد أن تخيلناها نعمة، حين تتحصن كل حساسية ثقافية داخل خندق خاص وترفض التفاعل والتداخل.
أثارت مسألة التعددية الثقافية في أوروبا جدلا واسعا ولا تزال، بصفتها رؤية اجتماعية منفتحة مناهضة للأحادية الثقافية. فدُول القارة لا تزال محكومة بعدة أشكال من المونوبول يطال المجالين الثقافي والروحي أساسا. يأتي الأمر على خلاف ما نجده من تحرر شامل في السوق الرمزية والروحية في الأوساط الأميركية.


أيديولوجيا الغزاة
استعاد تزفيتان تودوروف في بنائه الأنثروبولوجي مختلف المواقف التي اتخذها الغزاة أثناء مواجهتهم الهنود الحمر، والتي تراوحت بين القول بالذوبان والتمييز: من جانب يتيسّر لذلك الآخر أن يصير مثْلَنا، وملامحه المختلفة لن تَحُول دون أن يكون شبها لنا؛ ومن جانب آخر لن يتيسّر لذلك المختلف أن يكون مثلنا، مع استبعاد إمكانية تحوله إلى كائن مساير لنمط عيشنا ولأعرافنا الاجتماعية. وقلّة من هؤلاء الغزاة من تبنوا موقفا وسطا، ينبني على مراعاة ذلك الآخر واحترام خصوصياته. وكانت القناعة آنذاك أن الآخر ينبغي أن يفتّش عن التلاؤم معنا، إذ الحقّ والخير يدوران معنا حيثما درنا. والغزاة كما يذكر تودوروف: «بحثوا في وصف الهنود الحمر، عن مصطلحات، استوحوها من تاريخهم... سمى الإسبان أولى المعابد التي عثروا عليها مساجدَ، والمدينة الأولى التي صادفوها القاهرة الكبرى».